أَمـــن تـــذكـــر جـــيـــران بـــذي ســلم
الشاعر: العُشاري · البحر: البسيط
هذه القصيدة من شعر العُشاري، من العصر العثماني، وتقع في 191 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف الميم.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
أَمـــن تـــذكـــر جـــيـــران بـــذي ســلم — نَــحــرت قَــلبــك بَـيـن الضـال وَالعـلم
وَحـيـن خـيـلت عَـيـشـاً قَـد مَـضـى بـمـنى — مــزجــت دَمــاً جَــرى مِــن مُــقــلة بــدم
أَم هَــبـت الريـح مِـن تـلقـاء كـاظـمـة — فَـبـت وَالطَـرف سـاهـي العَـيـن لَم يَـنَم
يــنــهـل إِن سـرت النَـكـبـاء فـي سـحـر — وَأَومـض البَـرق فـي الظـلمـاء مِـن إِضم
فَـمـا لعـيـنـيـك إِن قُـلت اكـففا همتا — كَـــعـــارض ســـح أَو غـــاد مِــن الديــم
وَمــا لنـارِك إِن أَطـفـأتـهـا اشـتـعـلت — وَمــا لقــلبــك إِن قُـلت اسـتـفـق يـهـم
أَيَــحــسَــب الصــب أن الحُــب مُــنــكَـتـم — تــاللَه مــا حــبــه عَــنــا بــمـنـكـتـم
فَــكَـيـفَ يَـخـفـى وَقَـد أَضـحـت حـشـاشـتـه — مــا بَــيــنَ مــنــســجـم مِـنـهُ وَمـضـطـرم
لَولا الهَـوى لَم تـرق دَمـعـاً عَلى طلل — وَلا ســهــرت وَلا أَصــبــحــت فــي لمــم
وَلا ســقــيــت الثـرى مِـن مَـدمـع خـضـل — وَلا أرقـــت لذكـــر البـــان وَالعـــلم
فَــكَــيــفَ تــنـكـر حـبـاً بَـعـدَمـا شَهـدت — عَـيـنـاك نـور مـحـيـا بِـالجَـمـال سـمـي
وكَـيـفَ تـكـتـم شَـوقـاً طـالَ مـا نَـطـقـت — بِهِ عَـــلَيـــك عــدول الدَمــع وَالســقــم
وَأثــبــت الوَجــد خــطــى عـبـرة وَضـنـى — أودى بـــجـــســمــك مِــن رَأس إِلى قَــدَم
لَقَــد رَأَيــتــهُـمـا عِـنـدَ الوَداع ضـحـى — مــثــل البــهـار عَـلى خـديـك وَالعـنـم
نــعــم سَـرى طَـيـف مَـن أَهـوى فَـأَرقـنـي — وَبــاتَ قَـلبـي بِـنـيـران الغَـرام حـمـي
سَــرى فَــأَضــحــكـنـي وَالشَـوق أَقـلَقَـنـي — وَالحُـــب يَـــعـــتـــرض اللذات بِــالألم
يـا لائِمـي فـي الهَـوى العُذري مَعذرة — فَـأنـتَ عَـن حـال مثلي في الغَرام عَمي
دَع عَـنـكَ لَومـي فَـقَـد أَبـديـت مـعذرتي — مــنــي إِلَيــك وَلَو أنــصــفــت لَم تــلم
عــدتــك حــالي لا ســري بــمــســتــتــر — وَلا لِســانــي عَــن عــذري بِــمــنــعـجـم
وَلا اشــتـيـاقـي وَلا حُـبـي بـمـنـكـتـم — عَــن الوشــاة وَلا دائي بِــمــنــحــســم
مـحـضـتـنـي النـصـح لَكـن لَسـتُ أسـمـعـه — وَكَــيــفَ أَســمــع قَــولاً غَـيـر مُـنـتـظـم
هَــيـهـات لا يـسـمـع العـذال ذو شـجـن — إِن المــحــب عَــن العــذال فــي صــمــم
إِنـي اتـهـمـت نـصـيـح الشَـيـب فـي عذل — وَطــالمــا جَــد فــي حــلف وَفــي قــســم
فَـــلم أطـــعــه وَلَم أَبــرح مــخــالفــه — وَالشَــيـب أَبـعـد فـي نـصـح عَـن التُهـم
فَـإِن أَمَّاـرتـنـي بِـالسـوء مـا اتـعـظـت — عَـن فـعـلهـا بِـالَّذي قَـد جـاءَ مِـن حكم
وَإِن لوامــتــي بِــالذَنـب مـا ارتـدعـت — عَـن جـهـلهـا بـنـذيـر الشَـيـب وَالهـرم
وَلا عــدت مِــن الفـعـل الجَـمـيـل تَـرى — مـا حَـل فـي حـاجـبـي قَـسـراً وَفي لممي
وَلَم تــهــيــئ لِهَــذا الضَــيـف مـكـرمـة — ضــيــف ألم بِــرَأســي غَــيــر مــحــتـشـم
لَو كُـــنـــت أعـــلم أَنـــي مــا أوقــره — وَلَم أَصــنــه عَـن الفَـحـشـاء وا نَـدَمـي
وَلم أبـــرئه عَـــن عَـــيـــب وَعَــن دَنــس — كَــتــمـت سـراً بَـدا لي مِـنـهُ بِـالكـتـم
مَــن لي بــرد جــمــاح مــن غـوايـتـهـا — وَحــفــظــهــا دائِمــاً عَــن زلة القَــدَم
وَكــفــهــا عَــن فــعــال غَــيــر لائِقــة — كَــمــا يــرد جِــمــاح الخَـيـل بِـاللجـم
فَـلا تـرم بِـالمَـعـاصـي كـسـر شـهـوتها — فَــإنــهــا نــقــم فــي صــورة النــعــم
وَلا تــســمــهــا بــمــلبــوس وَأَطــعـمـة — إِن الطــعــام يُــقــوي شــهــوة النـهـم
وَالنـفـس كَـالطـفـل إن تـهمله شب عَلى — شــر الخــصــائل مِــن فــعـل وَمِـن هـمـم
وَإِن أُبــيـحـت لَهُ الثـديـان عـاشَ عَـلى — حُــب الرضــاع وَإِن تــفــطـمـه يَـنـفـطـم
فــاصــرف هَــواهــا وَحــاذر أن تـوليـه — فــصـرفـهـا عَـن هَـواهـا خَـيـر مـغـتـنـم
وَخـــالف كُـــل مـــا تَهـــواه مِــن عــرض — إِن الهَــوى مــا تــولى يـصـم أَو يـصـم
وراعــهــا وَهـيَ فـي الأَعـمـال سـائِمـة — فَــإنَّهــا العُــروة الوثــقــى لمـلتـزم
وَإِن تَــولت فــجــرعــهــا بِهــا ســحــراً — وَإِن هِـيَ اسـتـحـلت المَـرعـى فـلا تـسم
كَـــم حـــســـنـــت لذة للمــرء قــاتــلة — وَأوقـــعـــت غــصــة للعــاقــل الفــهــم
وَأَظــهــرت نــصــحــه مــكــراً وَمــخـدعـة — مِـن حَـيـث لَم يَـدر ان السم في الدسم
وَاخــش الدســائس مِــن جـوع وَمِـن شـبـع — فَــفــي التَــوســط فــضـل غَـيـر مـنـخـرم
وَالجــوع مـن عـبـث لا تَـرتـضـيـه لَهـا — فَـــرب مـــخـــمـــصــة شــر مِــن التــخــم
وَاسـتـفـرغ الدمـع مِن عَين قَد امتَلأت — مِــن نَــظـرة السـوء للعـورات وَالحـرم
وَاضـرع إِلى اللَه مِـن نَـفـس لَقَد شعبت — مِــن المَــحــارم وَالزم حـمـيـة النـدَم
وَخـالف النَـفـس وَالشـيـطـان وَاعـصـهما — هـمـا اللذا يوقعان المرء في العدم
وَكُــن بــسـنـة خَـيـر الخَـلق مـعـتـصـمـاً — وَإِن هُــمــا مــحــضـاك النـصـح فـاتـهـم
وَلا تـطـع مِـنـهـمـا خَـصـمـاً وَلا حَـكَماً — تَــبــاً لمــحــتــكــم مــن ذا وَمـخـتـصـم
وَلا تــمــل أَبــداً يَــومــاً لِقــولهـمـا — فــأنــتَ تَـعـرف كَـيـد الخَـصـم وَالحـكـم
اســتــغــفـر اللَه مِـن قَـول بِـلا عَـمَـل — وَمِــن جَــمــيـع دَواعـي السـوء وَاللمـم
اســتـغـفـر اللَه مِـن دَعـوى بِـلا سَـبـب — لَقَــد نَــســبــت بِهِ نَــســلاً لِذي عــقــم
أَمـرتـك الخَـيـر لَكـن مـا ائتـمـرت بِهِ — وَمـا امـتـثـلت لمـا يـلقـي إِليـك فَمي
وَمـا أَقـمـت عَـلى الخـيـرات مـحـتـسـباً — وَمـا اسـتـقـمـت فَـمـا قَـولي لَك استقم
وَلا تَـــزودت قَـــبــل المَــوت نــافــلة — وَلا مَـشـيـت إِلى الطـاعـات فـي الظلم
وَلا كــفــفــت عَـن العـصـيـان فـي وَجَـل — وَلَم أصـــــل سِـــــوى فَــــرض وَلَم أَصــــم
ظــلمــت سـنـة مـن أَحـيـا الظَـلام إِلى — أَن نــالَ مــرتــبــة شَــمــاء كــالعــلم
وَلَم يَــزَل قــائِمـاً جـنـح الظَـلام إِلى — أَن اشــتَــكَــت قَــدمــاه الضـر مِـن ورم
وَشـــد مِـــن ســـغـــب أَحـــشـــاءه وطَــوى — أَديــم جــوف بــحــبــل اللَه مــعــتـصـم
وَرض فــي غَــزوة الأَحــزاب عَــن ثــقــة — تَــحـت الحـجـارة كـشـحـا مـتـرف الأدم
وراودتــه الجِــبــال الشــم مِــن ذَهَــب — فَــصــد عَــنــهــا بـوجـه غَـيـر مـبـتـسـم
وَراجــعــتــه لكــي يُـبـدي لَهـا شـغـفـاً — عَــن نَــفــســهِ فَــأَراهــا أيــمــا شـمـم
وَأَكـــدت زهـــده فـــيـــهـــا ضـــرورتــه — لِكَــونــه فــي المَـعـالي راسـخ القـدم
وَشــيــدت فــي مَــقـام الزُهـد عـصـمـتـه — إِن الضــرورة لا تَــعـدو عَـلى العـصـم
وَكَـيـفَ تَـدعـو إِلى الدُنـيـا ضَرورة من — جــبـريـل أَضـحـى لَه مِـن جـمـلة الخَـدَم
مُــحَــمــد سـيـد الكَـونـيـن وَالثـقـليـن — وَالقـــبـــيــليــن فــي حــل وَفــي حــرم
وَسَـيـد سـاد فـي الداريـن وَالحـرمـيـن — وَالفــريــقــيــن مِــن عــرب وَمِــن عَـجَـم
نَــبــيــنـا الآمـر النـاهـي فَـلا أَحـد — مِــن الخَــلائق إِلا فــي حــمــاه حـمـي
إِمـامـنـا المُـرشـد الهـادي فَـلا بـشر — أَبــر فــي قَــول لا مِــنــهُ وَلا نــعــم
هُــوَ الحَــبـيـب الَّذي تُـرجـى شَـفـاعـتـه — يَــوم القــيــامـة للعـاصـيـن مِـن قـدم
وَالمُــرتــجــى للوَرى وَالخَـلق قـاطـبـة — لكــل هَــول مِــن الأَهــوال مُــقــتــحــم
دَعــا إِلى الله فَــالمـسـتـمـسـكـون بِهِ — مـــؤيـــدون مِـــن الأَعـــداء وَالنــقــم
وَلَيـسَ يـخـشـى عَـلَيـهم في المعاد وَهُم — مُــســتــمـسـكـون بـحـبـل غَـيـر مـنـفـصـم
فــاقَ النَــبــيـيـن فـي خـلق وفـي خـلق — وَفــي كَــمــال وَفــي فَــضــل وَفــي هـمـم
فَـــلَم يـــقــاربــه إِنــســان وَلا مــلك — وَلَم يـــدانـــوه فـــي عـــلم وَلا كَــرَم
وَكـــلهـــم مِــن رَســول اللَه مُــلتــمــس — وَهــم وَأتــبــاعــهـم مِـن سـائر الأُمـم
مُـسـتـمـطـرون مِـن المـخـتار قَد غرفوا — غَـرفـاً مِـن اليـم أَو رَشـفـاً مِن الديم
وَواقــــفـــون لَدَيـــهِ عِـــنـــدَ حـــدهـــم — وَيَــســتــمــدون مِــن كَــف لَديــه هــمــي
قَــد روجــت بِــالهَــوى أَرواحـهـم وَروت — مِـن نـقـطـة العلم أَو من شكلة الحكم
فَهـــوَ الَّذي تَـــم مَــعــنــاه وَصــورتــه — فَــكــانَ مــا بَــيــن مَـعـشـوق وَمُـحـتـرم
حــمــاه مَــولاه مِــن رجــس وَمِــن خـبـث — ثُــم اصـطـفـاه حَـبـيـبـاً بـارئ النـسـم
مُــنــزه عَــن شَــريــك فــي مَــحــاســنــه — لِذاكَ قــيــمــتــه زادَت عَــلى القــيــم
إِن رُمــت قــســمــة حــســن حــل جَـوهـرة — فَــجَـوهـر الحـسـن فـيـهِ غَـيـر مُـنـقـسـم
دَع مـا ادعـتـه النَـصـارى فـي نَـبـيهم — مَــع اليَهــود فــيــا تَــبــاً لِرَأيــهــم
وَاثـبـت لَهُ كُـل نـعـت فـي الوجود نَما — وَاحـكـم بِـمـا شـئت مَـدحاً فيهِ وَاحتكم
وَانــســب إِلى ذاتِهِ مـا شـئت مِـن شَـرَف — وَانــســب إِلى كَـفـهِ مـا شـئت مِـن كَـرَم
وَانـسـب إِلى قَـلبـه مـا شـئت مِـن حـكم — وَانـسـب إِلى قَـدره مـا شـئت مِـن عـظـم
فَــــإِن فَـــضـــل رَســـول اللَه لَيـــسَ لَه — عــد فــيــحــصـر فـي الأَوراق بِـالقَـلَم
وَمــــا لَهُ جـــل رب العَـــرش خـــالقـــه — حـــد فـــيــعــرب عَــنــهُ نــاطــق بِــفَــم
لَو نــاســبــت قــدره آيــاتــه عــظـمـاً — لَكــانَ مِــن آيــه إبــصــار كُــل عــمــي
وَإِن ذكــرت اســمــهُ للمــيــت فـي جـدث — أَحـيـا اسـمـهُ حـيـنَ يدعى دارس الرمم
لَم يَـمـتـحـنـا بِـمـا تـعيي العُقول بِه — خَـوفـاً عَـلَيـنا مِن الإيقاع في الوَهَم
بَـل جـاءَنـا مِـنهُ بِالنور المُبين ضحى — حــرصـاً عَـلَيـنـا فَـلَم نـرتـب وَلَم نَهـم
أعـيـا الوَرى فَهـم مَـعـنـاه فَليسَ يرى — فــي وَصــفِهِ غَــيــر مُــحـتـار وَمـنـعـجـم
وَلَن تَـرى فـي جَـمـيـع الكَـون مِـن أَحَـد — فـي القُـرب وَالبُـعـد فـيـهِ غَير منفحم
كَـالشَـمـس تَـظـهـر للعـيـنـيـن مِـن بـعد — وَتَــمــلأ الكَــون مِــن واد وَمِــن أَكَــم
فَـاعـجـب لَهـا كَـيـفَ تَـبـدو وَهيَ مُشرِقة — صَـــغـــيــرة وَتــكــل الطَــرف مِــن أمــم
وَكَــيـفَ يُـدرك فـي الدُنـيـا حَـقـيـقـتـه — قَـوم نَـسـوا العَهـد يَومَ الذر مِن قدم
وَهَــل يُــحـيـط بِـذات المُـصـطـفـى أَبَـداً — قَــوم نِــيــام تَــســلوا عَـنـهُ بـالحـلم
فَــمــبــلغ العــلم فــيــهِ أَنــه بــشــر — وَأنـــهُ مَـــصــدر الأَفــضــال وَالنــعــم
وَأَنَّهــُ السَــيــد المُــخــتـار مِـن مـضـر — وَأَنَّهــــُ خَــــيـــر خَـــلق اللَه كُـــلهـــم
وَكُــل آي أتــى الرســل الكــرام بِهــا — وَمُـــعـــجِـــزات مـــشــيــرات لصــدقــهــم
مَـع العُـلوم الَّتـي خَـصـوا بِهـا وَحَظوا — فـــإنـــمــا اتــصــلت مِــن نــوره بِهــم
فَــإِنَّهــُ شَــمــس فَــضــل هــم كَـواكـبـهـا — تــضــيــء للنـاس فـي أَيـامـهـا الدهـم
وَصــحــبــه بــعــده يـا صـاح أنـجـمـهـا — يـظـهـرن أَنـوارهـا للنـاس فـي الظـلم
أَكــــرم بــــخـــلق نـــبـــي زانَهُ خـــلق — وَمـنـظـر هـان لي فـيـه انـسـفـاك دَمـي
وَقــــالب لرضــــاء الحَـــق مُـــنـــقـــلب — بــالحــســن مــشــتــمـل بـالبـر مـتـسـم
كَــالزَهــر فــي تَـرف وَالبـدر فـي شَـرَف — إِن شــبــهــت ذاتــه وَالوَجــه مِـن قـدم
وَالمــسـك فـي رَشـح وَالغَـيـث فـي مـنـح — وَالبَــحــر فـي كَـرَم وَالدَهـر فـي هـمـم
كَـــأَنَّهـــُ وَهـــوَ فَـــرد فـــي جَـــلالتــه — مــع الوَقــار وَطــول الصَـمـت وَالعـظـم
لَيــث إِذا مــا بَــدا مِـن غـيـلة وَأَتـى — فــي عَــســكـر حـيـن تَـلقـاه وَفـي حـشـم
كَــأَنَّمــا اللؤلؤ المَــكـنـون فـي صَـدف — مِـن رشـحـه حـيـنَ يَـأتي الوَحي بالحكم
وَالدر وَالجَــوهـر المَـنـظـوم مُـنـتـثـر — مِــن مَــعــدنـي مَـنـطـق فـيـهِ وَمـبـتـسـم
لا طــيــب يَــعــدل تـربـاً ضَـم أَعـظـمـه — روحــي الفِــداء لتــرب مِــنـهُ مـحـتـرم
فَــالمــســك فـي كُـل نـاد لا يُـقـاربـه — طــوبــى لمــنــتــشــق مِــنــهُ وَمــلتـثـم
أَبـــان مَـــولده عَــن طــيــب عــنــصــره — وَحــســن فــطــرتــه وَالمــنــظـر الوسـم
كَــأَن مَــبــدأه مِــن عَــيــن مــخــتــمــه — يــا طــيــب مــبــتــدأ مِـنـهُ وُمـخـتـتـم
يَـــوم تـــفــرس فــيــهِ الفــرس أَنــهــم — بـــاؤوا بـــكــل وبــال فــي ديــارهــم
وَحـــيـــنَ أَيــقــنــت الأَتــراك أنــهــم — قَــد أَنـذروا بـحـلول البُـؤس وَالنـقـم
وَبــاتَ إيــوان كــســرى وَهــوَ مُــنـصـدع — يَـشـكـو فُـؤاداً بِـأَنـواع البـلاء رمـي
وَهَـل سـمـعـت بـشـمـل فـي الوجـود غَـدا — كَــشــمــل أَصـحـاب كـسـرى غَـيـر مـلتـئم
وَالنــار خــامــدة الأَنـفـاس مِـن أَسـف — عَــلى بــنــاء بــدار الفُــرس مـنـفـصـم
وَالأَرض بــاكــيــة الأَجـفـان مِـن لَهـف — عَـلَيـهِ وَالنَهـر سـاهـي العَـين مِن سدم
وَســاءَ ســاوة أَن غــاضــت بــحـيـرتـهـا — مِـن بَـعـد مـا طـفـحـت كَـالوابل السجم
أَمــســت مَــواردهـا تَـحـكـي حـجـارتـهـا — وَرد واردهــا بــالغــيــظ حــيــنَ ظـمـي
كَــأَن بِــالنـار مـا بِـالمـاء مِـن بَـلل — وَذاكَ فــي طَــبــعـهـا ضَـرب مِـن القَـسَـم
لأَن مــا نــالَهــا قَــد كــانَ مِـن أَسَـف — حُـزنـاً وَبِـالمـاء مـا بِـالنار مِن ضرم
وَالجــن تَهــتــف وَالأَنــوار ســاطــعــة — وَالكَــون مُــبـتـسـم عَـن خَـيـر مُـبـتـسـم
وَالديــن أَصــبــح مَــســروراً بِــمَــولده — وَالحَــق يــظـهـر مِـن مَـعـنـى وَمِـن كـلم
عـمـوا وَصـمـوا فـاعـلان البَـشـائر لَم — تـفـد أُنـاسـاً غَـدوا مِـن جـمـلة النعم
قُــلوبــهــم خــتـمـت عَـن درك ذاكَ فَـلَم — تَــســمــع وَبــارقـة الانـذار لَم تـشـم
مِـن بَـعـد مـا أخـبـر الأَقوام كاهنهم — بــبــعــث أَحــمــد بــالقُــرآن وَالحـكـم
وَبَــعــد مـا أنـذر الأَحـلاف عـالمـهـم — بِـــأَن ديـــنــهــم المــعــوج لَم يَــقــم
وَبَـعـد مـا عـاينوا في الأُفق مِن شهب — خــرت كَــمـا خَـر طَـيـر البـاز وَالرخـم
أعـجـب لَهـا مِـن نُـجـوم مِـن مـواقـعـها — مـنـقـضـة وفـق مـا فـي الأَرض مِـن صنم
حَـتّـى غَـدا مِـن طَـريـق الوَحـي مُـنـهـزم — مِــن نـارهـا بـاءَ بِـالإِحـراق وَالضـرم
وَكُـــل مـــنـــذعـــر الإدراك مــنــخــلع — مِـن الشَـيـاطـيـن يَـقـفـو إِثـرَ مـنـهـزم
كَـــأَنـــهُــم هَــربــا أَبــطــال ابــرهــة — لَمــا أَتـى طَـيـرهـم بِـالبُـؤس وَالنـقـم
أَو جَــيــش بــدر أَمــام الرُســل فـرقـه — أَو عَـسـكـر بِـالحَـصـى مِـن راحَـتيهِ رمي
نـبـذاً بِه بَـعـدَ تَـسـبـيـح بِـبـطـنـهـمـا — رَمــي البَـنـادق فـي جَـمـع مِـن البـهـم
حــكــت بـرمـيـتـهـا جَـيـش العَـدو ضـحـى — نَــبــذ المــسـبـح مِـن أَحـشـاء مـلتـقـم
جــاءَت لدعــوتــه الأَشــجــار ســاجــدة — مُــطــيــعــة لنــبــي العــرب وَالعَــجــم
لا بــدع إن أَســرَعـت طَـوعـاً لَه وَأَتَـت — تَــمــشــي إِلَيــهِ عَــلى ســاق بِـلا قَـدَم
كَــأَنَّمــا ســطــرت سَــطــراً لمـا كـتـبـت — عُـروقـهـا فـي الثَـرى سَـطـراً بِـلا قَلَم
أَجـل مـا فـعـلت فـي المَـشـي مـا رَسَمت — فُـروعـهـا مِـن بَـديـع الخَـط فـي اللقم
مــثــل الغَــمــامــة أَنــى سـار سـائره — عَــلَيــهِ قَــد ظَـلَلت فـي الحـل وَالحـرم
إِن ســارَ ســارَت وَامــا واقـفـاً وَقـفـت — تَــقــيــهِ حــر وَطــيــس للهــجـيـر حـمـي
أَقــســمــت بِــالقَــمـر المُـنـشـق إِن لَهُ — ســراً عَــجـيـبـاً وَعـلمـاً صـارَ كـالعـلم
مـا انـشـق نـصـفـيـن إِلا حَـيث كانَ لَهُ — مِــن قَــلبــه نــسـبـة مَـبـروره القـسـم
وَمـا حَـوى الغـار مِـن خَـيـر وَمِـن كَـرَم — وَمِــن عَــفــاف وَمِــن جــود وَمِــن عــظــم
إِذا طــرف جــبــريـل يَـرعـاه وَيـرمـقـه — وَكُــل طَــرف مِــن الكُــفــار عَـنـهُ عـمـي
فَالصدق في الغار وَالصَديق لَم ير ما — حــاشـاهـمـا اللَه مِـن سـوء وَمِـن نـقـم
وَردت الفــــئة الأَرجــــاس خــــائبــــة — وَهُــم يَــقــولون مـا بـالغـار مِـن أرم
ظَـنـوا الحـمـام وَظَنوا العَنكبوت عَلى — مُـــحـــمــد وَأَخــيــه الصــدق لَم تــخــم
وَأَيـــقـــنـــوا أَنَّهـــُ لَو كــانَ داخــله — خَــيــر البَــريـة لَم تـنـسـج وَلَم تـحـم
وقــايــة اللَه أَغــنــت عَــن مُـضـاعـفـة — مِــن الكَــتــائب وَالفُــرســان وَالحـشـم
وَحــيــطــة اللَه تَــحــمــيــه وَتـحـفـظـه — مِـــن الدُروع وَعَـــن عــال مِــن الأَطــم
مـا سـامَـنـي الدَهر ضَيماً وَاستجرت بِهِ — وَصــرت أَدعــو بِهِ فــي حــنــدس الظــلم
وَلذت مِــن عــظــم إشــفـاقـي بـحـضـرتـه — إِلا وَنـــلت جـــواراً مِــنــهُ لَم يــضــم
وَلا التـمـسـت غـنـى الداريـن مِن يده — إِلا وَأَصــبَــحــت فـي بَـحـر مِـن النـعـم
وَلا اســتــلمــت جَــنـابـاً عَـزَ صـاحـبـه — إِلا اسـتَـلَمـت النَـدى مِـن خَـير مُستلم
لا تُــنــكـر الوَحـي مِـن رُؤيـاه إِن لَهُ — سـراً عَـجـيـبـاً وَقَـدراً في الكَمال سَمي
وَكُـــــل مـــــا قَــــد رَأى حــــق لأَن لَه — قَـلبـاً مَـتـى نـامـت العَـيـنان لَم ينم
وَذاكَ حـــيـــنَ بُـــلوغ مِـــن نـــبـــوتــه — إِذ جـاءَ جـبـريـل بِـالنـامـوس وَالحـكم
وَحــيــنَ إِذ طــهــر الرَحــمَــن جــمـلتـه — فَــكَــيــفَ يُــنــكــر فـيـهِ حـال مُـحـتـلم
تَــبــارك اللَه مــا وَحــي بــمــكــتـسـب — بَــل إنــمــا هُــوَ عَــن حَــظ وَعَــن قـسـم
وَلا رَســول لمــا يَــأتــيــه مُــخــتــرع — وَلا نَـــبـــي عَـــلى غَـــيــب بــمــتــهــم
كَــم أَبــرَأت وَصــبــاً بِـاللَمـس راحـتـه — وأقـصـدت جَـحـفـلاً كَـالبَـحـر في العظم
وَكَـم رَوَت عَـسـكـراً مِـن فَـيـض راحـتـهـا — وَأطــلقــت أربــاً مِــن ربــقــة اللمــم
وَأحــيــت الســنــة الشَهــبــاء دَعـوتـه — وَأَخــرجــت أَهــلهــا مِــن سـورة العـدم
وَضــوء نــيــرهــا مِــن نــور جَــبــهـتـه — حَــتّـى حَـكَـت غـرة فـي الأَعـصـر الدهـم
يــعــارض جـاد أَو خـلت البـطـاح بـهـا — طــوفــان نــوح وَلَكــن بِـالنَـوال هـمـي
كَـــأَن وابـــلهـــا فـــي كُــل نــاحــيــة — ســيــب مِـن التـم أَو سَـيـل مِـن العـرم
دَعـــنـــي وَوَصـــفـــي آيـــات لَهُ ظَهَـــرَت — عَــلى الوَرى وَغَــدَت للنــاس كَــالنـعـم
اللَهُ بَــعــد خــفــاء مِــنــهُ أظــهـرهـا — ظُهــور نــار القــرى لَيــلا عَـلى عـلم
فَــالدر يَــزداد حُـسـنـاً وَهـوَ مُـنـتَـظـم — فــي ســلكــه وَيـرى فـي أَحـسـن القِـيَـم
وَلَيــسَ يــعــدم حــســنـاً وَهـوَ مُـنـتَـثـر — وَلَيــسَ يَــنــقــص قَــدراً غَـيـر مُـنـتَـظـم
فَــمــا تَــطــاول آمــال المَــديــح إِلى — كَـــمـــاله وَعـــلاه الوافـــر العــمــم
وَكَــيــفَ تَــســتــوعــب المـداح قـاطـبـة — مـا فـيـهِ مِـن كَـرَم الأَخـلاق وَالشـيَـم
آيـــات حَـــق مِــن الرَحــمــن مــحــدثــة — قَـد بـيـنـت خـبـر المـاضـي مِـن الأُمـم
وَإنَّهـــا عِـــنـــدَ أَهـــل الحَــق كُــلهــم — قَــديــمــة صــفــة المَــوصــوف بِـالقـدم
لَم تــقــتــرن بــزمـان وَهـيَ تـخـبـرنـا — عَــن الغُــيــوب وَعــمــا كــانَ مِـن هـرم
جـاءَت إِلَيـنـا مِـن البـاري لتـنـبـئنا — عَـــن المـــعــاد وَعَــن عــاد وَعَــن إِرم
دامَــت لَدَيــنــا فَــفـاقَـت كَـل مـعـجـزة — جـاءَت بـهـا الرُسـل مِـن بـاد وَمـكـتتم
وَاســتــوعــبــت كــل إرهــاص وَمــكـرمـة — مِــن النَــبــيـيـن إِذا جـاءَت وَلَم تَـدُم
مُــحــكــمــات فَــمـا يَـبـقـيـن مِـن شـبـه — وَمــحــكــمــات فَــمــا غـادرنَ مِـن سـقـم
لَم تــبـق ريـبـا وَلا شَـكـا فَـواصـلهـا — لذي شــقــاق وَلا يَــبــغــيـن مِـن حـكـم
مــا حــوربــت قَــط إِلا عــاد مـن حَـرب — عَــدوهــا وَهــوَ فــي خــزي وَفــي نــقــم
وَكَــم غَــدا حــيــثـمـا سـلت صَـوارمـهـا — أَعـدى الأَعـادي إِلَيـهـا مـلقـي السلم
رَدت بَــلاغــتــهــا دَعــوى مــعــارضـهـا — عَــلى فَــظــاظَــتــهـا مَـنـكـوسـة العـلم
تـرد مَـن جـاءَهـا يَـبـغـي الهَـوان بِها — رَد الغــيـور يَـد الجـانـي عَـن الحـرم
البحر والقافية
القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.
تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.
القافية: رويّها حرف الميم — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- الديم: دَيَمَ: الديمةُ: الْمَطَرُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ رَعْد وَلَا بَرْقٌ، أَقله ثُلْثُ النَّهَارِ أَو ثُلْثُ اللَّيْلِ، وأَكثره مَا بَلَغَ مِنَ العِدَّة، وَالْجَمْعُ دِيَمٌ؛ قَالَ لَبِيدٌ: باتَتْ وأَسْبَلَ والِفٌ من دَيمَةٍ .. …
- الضال: ضأل: الضَّئِيلُ: الصَّغِيرُ الدَّقيق الحَقير. والضَّئِيل: النَّحيف، وَالْجَمْعُ ضُؤَلاء وضِئالٌ؛ قَالَ النَّابِغَةُ الْجَعْدِيُّ: لَا ضِئالٌ وَلَا عَواوِيرُ حَمَّالون ... ، يَوْمَ الخِطابِ، للأَثقال والأُنثى ضَئيلةٌ، وَق …
- النكباء: النَّكْباءُ : مذ الأنْكَبُ، وهو المائل في مشيته؛ قامةٌ نكْباءُ--: ريح. انحرفت ووقعت بين ريحين كالصَّبا والشّمال ج نُكْبٌ.
- تلقاء: [ل ق ي]. (اِسْمٌ مِنَ اللِّقاءِ). 1."جَلَسَ تِلْقاءَهُ" : مُقابِلاً لَهُ، تُجاهَهُ. 2."قامَ بِمَهامِّهِ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِهِ" : دونَ أَنْ يَتَلَقَّى أَوامِرَ مِنْ أَحَدٍ، أَيْ بِحُرِّيَّةٍ وَإِرادَةٍ. يونس آية 15 قُلْ …