تلك أعلامنا وهذا الثواءُ
الشاعر: حسن حسني الطويراني · البحر: الخفيف
هذه القصيدة من شعر حسن حسني الطويراني، من العصر الحديث، وتقع في 112 بيتًا. نُظمت على بحر الخفيف، ورويّها حرف الهمزة.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
تلك أعلامنا وهذا الثواءُ ... قف لنبكي إن كان يغني البكاءُ
قف نجرِّرْ قديمَ وجدٍ بذكرى ... ههنا كان قومنا القدماء
إيه عيش الديار لو أبت أو لم ... يَعرُ أيامك العزاز انقضاء
إيه جمعٌ لو لم يفرقه صرفٌ ... كنت تزهى لو لم يخنك الوفاء
إيه عهد الشباب والعمر غضٌّ ... والليــــالي بــــأهــــلها وضّاء
خبريني وأنت لا تخبريني ... ولها العذر إنها بكماء
ليــــت شعري وأي واد وشِعبٍ ... طــــاب للقــــوم تربُه والهواء
هذه أرضهم وهذا حماهم ... بارحوا فاغتدوا وهم نزلاء
تركوا موطنا فحلوا السوى فاس ... توطنوه أم هم به غرباء
يا لها وقفةً على الرسم أضحى ... لا يجيب النداء إلا النداء
لا تروِّعْ عن الرغاء المطايا ... فالمطايا حنينهنَّ الرغاء
لا تُرَعْ إنها تفي بهواها ... ليس تنسى وجينَها الوجناء
ذكرت عهدها القديم فحنت ... ولها الشكر إنها عجماء
خلها ترو وادياً بدموعٍ ... طالما قد غذاها منه الكلاء
خلها خلها تنوح وتبكي ... كلنا في ادكارِ عهدٍ سواء
فـــــهـــــواهــــا مــــؤالف وربــــوض ... وهوانا الأحباب والاحياء
وكــــلانــــا مــــكــــلف بــــنُــــواح ... حيث شط الأليف والأصفياء
لهف نفسي على مرابع أنسي ... كيف بادت وقد علاها العفاء
غير الدهر حسنها وشبابي ... إنـــــه غـــــيـــــر راحـــــم عــــدّاء
لم يرق عينه نعيمٌ مقيمٌ ... راقه البين بعده والشقاء
كنت أهوى البقاء واليوم أرجو ... بعض ذاك اللقا وأين اللقاء
رُبَّ ليلٍ بجمع شمل نضير ... ذي سواد له اليدُ البيضاء
رب قَدِّ إذا تمايل عُجباً ... هجرت غصنَها به الورقاء
رب وجــــهٍ إذا تــــبــــدى كبدرٍ ... حسنت أرضها عليه السماء
رب خــــالٍ متى علا وردَ خدٍّ ... هـــــام روضٌ وَجـــــنّــــت الســــوداء
رب لحــــظٍ إِذا رنــــا وَهوَ ساجٍ ... أَوجبت سلبَ عقلِها الكهرباء
رب صدرٍ من خالص النور تهوَى ... لَو حكته الجنة النضراء
رب ثغر عن كَوثر الخُلد ينبي ... تتشهى رضابَه الصَهباء
رب شعر أَمدَّ من طول حزني ... تــــتــــمنى سوادَه الليلاء
رب صب هوى الجَمال فَأَضحى ... مستهاماً تُبيدُه البَيداء
عجباً لِلنَوى تفرّق جَمعاً ... طال ما جمّعت لَهُ الأَهواء
ما علمنا لذلك العيش قدراً ... وَبِهَــــذا تــــحــــوّل النــــعماء
إيه نفس اقصري فَقَد بَعُد العَه ... دُ وَأَسمت رقيَّها العَنقاء
ليسَ ماض يُرَدّ أَو مُقْبِلٌ يُد ... رَى ولا الحال يزدهيها البَقاء
فاترك الهَمَّ ما استطعت وسلّ ال ... نفس إِذ يقتل الرَشادَ العَناء
والزم الصَبر وَاستعنه فيا كم ... نعَّمت بالَ صابرٍ بأساء
كَيفَ تَرجو دَوام حال محال ... ما استطاعَت بلوغه الحكماء
كَيفَ تَهوى الثبوت منها وَعَنها ... تَتَلقّى التلوّن الحرباء
انظر الوَجه وَاعرف الكنه مِنهُ ... وَتزّود تُقاك فهوَ النَماء
إِن أَيــــامنا لَهنَّ مَع الدَه ... ر اِنتِهاءٌ كَما لَهنَّ اِبتداء
وَالحَليم الرَشيد مَن باتَ فيها ... لَيسَ تَهوي بِعَقله الأَشياء
فَسماء الوُجود منا عليها ... سحبٌ بعضها لبعض غِشاء
أمـــــة أمـــــة تَــــزول وَتَــــأتــــي ... فَلذا يَبدو وَكْفُها وانجلاء
وَرِياض الحَياة تزهر منا ... بِنَضير وَتَيبس الخَضراء
هَكذا هَكذا حَياةٌ وَمَوتٌ ... يَــــــتــــــوالى وشــــــدةٌ وَرَخــــــاء
فَإِذا لَم يَكُن سِوى الترك حَد ... فَالهَوى باطل إِذا لا مراء
وَإِذا لَم تَفدك شَكوى سِوى ما ... قَدّر اللَه فليصُنك الحَياء
وَإِذا ما المخاف عمَّ مصاباً ... ثِق بِمَولاك فَالأمور قَضاء
وَإِذا ما الرَجاء أَغلق باباً ... لذ بِخير الأَنام فَهوَ الرَجاء
كَم رِجال سَعوا إِليه فَنالوا ... عم أكدارَهم صَفىً وَصَفاء
حرّروا الرق حين صاروا عَبيداً ... لحـــــمـــــاه فَهُــــم بِهِ سُــــعَــــداء
وَبقدر افتقارهم لعطاه ... حسدتهم فَذلت الأَغنياء
وَيعز الهَوان بَينَ يَديهِ ... عظَّمَتهم أَو هانَت العظماء
وَبذل الخُضوع عزّوا وَسادوا ... رفعتهم لِهامِها العَلياء
فَاصلح القَلب وَاخلص السَير وَاقصد ... تَــــلقَ مَــــولى لَهُ اللوا وَالوَلاء
ذاكَ جــــار إذا رَجَوت مجيرٌ ... فَاعزم القَصد يحمك الاحتماء
ذاكَ نُور إِذا دجا الخَطب فَاطلب ... يَتَجلّى فَتنجلي الظَلماء
كُن ضَعيفاً حَقير ذا الحَي تَشرُفْ ... فَإليهِ يُشرِّفُ الانتِماء
لا تَخف ابن رابش هم أَصارو ... ه أَبا الفَضل إنهم أَقوياء
فَالعَطا ابنه ومن يرتجيه ... ابــــن أَوسٍ لأنــــهــــم كــــرمــــاء
يا أَبا طرفة افتخر في حماهم ... أَنتَ عَبدٌ وَالحادثات إماء
إِن عاراً عَليك حملانُ همٍّ ... وَلَكَ اللَه وَالنَـــــبـــــي أَوليــــاء
ته عَلى الحادِثات إِنكَ مِنهُ ... فــــي ذمــــام تَقلُّك الشماء
يا مطيّ الرجا استريحي فهَذا ... ما قَصدنا وَعيشةٌ خَضراء
لا تَخاف المَسير هَذا مَقام ... تَبتَغيهِ لتَكرُمَ الضعفاء
يا مطيّ الرَجاء قَد فارق الإع ... ياء قرّي وَحُطَّتـــ الأَعباء
قَد حمدت السَرى فَأَنتَ عَتيق ... وَليسرّ الإنضاء وَالإضناء
قَد أَرحنا الرَجاء لَما استرحنا ... هَكذا الشَرط بَيننا وَالجَزاء
مرجع الأَمر مَوطن النَفس هَذا ... تَتَقي مَن يَحتله الأسواء
إِن قوت القُلوب فيهِ مقيتٌ ... وَلصادِ الفؤاد مِنهُ اِرتواء
مَهبط الوَحي مَظهر السر نُور ال ... حَق مِنهُ الهُدى بِهِ الاهتداء
يا نبي الهُدى وَأَنتَ سَميع ... جل داءُ العَنا وَعز الدَواء
غال حَزمي الهَوى وَعَزمي الأَماني ... هال عَقلي البَلا وَجسمي البَلاء
رَدَّني الغيُّ عَن رَشاد مُبين ... حَيث وَلَّى بيقظَتي الإغفاء
وَانقَضى العُمر بَينَ لَهو وَلَغو ... ما أَفادا ولَيسَ ثمّ اقتضاء
ثم ذا اليَوم وَالصَباح صَباح ... وَكَذا اللَيل وَالمَساء المَساء
لَم تغير سِوى شؤوني وَلم يَم ... ضِ سِوى العُمر وَالجَميعُ هباء
بعت أَيامها بخسران نفسي ... وَلَقد كانَ في السَماح الثراء
كُل وَقت يَغر حَتّى كَأَني ... خلت أَبقى وَقَد مَضى النظراء
إِن تُحَذِّرْ نُهىً يَغِرَّ هيامٌ ... لَم يُمكِّنــ تحذيرَها الإغراء
ما عَلى النَفس لَو أَصابَت هداها ... فَنجت مثل ما نجَى الأتقياء
كُل حين يمر تدنو مِن الأم ... وات داري وتبعد الأحياء
وَأَنا جاهل الحقيقة لاهٍ ... أَتــــردّى وَهــــكَــــذا الجــــهــــلاء
كم لآمالنا الطوال اِبتداءٌ ... وَلا جالنا القصار اِنتِهاء
يا طَبيب الأَرواح أَمرض رُوحي ... سوءُ فعلي وفي يديك الشفاء
يا ضياء اليَقين أَنتَ تَقيني ... إِن دَهى الخَطب أَو عرت دَهياء
بِكَ نام الأَنام تَحتَ أَمان ... نَشرته الشَريعة الغَراء
بِكَ عَم الوُجود جُودٌ عَميم ... نَــــضَّرت وَجهَها بِهِ الغَبراء
لَكَ ذلت جَـــــبـــــابــــرٌ وَطــــغــــاة ... بِــــكَ عَــــزت أَجــــلَّةٌ حُــــنــــفــــاء
أَنتَ سر الوُجود ديناً وَدُنيا ... لَيسَ في جاهك العَظيم اِمتِراء
أَنتَ أُرسلتَ وَالخَلائق شَتّى ... مَهــــمــــلاتٌ وَكــــلُّهــــم غَوغاء
فَاِغتَدوا أَحباباً بِأخوة دين ... بَعد حين مَضى وَهُم أَعداء
جِئتنا بِالبُرهان فَاتّضح الحق ... ق لذي أَعين فَبان الخَفاء
عم إنساً وَعَم جنّاً نداك ال ... مُرتَجى بَل قَد نالَت الصماء
عمت الأُمَهات قَبل المَوالي ... د مَعاليك حَيث خَص الجداء
نُقطة الكَون كُنت أَنتَ ولا شَك ... ك وَكلاً جَميعنا أَجزاء
لَيتَ شعري فما حقيقتك القص ... وى التي رُدَّ دونَها العُقَلاء
أَيّ شَمس هِيَ الحَقيقة إِن كا ... ن الَّذي في العُيون هَذا الضياء
إِن عَيناً لَم تُبصر الرُشد مِن نُو ... رك عَينٌ كَميهةٌ عَمياء
كَيفَ نطق الحَيوان وَالجذع اذ حن ... ن وَفي الكَفِّ سبَّحت حَصباء
لَيتَ شعري أَحلّ في تِلكَ رُوح ... أَم بِلا رُوح تَنطق الخَرساء
آية اللَه أَظهرت معجزاتٍ ... لِلنبي الكَريم فيما يَشاء
وَلَكَم مثلَها عَجائبُ تترى ... يَنقضي دُونَ حَصرِها الإحصاء
وَالَّذي قَد رقى إِلى العَرش قُرباً ... كَيفَ تَرقى رُقيَّهُ الأنبياء
وَالَّذي قَد أَثنى الإِلهُ عَلَيهِ ... كَيفَ تَسطيع مَدحه الشعراء
فَلتكن أَبحرُ الوجود مِداداً ... وَليَكُن صحفَ كاتبيها الفَضاء
وَلتَعش ما تَشاء وَالوَقت دَهر ... لَن يـــــرجَّى لِذَلكَ اســـــتــــقــــراء
إِنَّما قَد تَقول جهد مقلٍّ ... وَهوَ عَرض يَمده الإلتجاء
يا نبي الهُدى أَقلْها عثاراً ... لَم يُقِلني من حملها الإعياء
وَارضني مِنكَ لِلمَراحم أَهلاً ... لتـــــروح الأَرواح وَالبـــــرحــــاء
وَاقض لي بِالقبول وَالعَفو وَاصفح ... ليتمَّ المنى وَيَبدو الهَناء
يا نَبي الهُدى عَليك سَلام ... لا اِبتِداء لَهُ وَلا إنتِهاء
البحر والقافية
القصيدة على بحر الخفيف. من أعذب البحور وأكثرها شيوعًا بعد الطويل والكامل، خفيف على السمع يصلح لأغراض كثيرة.
تفعيلاته: فاعلاتن مستفعِ لن فاعلاتن.
القافية: رويّها حرف الهمزة، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- الثواء: ثوا: الثَّواءُ: طولُ المُقام، ثَوَى يَثْوي ثَواءً وثَوَيْتُ بِالْمَكَانِ وثَوَيْته ثَواءً وثُوِيّاً مِثْلُ مَضَى يَمْضِي مَضاءً ومُضِيّاً؛ الأَخيرة عَنْ سِيبَوَيْهِ، وأَثْوَيْت بِهِ: أَطلت الإِقامة بِهِ. وأَثْوَيْته أَنا … (لسان العرب)
- العزاز: عزز: العَزِيزُ: مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وأَسمائه الْحُسْنَى؛ قَالَ الزَّجَّاجُ: هُوَ الْمُمْتَنِعُ فَلَا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ الْقَوِيُّ الْغَالِبُ كُلِّ شَيْءٍ، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي لَيْ … (لسان العرب)
- بارحوا: برح: بَرِحَ بَرَحاً وبُرُوحاً: زَالَ. والبَراحُ: مَصْدَرُ قَوْلِكَ بَرِحَ مكانَه أَي زَالَ عَنْهُ وَصَارَ فِي البَراحِ. وَقَوْلُهُمْ: لَا بَراحَ، مَنْصُوبٌ كَمَا نُصِبَ قَوْلُهُمْ لَا رَيْبَ، وَيَجُوزُ رَفْعُهُ فَيَكُونُ … (لسان العرب)
- بكماء: كمأ: الكَمْأَةُ وَاحِدُهَا كَمءٌ عَلَى غيرِ قِيَاسٍ، وَهُوَ مِنَ النوادِرِ. فإنَّ القِياسَ العَكْسُ. الكَمْءُ: نَبات يُنَقِّضُ الأَرضَ فَيَخْرُجُ كَمَا يَخرج الفُطْرُ، وَالْجَمْعُ أَكْمُؤٌ وكَمْأَةٌ. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: … (لسان العرب)
- تخبريني: خبر: الخَبِيرُ: مِنْ أَسماء اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الْعَالِمُ بِمَا كَانَ وَمَا يَكُونُ. وخَبُرْتُ بالأَمر[[. قوله: [وخبرت بالأَمر] ككرم. وقوله: وخبرت الأَمر من باب قتل كما في القاموس والمصباح]]. أَي عَلِمْتُهُ. وخَبَرْتُ … (لسان العرب)
- حماهم: حمأ: الحَمْأَةُ والحَمَأُ: الطِّينُ الأَسود المُنتن؛ وَفِي التَّنْزِيلِ: مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ*، وَقِيلَ حَمَأٌ: اسْمٌ لِجَمْعِ حَمْأَةٍ كَحَلَق اسْمِ جَمْعِ حَلْقَة؛ وَقَالَ أَبو عُبَيْدَةَ: وَاحِدَةُ الحَمَإ حَمَأَة كق … (لسان العرب)