شاغِلُ الناسِ في ممزِّ اللَّيالي
الشاعر: تامر الملاط · البحر: الخفيف
هذه القصيدة من شعر تامر الملاط، من العصر الحديث، وتقع في 70 بيتًا. نُظمت على بحر الخفيف، ورويّها حرف اللام.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
شاغِلُ الناسِ في ممزِّ اللَّيالي ... قَصدُ كونينِ شاهِدٍ وَخَيالي
فهمُ مِن نُفوسِهِم في جِهادٍ ... وَخِــــصــــامٍ وَإِحــــنَــــةٍ وَنِــــضــــالِ
صَبَغوا أَرضَ كونِهِم بِدِماءٍ ... في طِلابِ الكَونِ البَعيدِ المَنالِ
فَأَساءوا مِن حَيثُما قَصَدوا الإِح ... سانَ عَن غَفلَةٍ وَبَعضِ الخِلالِ
وَالتَوى قَصدُهُم وَما فَطِنوا ثُمَّ ... تَمادَت أَشواطُهُم في المَجالِ
رُبَّ قَــــومٍ دَرَوا وَلكِــــن دَعاهُم ... مَطمَعُ النَّفسِ هِزَّةً لِلمَعالي
إِنَّ موسى أَثارَ حَرباً عَواناً ... وَقراها مُحَمَّدٌ بِالنبالِ
وَالفَقيرُ المِسكينُ عيسى نَهى الأَق ... وامَ عَن لَطمَةٍ وَصَفعِ قُذالِ
فَالصُّدورُ الأَقطابُ في تابِعِيهِ ... مَن تُرى أفتاهُم بِحَرب سجالِ
يا لَيَومٍ أُصيبَ كلوينُ فيهِ ... في فَرَنسا بِحرِّ نارِ الوبالِ
لَعِبَ السَّيفُ نخوة بِذَويهِ ... فَاستَهانَ النُّفوسَ وَهيَ الغَوالي
رَحمَتاهُ زهاء سِتِّينَ أَلفاً ... مِــــن رَضــــيعٍ وَنسوَةٍ وَرِجالِ
ما جَنوا غَيرَ جحدِهِم عصمَة البا ... با ذنوباً وَتَركِ بَعضِ المَجالي
لَم تَدَع مِنهُم سُيوفُ الفرنسي ... س سِــــوى قــــوتِ رَخــــمَة وَرِمالِ
فعلُ يَومٍ تَبَرَّأَ العَطفُ مِنهُم ... وَجَفاهُم داعي النهى عَن تقالِ
وَدَعوهُ عَلى اِغتِرارٍ جِهاداً ... يُكسِبُ الأَجرَ وَاِبيِضاضَ الخِصالِ
وَهُمُ القَومُ يَدَّعونَ كَمالاً ... بِجِلاهُ صَدرُ التمَدُّنِ حالِ
وَيحَ موسى أَما رَأى ما دَهى قَو ... مه مِمَّنــ منوا بِحَلقِ السُّبالِ
بِدِماهُم رَكاردو رَصَّعَ التّا ... ج غداةَ التَّتويجِ لا بِاللآلي
وَاِشتَفى الرُّوسُ مِنهُمُ وَاِستَباحوا ... دَمَهُم في بولونيا بِالعَوالي
عَلَّ عيسى رَأى بِرومَةَ ناراً ... مِن بَعيدٍ تَشُبُّ ذاتَ اِشتِعالِ
وَرَآها تُقرى بهامِ ذَويهِ ... حَنَقاً في تَخمطٍ وَاِختِيالِ
نارُ نيرونَ غادَرَتهُم جِبالاً ... مِن رَمادٍ بِشَرّ مُرِّ النكالِ
مِن صَريعٍ عَلى عِظام صَريعٍ ... وَجموعٍ عَلى اللَّهيبِ عِيالٍ
مِــــن شَــــوِيٍّ عَلى جِمارِ شَوِيٍّ ... وَنُــــــفــــــوسٍ سَـــــوائِلٍ وَسَـــــوالي
حُمَّتِ السُّحبُ مِن زَفيرِ البَرايا ... بَـــــيـــــنَ حُــــرٍّ وَحُــــرَّةٍ وَمــــوالي
فَنُفوسٌ بَريئَةٌ فَحُطامٌ ... فَقُصورٌ رَفيعَةٌ ذاتُ بالِ
بُدِّلَت وَحشَةَ البِلى وَعَفاها ... بُركانٌ مِن لهبةٍ مُتَوالِ
رمِدَ الجَوُّ بِالدُّخانِ وَنيرو ... نٌ يَراهُ شَكلاً بَديعَ الجَمالِ
طَرب الرّوحِ ضاحِكاً كُلَّما أَج ... جَ لَهــــيــــبٌ بِــــأَعــــظُمٍ وَقِلالِ
وَكَفى عيسى ما جَناهُ عَلَيهِ ... قَومُ موسى مِن شِرَّةٍ وَاِغتِيالِ
غَــــضِــــبَ السَّيفُ غَضبَةً لِذَوي ... أحمَدَ فَاِهتَزَّت راسِياتُ الجِبالِ
يا لغاراتٍ بِالعِراقَينِ فَالشامِ ... فَمِصرٍ فأرضِ بَحرِ الغَزالِ
فَالأَغاريقِ فَالفَرنجَةِ فَالهِندِ ... فُتوحاً إِلى البُحورِ التَّوالي
فَالصَّقاليبِ الرومِ شَرقاً وَغَرباً ... صالَ فيها الحَنيفُ كُلَّ صيالِ
نَهلَ السَّيفُ ثُمَّ عَلَّ نَجيعاً ... وَدَهى الخافِقينِ أَيُّ اعتِلالِ
رُبَّ يَومٍ مَضى لأُمَّةِ موسى ... ألهَبَ النّاسَ مِن شِفارِ النصالِ
بوشعٌ دَوَّخَ البَسيطَة حَتّى ... الفارُ وَالضب نُهمَةً لِلقتالِ
وَالفَراعينُ ثُمَّ آشورُ سالَت ... أَرضُهُم بِالنُّفوسِ جُهدَ النِّزالِ
وَسِواهُم مِن قَبلِهِم ثُمَّ قَبلَ ال ... قبلِ أَو بَعدَ البُعدِ تِلوٌ فَتالِ
أَجهَدَ النّاسَ قَصدُ ما بَعد هذا ... الكَونُ بَحثاً مُنذُ العُصورِ الخَوالي
وَعَناهُم مَصيرُهُم بَينَ رَجمٍ ... بِغيوب وظنَّةٍ وَاحتِمالِ
فِــــرَقٌ جــــمَّةــــٌ وَرَأيٌ شَــــتــــيــــت ... في تلاحٍ وَجهدٍ قيلَ وَقالِ
فِئَة تَحسبُ الحَياةَ فَناءً ... وَتعدُّ الخُلودَ عَين المحالِ
تهلِكُ النَّفسُ عِندَهُم مِثلَما تَغ ... دو جُسومُ الوُجودِ طرّا بَوالي
وَسِواهُم يَرى الخُلودَ وَلكِن ... في طُقوسٍ وزخرفٍ وَمَجالي
وَيَصوغونَ في المعادِ كَلاماً ... تَصغُرُ النَّفسُ عِندَهُ في الجدالِ
يَسلُبُ الغُرُّ مِنهُم صِفَةَ الخا ... لِقِ مِن علم الغَيبِ غَير مُبالِ
وَتَرى غَيرَهُم يَقولُ مَقالاً ... غَيرَ هذا وَذاكَ دونَ اعتِدالِ
يَزعمونَ الوُجود كانَ قَديماً ... ثُمَّ يَبقى عَلى دَوامِ المَطالِ
حَــــيَــــوانٌ وَجــــامِــــدٌ وَنَــــبــــاتٌ ... عالِيَ النَّوع كانَ أَو غَير عالِ
صُوَرٌ شَكلُها يَحولُ مُحالاً ... جارِياً بَينَ لحمَةٍ وَاِنحِلالِ
حَيَوانٌ يَنحَلُّ شَكلاً فَيحيي ... حَيَواناً وَعُنصُراً غَيرَ بالِ
وَجَمادٌ يَزولُ وَجهاً فَيُنشي ... ذا حَياةٍ أَو جامِداً بِالزّوالِ
كُلُّها شَتّى بَينَ دَفعٍ وَجَذبٍ ... تَتَعاطى الحَياةَ مالاً بِمالِ
بَينَ هذا غَذاً يَصيرُ المُغَذَّى ... لِحَياةِ الوُجودِ حَذوَ النّعالِ
رُبَّ عَيشٍ قَد حالَ عَيشاً مِراراً ... وَهوَ في ظُلمَةٍ مِنَ العِلمِ خالِ
ذاكَ ما قَد تَبَلتَعَ النّاسُ فيهِ ... ضِــــدُّ آبــــادٍ قَــــد خَلَونَ طوالِ
صَدِّقوني بِأَنَّني لَستُ أَدري ... أَيُّهُم فَحلُ جنَّةٍ وَاختِبالِ
وَاللَّبيبُ الَّذي يحير جَواباً ... يَحسَبُ الكُلَّ إِسوَةً في الخِبالِ
صانِع الكَونِ خالِقٌ وَعَظيمٌ ... وَحَكيمٌ وَكامِلٌ ذو الجلالِ
منذُ صُنع الوُجودِ أَودَعَهُ الخا ... لِقُ سرَّ الحَياةِ غَيرَ مُنالِ
وَجبة مرَّة رَصينُ اِنتِظامٍ ... ثُمَّ مرّاً يَجري طَليقَ اعتِقالِ
جِدَّةُ الخَلقِ لَو فَكَّرت مَلِيّاً ... صورَةُ الحَقِّ عِندَ رَبِّ الكَمالِ
هكَذا تَركُ الناسِ غَفلاً ضياعاً ... فيهِ نَقضٌ لِحِكمَة المُتَعالي
وَيَــــظُــــنُّ الأغــــرارُ ذلِكَ يُــــزري ... خُلُقَ العِلمِ إِنَّهُم في ضَلالِ
ذاكَ ما العَقلُ يَصطَفيهِ قَبولاً ... ثُمَّةَ العِلمُ وفقَ مَبدا اِتِّصالِ
إِنَّ هذا إِن كُنتَ تَسأَلُ حَقّاً ... لَهوَ الحَقُّ فَانتحلهُ وَغالِ
وَاللَّبيبُ اللَّبيبُ مَن خافَ يَوماً ... وَاِتَّقى اللَّهَ في جَميلِ الفعالِ
وَاِنتَحى تَوبَةً إِذا زَلَّ يَرجو ... في زَوالِ الحَياةِ حسنَ المالِ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الخفيف. من أعذب البحور وأكثرها شيوعًا بعد الطويل والكامل، خفيف على السمع يصلح لأغراض كثيرة.
تفعيلاته: فاعلاتن مستفعِ لن فاعلاتن.
القافية: رويّها حرف اللام، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، الصحاح:
- الخلال: خلل: الخَلُّ: مَعْرُوفٌ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: الخَلُّ مَا حَمُض مِنْ عَصير الْعِنَبِ وَغَيْرِهِ؛ قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: هُوَ عَرَبِيٌّ صَحِيحٌ. وَفِي الْحَدِيثِ: نِعْمَ الإِدامُ الخَلُ، وَاحِدَتُهُ خَلَّة، يُذهب بِذَلِكَ … (لسان العرب)
- المجال: مجل: مَجِلَتْ يدُه، بِالْكَسْرِ، ومَجَلَتْ تَمْجَلُ وتَمْجُلُ مَجَلًا ومَجْلًا ومُجُولًا لُغَتَانِ: نَفِطَتْ مِنَ الْعَمَلِ فمَرَنَتْ وصَلُبت وثَخُن جلدُها وتَعَجَّر وَظَهَرَ فيها ما يشبه البَثَر مِنَ الْعَمَلِ بالأَشياء … (لسان العرب)
- المسكين: سكن: السُّكُونُ: ضِدُّ الْحَرَكَةِ. سَكَنَ الشيءُ يَسْكُنُ سُكوناً إِذَا ذَهَبَتْ حَرَكَتُهُ، وأَسْكَنه هو وسَكَّنه غَيْرُهُ تَسْكيناً. وَكُلُّ مَا هَدَأَ فَقَدْ سَكَن كَالرِّيحِ والحَرّ وَالْبَرْدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وسَك … (لسان العرب)
- المنال: نأل: النَّأَلانُ: ضَرْبٌ مِنَ الْمَشْيِ كأَنه يَنْهَض برأْسه إِلى فَوْقُ. نأَلَ يَنْأَلُ نَأْلًا ونَئِيلًا ونَأَلاناً: مشَى ونَهَض برأْسه يُحَرِّكُهُ إِلى فَوْقُ مِثْلُ الَّذِي يَعْدُو وَعَلَيْهِ حِمْل ينهَض بِهِ، وَقَدْ … (لسان العرب)
- بالنبال: نبل: النُّبْل، بِالضَّمِّ: الذَّكاءُ والنَّجابة، وَقَدْ نَبُلَ نُبْلًا ونَبَالَة وتَنَبَّلَ، وَهُوَ نَبِيلٌ ونَبْلٌ، والأُنثى نَبْلَة، وَالْجَمْعُ نِبَالٌ، بِالْكَسْرِ، ونَبَلٌ، بِالتَّحْرِيكِ، ونَبَلَة. والنَّبِيلَة: ال … (لسان العرب)
- بدماء: الدَمُ أصله دَمَوٌ بالتحريك، وإنما قالوا دَميَ يَدْمى لحال الكسرة التي قبل الياء، كما قالوا رَضيَ يَرْضى وهو من الرضوان. قال الشاعر: فلو أَنَّا على حجرٍ ذُبِحْنا * جَرى الدَمَيانِ بالخبر اليقين [[قبله: لعمرك إننى وأبا رب … (الصحاح)
- تمادت: مأد: المَأْدُ مِنَ النَّبَاتِ: اللَّيِّنُ الناعِم. قَالَ الأَصمعي: قِيلَ لِبَعْضِ الْعَرَبِ: أَصِبْ لَنَا مَوْضِعًا، فَقَالَ رائِدُهم: وَجَدْتُ مَكَانًا ثَأْداً مَأْداً. ومَأْد الشَّبَابِ: نَعْمَتُه. ومَأَدَ العُودُ يَمْ … (لسان العرب)
- جهاد: جهد: الجَهْدُ والجُهْدُ: الطَّاقَةُ، تَقُولُ: اجْهَد جَهْدَك؛ وَقِيلَ: الجَهْد الْمَشَقَّةُ والجُهْد الطَّاقَةُ. اللَّيْثُ: الجَهْدُ مَا جَهَد الإِنسان مِنْ مَرَضٍ أَو أَمر شَاقٍّ، فَهُوَ مَجْهُودٌ؛ قَالَ: والجُهْد لُغَة … (لسان العرب)