مَـن فـى النُّفـوسِ سَـطَا على السُّلوانِ
الشاعر: عبد الحليم حلمي · البحر: الكامل
هذه القصيدة من شعر عبد الحليم حلمي، من العصر الحديث، وتقع في 90 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف النون.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
مَـن فـى النُّفـوسِ سَـطَا على السُّلوانِ — ومَــحَــا صــحــيــفــتَهُ مــن الإِيـمـانِ
خـطـبٌ أنـاخَ عـلى العـوالم بـالأسى — واجــتــثَّ أصــل الصــبــرِ بـالجـولانِ
ولَّى النَّبــيُّ ســمــيُّهــ وطــوَى الردَى — عــلمَ اليــقــيــنِ ورايــةَ الإِيـمـان
قـامـت بـنـاتُ المـجـدِ تـنـدبُ عـهـدَه — فــى مــأتــم الصــدقــات والإِحـسـان
وبـدت عـليـه بـنـاتُ نـعـش نـواعـيـا — وتَــسَــاقـطَ العـنـقـودُ فـى الدَّبـرَان
وتــردَّت الشِّعــرَى حــداد المــشـتـرى — وســـهـــيـــلُ جـــلَّله دجـــى كـــيــوان
وتــوارت الزَّهـراءُ فـى ظُـلَم السُّهـا — حــزنــاً وهــمَّ النَّســرُ بــالطــيــران
شَــتَّ النُّعــاةُ بــكـلِّ أرضٍ وانـثـنـوا — والخــلَقُ فـى الطُّرقـات كـالفـيـضـان
فــاذا بــمــتَّاـح القـليـبِ ومـا دَرَى — مــســتــغــنــيـاً بـمـدامـع الرُّكـبـان
يـازيـنـتـى عـنـد السـلام لمـجـلسـي — يــا عــدَّتــى عــنـد الوغَـى لزمـانـى
قـد كـنتَ شمسي فى الشتاء وكنتَ لى — ظــلاً اذا الصــيـفُ اسـتـبـدَّ وقـانـى
يــا يـومَ عـدتُـك والحِـمـامُ بـمـرصـدٍ — يـــرنـــو اليــكَ وأنــتَ لســتَ بــران
يـطـوِى الظـلامَ وأنـتَ فـى حـسـبـانِه — والمـوتُ عـنـدك ليـسَ فـى الحُـسـبـان
تــنـتـاشُ أروقـة الحـديـثِ تـلاهـيـاً — عـــمـــا تــكــابــده مــن اليَــرقــانِ
وتــمــدُّ أشــطــانَ الحــيــاةِ طـويـلةً — إِنَّ الحــيــاةَ قــصــيــرةُ الأشــطــان
مــتــقــلبـاً فـوق الفـراشِ كـلاكـمـا — مــن جــهـدِ مـا بـأخـيـهِ كـالحـيـران
مــتــرقــبــاً وجـهَ الطـبـيـبِ كـأنَّمـا — فـــى راحـــتـــيـــهِ راحــةٌ للعــانــى
كــم ذا يــعــلل بــالشــفــاءِ كــأنَّه — جـــعـــل الشـــفـــاءَ مــقــدَّراً لأوان
واذا تـحـتَّمـت المـنـونُ عـلى امرىءٍ — مــا للطــبـيـبِ عـلى الشـفـاءِ يـدان
كــمَــن الردَى ورمــاك غــيــرَ مـكِـبِّرٍ — ليـــتَ الردى لمَّاـــ رمــاك رمــانــى
فــأبِــن اليَّ خـطـاك فـى طُـرُق الثَّرى — كــى أقــتــفـيـك وسـوِّ فـيـه مـكـانـى
بــيـنـى وبـيـنـك سـكَّةـٌ مـهـمـا تـطـل — يــقــطــع مـداهـا القـلبُ بـالخَـفَـان
فــأرح فــؤادك إن تــشــوَّقـت امـرءاً — إِن الســـنـــيــنَ تــبــيــدهُــنَّ ثــوان
النـاسُ يـبـنـونَ القـصـورَ وما دروا — مــن ذا يــكــونُ بــهــا مـن السُّكـان
والنَّخـلُ تـزرعـه الكـهـولُ لغـيـرهـم — كــم زارع يــشــقَــى ويــســعــدُ جــان
مـا بـيـنَ مـهـدِ أخـى الحياةِ ولحدِه — شـــبـــرٌ يـــقـــاسُ بــأذرعِ الأزمــان
يــومٌ بــه يــبــدو ويــومٌ يــخــتـفـى — إنَّ الحــيــاةَ جــمــيــعَهــا يــومــان
مـا بـيـنَ إقـفـال العـيـونِ وفـتِحها — يــشــقَــى بــهــا هــانٍ ويــســعَـدُعـان
كــم حــاذق فـى العـيـشِ غـيـر مـوفَّقٍ — قــد بــاءَ بــعــد الكـدِّ بـالحـرمـان
ومــجــازف مــتــعــجِّلــ خَــرِقِ النُّهــى — بــلغ المـرادَ بـحـكـمـةِ المـتـوَانـى
مــتــطــلبُ الدنــيـا بـغـيـرِ وسـيـلةٍ — مـــتـــطــلبٌ ربــحــاً مــن الخُــســرَان
والنــاسُ ألفــاظٌ تــروح وتــغــتــدى — ولَرُبَّ ألفـــاظٍ بـــغـــيـــرِ مــعــانــى
يــطـغـون فـى تَـرَفِ الحـيـاة كـأنَّهـم — ضــمــنـوا الحـيـاةَ وصـحـة الأبـدان
ضـمـن الزفـيـرَ أخُـو الحـياة فليتَه — ضــمــن الشــهـيـق فـتـأمـن الرئتـانِ
غــادَرتَ بــالهـرمـيـن قَـصـراً طـائلاً — فـــى ظِـــلِّه يــتــقــاصــرُ الهــرمــان
والمــشــرعُ الفــيَّاــضُ سُــدَّ ســبـيـلهُ — وطــغَـى الهـجـيـرُ بـمـهـجـةِ الظـمـآن
والنــدوةُ البــيـضـاءُ وهـى مـبـاحـةُ — مُــلِكــت مــذاهـبُهـا عـلى الضـيـفـان
والجـنَّةـُ الفـيـحـاءُ حـالَ عـبـيـرُهـا — وبــكــت حــمــائمُهـا عـلى العِـيـدان
شــقَّ الســحــابُ جـيـوبَه جـزعـاً بـهـا — وأهـــابَ دمـــعُ الوردِ بــالريــحــان
ورأى دمـوعَ النـرجـس انـطـلقـت دماً — عـــن صـــبـــغـــة التُّفــاحِ والرمَّاــن
يـاويـحَ أشـجـار اذا اسـطـاعـت مـشت — جــزعــاً اليــك بــغــيـرِ مـا أغـصـان
حــمـلت لنـا ثـمـرَ الجـنـان وبـعـده — حــمــلت لنــا ثــمـراً مـن الأَشـجَـان
يــا أيــهـا القـصـرُ الأَشـمُّ بـنـاؤُه — بــالله قــل لى أيــنَ ذاك البـانـى
أرأيــتَ ربَّكــ يــومَ فــاضــت نــفــسُه — أو يــومَ ســارَ بــنــعــشِه الثَّقــلان
كــادت تُــطـلُّ مـن العـيـونِ قـلوبُهـم — لتـــمـــدَّ صــيِّبــَهــا بــأحــمــرَ قــان
حـمـلُوا على الحدباء دنياً لم تكن — لتــــقـــاسَ بـــالأَبـــصـــارِ والآذان
لولاهـــمُ يـــتـــبـــرَّكــون بــســرِّهــا — خــرُّوا بــمــحــمـلهـا عـلى الأَذقـان
خـطُّوا لهـا فـى الأرضِ بـضـعـةَ أذرعٍ — تــسـع البـريـة مـن بـنـى الإنـسـان
خــلّ الدمــوعَ تَــشــفُّ عـن وجـدانـهـم — إِن الدمــــوعَ تــــراجـــمُ الوِجـــدَان
لو كـنـتَ شـاهـدَه غـداةَ عـلاَ الثَّرى — جــبـلاً حـكـى الجـوديُّ فـى الطُّوفـان
لرأيـتَ كـيـفَ تـكـونُ عـاقـبـةُ الورَى — وشــهِــدت كــيــف تُــقَــاصـرُ الأَعـوان
وعـــلمـــتَ أن الله أكـــبـــرُ قــدرةً — مـــن أن يـــكـــونَ له شـــريــكٌ ثــان
ويــحــى أَأدفــنُ مـهـجـتِـى وأفـوتُهـا — تــحــتَ الثــرى وأعــودُ بـالجـثـمـان
وأبــيــتُ أرثــيـهـا وأُصـبـحُ واعـيـاً — مــا عــنَّ لى فــيــهـا مِـنَ التِّبـيـانِ
وأعــيــشُ بــعــدك يـا مـحـمـد إنـنـى — جــافــة الخــلائقِ بــيّــنُ البُهـتـان
إبـعـث بطرفك فى التُّرابش فكم ترى — مـــن قـــادةٍ عُـــزلٍ ومـــن شُــجــعَــان
ومــوسّــديــن عـلى الرّغـامِ خـدودهـم — مــن بــعــد خِــزّ قِــبَــا ودُرِّ عُــمــان
ومـــعـــفَّريـــن بـــكــلِّ ســافٍ أغــبــرٍ — شــدُّوا عــلى الأكــبـاد بـالأكـفـان
فــقـدَ العـمـومـةَ والخـؤولةَ مـعـشـرٌ — كــانُــوا بــجــاهــكَ زيــنـةَ الشُّبـان
لولاك ما عرفوا الحياةَ ولا دروا — بــيــنَ الرِّجــال مــحــبــةَ الأَوطــان
قـد كـنـتُ عـنـك مـن المـنـيةِ مغنياً — لو كــان أغــنــى نــوحُ عـن كـنـعـان
ولقـامَ خـيـرُ بـنـيـكَ عـنـك مـحـامياً — لو أن ذلك كـــان فـــى الإِمـــكـــان
يــا واصــلَ الأَرحــامِ فــى مـنـبـتّـا — ومـــعـــزَّهـــا فـــى ســائرِ البــلدان
يـا حـاملاً زُمرَ الهدايا فى الدُّجَى — يــا مُـنـزِلَ السَّلـوى عـلى الجـيـران
يـا مـالئاً بـيـت الفـقـير عليه يا — مـحـيـى القِـرى يـا مـشـعِـلَ النِّيران
قــد عــشـتَ مـثـل مـحـمـدٍ فـى بـقـعـةٍ — تــحــنُــو عـلى الأصـنـامِ والأوثـان
عَــبَــدَت هــيـاكِـلَهـا بـنُـو مـصـرايـمٍ — وأتَــت كــنــائســهـا بـنُـو الرُّومـان
فــنــهـضـتَ فـيـهـا داعـيـاً ومـبـشّـراً — مــثــلَ ابــنِ عــبـداللهِ فـى عـدنـان
نـــزلت بـــشــربــيــنٍ مــصــائبُ عِــدَّةٌ — أمــســت بـنـاركَ فـى الأسـى كـدُخـان
قـد كـنـتَ فـى سُـحـبِ الحوادث شمسها — وهــلالهــا فــى ظــلمــةِ الحــدثَــان
وضــريــحُ جــدِّك قــد عَــلتــه جَهـامـةٌ — وســطَــا عــليــه مــزعــزع الأَركــان
لاحـــظـــتَه بـــعـــنــايــةٍ بُــرَعــيــةٍ — قـد كـان يـنـشـقُ نـفـحَهـا الحَـرمـانِ
ذكـــروك فـــيــه عــنــد كــل زيــارةٍ — وإمـــــامـــــةٍ وخــــطــــابــــةٍ وأذان
يـا أيـهـا القـبـرُ الذى لُفَّ السُّهـا — بــــســــبـــعٍ مـــن سَـــنـــاه مـــثـــان
هـل أنـت فـى البـيـداءِ قـبـرُ مـحمدٍ — أم أنـتَ فـى البـيـداءِ قـبـرُ حـنـان
يـا قـبـرُ قـد واريـتَ نـوراً لم يجد — للشــمــس مــعــنًــى بــعـده المـلوان
فــإذا هــمُ وزنــوكَ يـومـاً والضّـحَـى — رجــحــت بــنــورك كــفــةُ المِــيــزان
يــا قـبـرُ كـن سـمـحَ الخـفـاءِ فـإِنَّه — قـــد كـــان ســمــحَ السِّر والإعــلان
يــا قــبــرُ كُـن جَـودَ الرِّحـاب فـإنَّهُ — قــد كــان جــودَ الدَّار والبُــسـتَـان
واريــتَ مــجـداً لم يـحـاوله السُّهـا — يــومــاً ولم يــتــمــنَّهــ القــمــران
ليــس المـلوكُ هـم الذيـن عـهـدتَهـم — يــتــصــدَّرون العــرشَ فــى الإيــوان
إِنَّ المــلوكَ هـمُ الذيـن اذا قَـضَـوا — دخــلُوا الجَـنَـانَ بـأشـرفِ التِّيـجـان
أبَــنِــى مـحـمـدَ لم يـمـت مـن أنـتـمُ — أبــنــاؤُهُ فــالمــوتُ فـى النـسـيـان
وأبــوكــمُ شــغــل الخــلودَ بــذكــره — ألنــاسُ ذكــرَى والحــيــاةُ أَمــانــى
إِنـــى أعـــزّيـــكـــم وأعــلم إِنــنــى — أحـــتـــاج فـــيـــه الى مــعــزٍ ثــان
يـا نـادبـيـنَ مـحـمـداً إِن تـهـرقـوا — دمــعَ العــيــونِ فـذاك دمـعُ لسـانـى
لو أحــيــتِ المـوتـى مـقـالةُ شـاعـرٍ — لنــشــرتُهــم وحــشــرتُهــم بـبـيـانـى
لا تــنــدبُــوا مَــلَكــاً يـجـاور ربَّهُ — ويــقــيــمُ بــيــنَ الحــورِ والوِلدان
قــد زيَّنــَ الجــنــاتِ لاســتــقـبـالهِ — وبـــنـــفــحــهــنَّ تــعــطَّر المــلَكَــان
فـادخـل جـنـانَ الخـلدِ لا مـستأذناً — فــــاللهُ قــــد أوحَـــى الى رضـــوان
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف النون — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- الدبران: الدَّبَرَانُ : في علم الفلك، خمسة كواكب من الثَّور وهو من منازل القمر.
- السلوان: السُّلْوَانُ : مصـ--: النسيانُ مع طيب النَّفْس.-: ماءٌ كانوا يزعمون أنْ العاشِقَ إذا شَربَهُ سلا عن حبّه.-: دواء يشربه الحزين فيُسليه ويفرحه/ سقيتني سُلََوَاناً، أي طَيَّبْتَ نفسي.
- السها: سها: السَّهْوُ والسَّهْوةُ: نِسْيانُ الشَّيْءِ وَالْغَفْلَةُ عَنْهُ وذَهابُ الْقَلْبِ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ، سَهَا يَسْهُو سَهْواً وسُهُوّاً، فَهُوَ سَاهٍ وسَهْوَانُ، وإنَّهُ لسَاهٍ بَيِّنُ السَّهْوِ والسُّهُوِّ. وَفِي ا …
- العنقود: (الْعُنْقُودُ) : مَعْرُوفٌ، وَهُوَ مِنَ الْعَقْدِ، كَأَنَّهُ شَيْءٌ عُقِدَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ.
- بالجولان: الجَوَلانُ : مصـ. -: التحرك والاضطراب. - في الأرض: الطواف غير المستقر؛ دامَ جوَلان الرَّحالة في الكرة الأرضية عدة سنوات. - الأمرِ قي النَّفس: تردُّدُهُ؛ أتعبه جَوَلانُ الفكرة في رأسه من غير استقرار على رأي.
- بالطيران: الطَّيَرَانُ : مصـ. ـ: التحليق في الجوّ. ـ: الصُّعود إِلى الجوّ بالطائرة؛ الطيران المَدنيُّ، هو مجموعةُ الطائراتِ والمنشآتِ والأَجهزةِ المستخدمة في نقل الرُّكاب والبضائع بطريق الجوّ/ الطيران الحَرْبِيُّ، هو سلاح الجوِّ ب …