رأيتُ الفتى لا يملُ الأملْ
الشاعر: مالك بن المُرحَّل · البحر: المتقارب
هذه القصيدة من شعر مالك بن المُرحَّل، من المغرب والأندلس، وتقع في 143 بيتًا. نُظمت على بحر المتقارب، ورويّها حرف اللام.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
رأيتُ الفتى لا يملُ الأملْ ... وإن عمل الخيرَ ملَّ العملْ
ويأمن دهراً يرى مكرَه ... ويسمعُ عن فتكه بالأول
وهلْ طُررُ الصبحِ إلا ظبىً ... وهلْ غُررُ الشهبِ إلا الأسلْ
أتحسبُ دنياكَ هذي عروساً ... تهادىْ إليك وتهدى الجذلْ
وأن النجوم عليها حُلىً ... وأن الدياجى عليها جُللْ
وإن أطلعتْ شفقاً خلته ... على وجنتيها احمرار الخجلْ
وما شفق الأفق لو أشفقت ... سوى مُهجٍ سفكها لم يزلْ
وذاكَ الغمامُ وتلكَ البروُق ... دروع تُــــشُّقــــ وقضبُ تُسلْ
إذا أحسنَ الدهر يوماً أسا ... ء إليك وإن جدَّ يوماً هزلْ
نحبُّ الزمانَ ولا نتقي ... سطاه وآباءنا قد قتلْ
رماهم عن القوسِ رميَّ النجوم ... بنبلِ مُطيح بها من نبلْ
وما حملَ الرمحَ هذا السماك ... إلا لقوم عليهم حملْ
خليليَّ أينَ زمانُ الصبا ... وأينَ الغزالُ وأينَ الغَزلْ
وهلْ كانَ إلا كطيف الكرى ... ألمّ ومــــا حــــلَّ حــــتى رحلْ
تذكرت أيامنا بالسروج ... وقد غفل الدهرُ فيمن غفلْ
وقد طرحَ الحلمُ عنا العصا ... فصارت لقى ورعيا هملْ
وإما نزلنا فَبينَ الظلال ... وإما مشينا فتحت الظللْ
نرواحُ بينَ قيانِ الغصون ... سمعاً وبينَ قيان الكِللْ
ونهصرُ قضبَ الأماني اعتناقاً ... ونقطفُ زهرَ القبولِ قُبلْ
وقد كُنت أخشى الوغى خشية ... على باذلِ الودِّ أن يبتذل
وما كُنت أحذر سمرَ القنا ... كما كُنت أحذُر سمْر المُقلْ
وأين قدودٌ لها ناعماتُ ... إذا قُويست من قدود النخلْ
قطعتُ الزمانَ بوصلِ الحسانِ ... فليتَ زماناً قطعتُ اتصلْ
وقلتُ لعاذلتي في التصابي ... محبُّ التصابي عدوُ العذلْ
فلما بدا الشيبُ نبهنني ... بإعراضهن على ما نزلْ
فتاركتهن لأني رأيتُ ... خلال المودّة فيها خللْ
كذاكَ الحقوقُ إذا لم توفَّ ... فدعْها ولا تقتنع بالأقل
وصرتُ أعافُ الصبا والمجونَ ... وربَّ طباع تعافُ العسل
وما زيَّنـ اللهوَ إلا الشبابُ ... ولا حسّن الغيَّ إلا الثملْ
يدورُ الزمانُ كدور الرياح ... فطوراً جنوباً وطوراً شمل
فيوماً يُعزُّ ويوماً يُذل ... فكم قد أعزَّ وكم قد أذل
وما الناسُ إلا كمثل النجوم ... وما طلعَ النجمُ إلا أفل
وما المرءُ إلا كمثل النبات ... إلى النقص يرجع مهما اكتمل
فإن قلتَ هل للشباب ارتجاعٌ ... فخلف من القول إن قلت هل
تعودُ الدياجى إلى لونها ... وليسَ يعودُ شبابٌ نصل
ويبْلى على الروض ثوبُ الربيع ... ولكنْ يُجدَّد من ذي قَبل
أجل أجَلُ الروض مستأنف ... وما للصّبا بعد فوت أجل
وآمــــرةٍ بــــاطّــــلاب الغنى ... ولم تدر أن الغنى قد حصَل
أبعدَ القناعة أرضى القنوع ... فحل فالقناعة حسبي فحل
وما ذاكَ إلا لبخل الزمانِ ... فربَّ اقتناع جناه البخلْ
فإن قيلَ ذا كسلٌ قلْ نعم ... إذا غلبَ اليأس كان الكسلْ
وما نكلتْ همتي إنما ... تبيّن لي أن حظي نكلْ
وما كلُّ سائلة أعطيت ... مناها ولا كلُّ مُعطى سألْ
ففي الرزق ساوى الذكي البكي ... وفي الحين ساوى الجبان البطلْ
ولكنه لو تكون الحظوظ ... بقدر العقول إذاً لم أُبلْ
على أنه إن تكن ناظراً ... فدعوى العقول كلامٌ معلْ
يُعرّى عن العقل خلق كثير ... الصــــنــــائع شتى الحيلْ
وتُعزى العقول إلى الناطقين ... وباللّه أكثرهم ما عقلْ
فكمْ قايس منهم لم يقس ... وكمْ ناقلٍ منهم ما نقلْ
ولولا النــــبــــوةُ ضــــلَّ الورى ... ومَنْ لم ير النجم بالليل ضَلْ
وأحــــمــــدُ أحــــمــــد آتٍ أتــــى ... بخير وخير خيار الرسل
هوَ المرتضى وهوَ المجتبى ... هوَ المصطفى وهوَ المنتخل
فأعظم بملّته في الملل ... وأكرم بدولته في الدول
لقــــد كــــانَ مــــولدهُ رحمةً ... سقينا بها كلَّ وبل وطل
لقــــد كــــان مــــولده رحمةً ... أقمنا بها بين نهرٍ وظلْ
له المعجزاتُ التي بيّنت ... لعين البصير المُزاح العِلل
فمنْ قمرٍ شقّ حتى استبا ... نَ من بين شقيه جرمُ الجبل
وإســــراء روح وجسمٍ معاً ... إلى حضرة القدس ذات الأزل
إلى حيثُ لا فلكٌ يستدير ... إلى حيث لا ملكٌ يستقلْ
ولا سبق الدلو فيه الرشا ... ولا تبع الثور فيه الحملْ
ولا المشتري في ذُراه اشترى ... ولا زُحــــل فــــي مــــداه زحَــــلْ
وقابله بالسلام الجمادُ ... وأقبل يشكو إليه الجملْ
وحــــنَّ إليه غداة ارتقى ... على المنبر الجدعُ حتى انتقلْ
وصدَّقه الذيبُ لما دَعاه ... وقالَ أتشهد قال أجلْ
وأهدتْ إليه عجوز اليهو ... دِ شاة شوتها فلما قبل
نــــهــــته الذراع وقالت له ... سُمِمت فما ضرَّه أن أكل
وجــــادَله المــــزنُ لما دعا ... ودرَّ له الضـــــرعُ لمـــــا نــــزل
وراعَ قـــــتـــــادة مــــن عــــاره ... بأزرق زَاحَم منه الكَلل
فسالتْ على خدّه عينُه ... ولكــــنّه ردّهــــا فــــي عــــجــــل
فكانت كما ذكرَ الواصفو ... نَ أحسنَ عينيه لما استقل
وأعطى عليَّاً لواءَ الفتوح ... وأبرأ عينيه لما تفل
وفي الغارِ كانتْ له آيةٌ ... بنسج عناكبهِ اذْ دخل
وقد سُبلت عنه تلك الفجاجُ ... وقد نفضتْ عنه تلك السبل
ومــــرَّ ســــراقــــةُ فــــي إثــــره ... فساخَ وما في الثرى من وحل
وما أنقذته سوى دعوةٍ ... دعاها له بعدِ عهد وإل
وحسبُك أن له معجزاتٍ ... تزيدُ على الألف فيما نقل
قــــبــــل مــــيــــلاده أخبرتْ ... بذاك قريشٌ وعبد الأشل
فقومٌ بمكة قالوا عسى ... وقومٌ بيثرب قالوا لعلْ
فمنْ قائِل نجمُه قد بدا ... ومن قائلٍ عصرهُ قد أطل
وقد كانَ في الفرسِ من قبله ... على عهدِ كسرى حديثٌ جللْ
وأخــــبــــر ســــيــــف به حدّه ... وأكرم مثواه حتى انفصل
وكانوا إلى وجهه شيقين ... يقولون ياليته قد أظل
فلما أتى كذّبته قريشٌ ... وآذته في نفسه فاحتمل
وجاءهم بالكتاب المُبين ... فقالوا افتراه وقالوا انتحل
فقل فيهم يوم بدر وقد ... جزاهم بضرب الطلى والقُلل
وجدَّل فيهم أباجهلهم ... وعقبةَ والنضر أهل الجدل
وسلْ فتح مكة عنهم وقد ... أتاهمْ فماتوا لفرط الوجل
وقالوا هبلنا ولو شاء لم ... يـــــغـــــن عــــنــــهــــم هُــــبــــل
ولكــــنّه مــــنَّ مــــن الكريم ... وأعطاهم الأمنَ بعدَ الوهل
وسلْ عن هوازنَ إذ خادعوه ... بوادي حُنين وضاقَ المسل
فجالتْ رجالٌ بها جولةً ... وزالت بها أرجلٌ من زلل
قليلاً وهبت من النصر ريحٌ ... لتسنيم في حافتيها بلل
ونادى فخف به الصابرون ... ومرَّ النداءُ فعالت ثُلَل
قد اقتحموا عن ظهور المط ... يّ وازدحموا في صدور الأسل
وطاروا إليه بشهب الرماح ... كمثل الرياح تطيرُ الشعل
وعاق الزحامُ فألقوا بها ... وسلُّوا السيوف وعقوا الخلل
فكمْ ممتطٍ تاركٍ ما امتطى ... ومعتقلٍ تاركٍ ما اعتقل
وجاءوا إليه قليلاً فلمْ ... يكنْ لهم بهم من قِبَلْ
كما صوبت أعصبٌ أبصرت ... بضاح من الأرض سرب الحجل
وأقبل جبريلُ في لمّة ... يَصُكُّ وجوهَهم مِن قَبل
جنود بهم نُصر المسلمون ... فأمسى عدُّوهم قد خُذل
فمن هاربٍ باتَ يخشى البياتَ ... ومن هالكٍ ظلَّ تحتَ الأَثل
وخــــلوّا ذراريهم للسبا ... هناك وأموالهم للنفل
وطافَ بطائفهم جيشُه ... وفلُّهم في الذرا قد وقل
فباتوا وقد سمر السيف من ... ذيولهم حيثُ باتَ الوعل
وأصبحَ دينُ الهدى ظافراً ... يُثير الترابَ بذيل رفل
ومن بعدها أقبلوا مصلحين ... وقد أمَّلوه فنالوا الأمل
وردَّ إليـــــهـــــم ذراريـــــهـــــم ... ولولا المقاسمُ ردَّ الإبل
فعال عطوف رؤوف رحيم ... كريم إذا قال قولاً فعل
صفوحٌ إذا أذنبوا واصلٌ ... إذا قطعوا مُحسن لا يمل
جوادٌ جريءٌ تهون عليه ... الألوف إذا ما التقى أو بذل
وليسَ يجادلُ من مبطلٍ ... وليس يجالده من بطل
وكــــمْ من غزاةٍ وبعث له ... أذل بها اللّه من قد أضل
فأما اليهودُ فلم تألُ في ... أذاه ولا قصّرت في حيل
فأنزل منهمْ بني قينقاع ... بقاع وكانوا بأسنى محل
وأجلاهم فجلوا آمنين ... لأجل شفيعهم المقتبل
وأما النضيرُ فلا نضرت ... وجوهُهم أهل كيْدِ وغِل
تراموا إلى قتله عازمين ... فعاجلهم بعد طول المهل
وأنزلهم من صياصيهم ... وأزعــــجهم في هوانِ وذُل
وبالقرظيين حلَّ البلاءُ ... وحقّ بهم حينها أن يحل
لأنهم ألّبوا المشركين ... عليه فشدّوا إليه الرحل
وجاءوا إلى الحرب من أجل ذ ... لك فوقَ الصعاب وفوق الذلل
ففضّهم اللّه بعدَ اجتماع ... وبدّد جمعَهم المحتفل
وجازى قريظة بالسيف لم ... يفت من رجالهم من رحل
وأخبار خيبر معلومة ... وإني خبير بها إن تسل
تولاهم بالحصار الشديد ... فحلّت بهم عقدة لم تحل
فقالوا نقرُّ على أننا ... لكم عاملون ولا ننتقل
ومن بعدَ هذا خلا وجهُه ... لمكة اذ كان فيهم شُغل
فطاعَ له الشركُ طوعَ الشِراك ... وصارتْ يهودٌ له كالخول
وأنــــجــــز ربُــــك مــــيعادَه ... وأصبحَ دينُ الهدى قد كمل
ولم يبقَ في الأرضِ شرك بعهد ... سوى السيف أو سنةِ تمتثل
وبـــــلّغ عـــــن ربّه مُـــــنـــــذراً ... وفصّل للفهم تلك الجمل
ولم يبقَ للناس من حجّة ... على من براهم تعالى وجل
فــــــحـــــيـــــنـــــئذٍ خـــــصّه ربُّه ... بتخييره في رحيل وحَل
فما اختار إلا رفيقاً علا ... ولا اعتام إلا جواراً فضل
فيا حسرةً حسرتْ عن ذراع ... وصارعت الصبر حتى انجدل
ويا كربةً كربت أن تذوب ... لها الراسياتُ بحر الغلل
ويا لوعةً أولعت بالقلوب ... ولا قلبَ إلا بها يشتعل
ويا سيّدَ الناس أنت الشفيع ... وأنت العماد إذا العبد زل
وأنت الرجاءُ غداة المخاف ... وأنت الأمانُ غداةَ الوجل
فصلّى عليك إله السماءِ ... صلاةً مُضاعفةً تتصل
وصلّى عليك إله السماء ... صلاةً مدى الدهر لا تنفصل
صلاةً تطيبُ بها الشرفاتُ ... إذا نفحت وتطيبُ الأُصُل
البحر والقافية
القصيدة على بحر المتقارب. بحر سريع متلاحق التفعيلات، يصلح للحماسة والملاحم والقصص لتدفّق إيقاعه.
تفعيلاته: فعولن فعولن فعولن فعولن.
القافية: رويّها حرف اللام، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- الجذل: جذل: الجِذْل: أَصل الشَّيْءِ الْبَاقِي مِنْ شَجَرَةٍ وَغَيْرِهَا بَعْدَ ذَهَابِ الْفَرْعِ، وَالْجَمْعُ أَجذال وجِذال وجُذُول وجُذُولة. والجِذْل: مَا عَظُم مِنْ أُصول الشَّجَرِ المُقَطَّع، وَقِيلَ: هُوَ مِنَ الْعِيدَانِ م … (لسان العرب)
- الخجل: خجل: الْفَرَّاءُ: الخَجَل الِاسْتِرْخَاءُ مِنَ الْحَيَاءِ وَيَكُونُ مِنَ الذُّلِّ. رَجُلٌ خَجِل وَبِهِ خَجْلة أَي حَيَاءٌ. والخَجَل: التحيُّر والدَّهَش مِنَ الِاسْتِحْيَاءِ. وخَجِل الرَّجلُ خَجَلًا: فَعَل فِعْلًا فَاسْتَ … (لسان العرب)
- جلل: جَلَلَ: اللهُ الجَليلُ سُبْحَانَهُ ذُو الجَلال والإِكرام، جَلَّ جَلال اللَّهِ، وجَلالُ اللَّهِ: عظمتُه، وَلَا يُقَالُ الجَلال إِلا لِلَّهِ. والجَلِيل: مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَقَدَّسَ وَتَعَالَى، وَقَدْ يُوصَفُ بِهِ الأَمر … (لسان العرب)
- دروع: درع: الدِّرْعُ: لَبُوسُ الْحَدِيدِ، تُذَكَّرُ وَتُؤَنَّثُ، حَكَى اللِّحْيَانِيُّ: دِرْعٌ سابغةٌ وَدِرْعٌ سَابِغٌ؛ قال أَبو الأَخرز: مُقَلَّصاً بالدِّرْعِ ذِي التَّغَضُّنِ، ... يَمْشِي العِرَضْنَى فِي الحَدِيد المُتْقَنِ … (لسان العرب)
- سفكها: سفك: السَّفْكُ: صَبُّ الدَّمِ ونَثْرُ الْكَلَامِ. وسَفَك الدمَ والدمعَ والماءَ يَسْفِكُه سَفْكاً، فَهُوَ مَسْفوك وسَفِيك: صَبَّهُ وهَراقَه، وكأَنه بِالدَّمِ أَخص. وَفِي الْحَدِيثِ: أَن يَسْفكُوا دماءَهم؛ السَّفْك: الإِرا … (لسان العرب)
- شفق: شفق: الشّفَق والشَّفَقة: الِاسْمُ مِنَ الإِشْفاق. والشَّفَق: الخِيفة. شَفِقَ شَفَقاً، فَهُوَ شَفِقٌ، وَالْجَمْعُ شَفِقُون؛ قَالَ الشَّاعِرُ إسحق بْنُ خَلَفٍ، وَقِيلَ هُوَ لِابْنِ المُعَلَّى: تَهْوى حَياتي، وأَهْوَى مَوْت … (لسان العرب)