أما لَمحتَ البارِق العُلويَّا
الشاعر: النبهاني العماني · البحر: الرجز
هذه القصيدة من شعر النبهاني العماني، من العصر المملوكي، وتقع في 78 بيتًا. نُظمت على بحر الرجز.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
أما لَمحتَ البارِق العُلويَّا ... نآى يَمانياً فشمأليَّا
حــــتى إذا آضَ حياً سويَّا ... سقى التلاعَ المعطِشات رِيَّا
وأخصبَ الأجراز والفليا ... ثمَّ استَمرَّ رعدُهُ وبرقُهُ
فانهلَّ وشْكاً وبلهُ وودقه ... والتجَّ سيلاً غربُه وشرقهُ
ثم استنارَ باِسماً مَبعقهُ ... ردَّ البصيرَ أكْمَهاً عميَّا
ثم اسبكرَّها طِلاً فجادا ... وطبَّقَ الأصلادَ والوهادا
وامْتاح في خطرتهِ انقيادا ... وألبَــــــسَ الروْضَ له أبْــــــرادا
وحاك زهْراً بالرُّبى موشيا ... يخفُقُ بينَ أبيضٍ وأحَمرِ
وأزرقٍ مــــــتَّســــــقٍ وأصـــــفَـــــرِ ... ويانعٍ في أسودٍ من أخضر
يَروقُ عينَ الناظرِ المغرّرِ ... مُستأنَفاً في حسنهٍ بهيا
ثم انثنى مصوِّحاً قد هاجا ... مُنزِعجاً عن حالِه انزعاجا
ونشَّ ما كانَ به مجّاجا ... وعزَّ عن قطّافِه ما راجا
وقد يكونُ يِانعاً جَنيا ... فهكذا ُكلُّ نعيمٍ زائلِ
وهــــكــــذا كــــلُّ سرورٍ حائلِ ... واعْتَبرِ الباقينَ بالأوائل
إنْ كنتَ في الأمة عين العاقلِ ... فانَّبع الدينَ المحمديا
ولا تَزغْ عن مَنْهجِ الرَّسولِ ... محمدِ المخصوصِ بالتفضيلِ
ولا تُطعْ أمِنية التضليلِ ... فلم تفز في الخلد بالمقيلِ
حتى توالي المصطفى النبيا ... يا غاِفلاً عما بهِ يرادٌ
إذا حوى كلَّ الورى المَعادُ ... أينَ ثمودٌ ذهبت وعادُ
إيـــــهٍ وأيـــــنَ ربُّهــــا شــــدَّادُ ... لم يُبقِ منهم دهرُهم بقيا
أينَ ذوو الأجنادِ والجحافلِ ... أين أولو الدَّولاتِ والمعاقلِ
والعَدَد الأكثر والصواهل ... وأين من يخطب في المحافلِ
إن كنت عن أهل الجدال عَيَّا ... أين ذوو التُّخوت والتيجانِ
وأين أهلُ العزّ من قحطانِ ... وأين أملاكُ بني غسّانِ
ألْوَت بهم نوائبُ الزَّمانِ ... فأسْلكَتْهم مَسْلكاً وبيَّا
ذو يَــــزَنٍ أيــــن وذو رُعَــــيــــنِ ... ومُضْرطُ الصخر وذو اليومينِ
وذو نَواسٍ هاطلُ اليدينِ ... طالَبَهم صرف الرَّدى بديَنِ
فلم تر في دورهم نجيا ... أبرهَةٌ أين وذو المنار
وأين من يدعى بذي الإذعارِ ... والتُّبعُ الأسعدُ ذو الفخارِ
والأقرنُ المشهورُ في الآثارِ ... طواهم ريْب الزمان طيا
أين امرُؤ القيسِ وأين المنذرُ ... وأين كهلان وأين حمْيرُ
وأين جدي ذو العُلا مظفرُ ... وأين نبهان الهمام الأفخرُ
أصبحَ منهم ملكهُمْ خليا ... أين مرادٌ ذهبتْ وجرهُم
وأين أقيال جذامَ الأنجمْ ... ويعربٌ قرْم الملوكِ الأعظم
ألوى بهم أمر الإله المُبَرمُ ... وكان حتماً أمره مقضيَّا
أيــــن ذوو الأراءِ والرايــــاتِ ... وأين أهل الفضل والهِباتِ
وضاربو الرقابِ والهاماتِ ... صاحَ عليهمْ هادمَ اللذاتِ
فاختلس السعيدَ والشقيا ... صب عليهم صرفَه الزمانُ
فانقرضوا كأنهم ما كانوا ... والدهر خِبٌّ بالورى خوَّان
فكلما قضى به الديان ... لم تلق عنه مهرَباً قصيا
يا رِاقداً عن أهبة المَعادِ ... كيفَ ترى السيْرَ بغير زادِ
ما الراي في مظلمة العبادِ ... والموقف المحفوف بالأشهاد
وقد عصيتَ الصمد القوَّيا ... يا خاطِئاً ما قَدَّم المَتابا
هيَئْ ليوم النفخة الجوابا ... إذا يقول كافرٌ قد خابا
يا ليَتني كنتُ إذاً ترابا ... وكنت نَسياً قبلها منسيا
ماذا تجيبُ عن سؤال الخالقِ ... إذا بدت فضائحُ الخلائقِِ
واحتوت النارُ على المشاققِ ... والكافر الكائدِ والمُنافقِ
فصرت كالأولى بها صِليَّا ... إن قالَ يا عبدي عصيت أمري
وما انزَجرْت طائعاً لزجري ... ولا اتَّقيت سطوتي وقهري
لو كنت آمنت بيوم الحشرِ ... لم تجْنِ هذا المنكر الفريا
هلاَّ سَمِعتَ قبلها وعيدي ... هلا قرأت واعياً تهديدي
وما توعَّدت به عبيدي ... من العقابِ البائسِ الشديدِ
حتى ركبت المفظع الشنيَّا ... هلا اعتبرتَ سالفاً بمن مضى
ومن تَقضَّاه الحمامُ فانقضى ... أدلى عليهم دلوَهُ صرف القضا
فبدَّلو ضيقَ اللحودِ بالفضا ... قسراً وضاهي المعدمُ الغنَّيا
واشتَبهَ السوقةُ بالملوكِ ... والمترف الموسعُ بالصعلوكِ
والمالكُ القاهرُ بالملوكِ ... وانفرجتْ غياهبُ الشكوكِ
وأظهر الموت لك المخفيَّا ... لم لا ذكرتَ الموقف العظيما
لم لا رهبتَ هوله الجسيما ... وكيف يقوى جسمك الجحيما
وقد ألفتَ قلبها النعيما ... وكنت جبَّاراً بها عصيَّا
أينَ المَفُّر من سؤآلِ الموقف ... أين المناص من قصاصِ المنصفِ
أين المحيص يوم لا من مزحف ... ولا حميمٍ شافع مستوقفِ
عقاب يوم لم يزل دهيّا ... لهفي على ما فات من شبابي
في الغيّ واللذَّة والتصابي ... ويْلاهُ مِمَّاــ خُطْ في كتابي
إن لم أتب في ساعة المتابِ ... ولم أكن مع خالقي مرضيا
أين مفازاتي وما اعتِذاري ... إذا وقفت بين أيدي الباري
وهتُكِّتــ بين الورى أستاري ... ودهدهوني صاغرا في النارِ
أهوِى بأقصى قعرها هويا ... هيهات يا مجرمُ أن تفوزَا
يومَ يقومُ الخلق أو يجوزَا ... وأن تنالَ عن لظى تبريزا
وقد عصيت ربَّكــ العزيزا ... ولم تـــــزل لأمـــــره أبــــيّــــا
كيف ترجّي الفوز في المعاد ... وأنــــــت لله مـــــن الأعـــــادي
أم كيف ترجو رتبةَ العباد ... وأنتَ منعاجٌ عنِ الرشادِ
متَّبعاً شيطانك الغويا ... يا ربّ بالبيت العتيق الأعظمِ
والمروتين والصَّفا وزمزمِ ... وبالنبيّ الهاشمي المكَّرمِ
كن لابن نبهان اَلمليك المجرمِ ... براً رؤوفاً راحماً حفيَّا
وامحُ الذي أحدثه وأجرما ... واغفر لما أخّره وقدما
وكن بما يرجوه منك منعما ... فإنَّهـــ مؤملٌ أن يُرحما
إن كنت عن عذابه غنيَّا
البحر والقافية
القصيدة على بحر الرجز. يُلقّب بـ«حمار الشعراء» لسهولته، ويُستعمل في المنظومات العلمية والارتجال.
تفعيلاته: مستفعلن مستفعلن مستفعلن.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- استنار: نار: نأرَتْ نائِرَةٌ فِي النَّاسِ: هاجَتْ هَائِجَةٌ، قَالَ: وَيُقَالُ نَارَتْ بِغَيْرِ هَمْزٍ، قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وأُراه بَدَلًا. والنَّؤُورُ: دُخَانُ الشحْم. والنَّؤُورُ: النِّيلَنْجُ؛ عَنِ ابْنِ الأَعرابي. نبر: النَّ … (لسان العرب)
- البارق: أرق: الأَرَقُ: السَّهَرُ. وقد أَرِقْت، بالكسر، أَي سَهِرْت، وكذلك ائتَرَقْت على افْتَعَلْت، فأَنا أَرِقٌ. التهذيب: الأَرَقُ ذهاب النوم بالليل، وفي المحكم: ذهاب النوم لعلة. يقال: أَرِقْت آرَقُ. ويقال: أَرِقَ أَرَقاً، فهو … (لسان العرب)
- البصير: صير: صارَ الأَمرُ إِلى كذا يَصِيرُ صَيْراً ومَصِيراً وصَيْرُورَةً وصَيَّرَه إِليه وأَصارَه، والصَّيْرُورَةُ مصدر صارَ يَصِيرُ. وفي كلام عُمَيْلَةَ الفَزارِي لعمه وهو ابن عَنْقاءَ الفَزارِي: ما الذي أَصارَك إِلى ما أَرى ي … (لسان العرب)
- التلاع: تلع: تَلَعَ النهارُ يَتْلَعُ تَلْعاً وتُلُوعاً وأَتْلَع: ارْتَفَعَ. وتَلَعَتِ الضُّحَى تُلُوعاً وأَتْلَعَت: انْبَسَطَت. وتَلَعُ الضُّحى: وقتُ تُلُوعِها؛ عَنِ ابْنِ الأَعرابي؛ وأَنشد: أَأَنْ غَرَّدَتْ فِي بَطنِ وادٍ حَمام … (لسان العرب)
- المعطشات: عطش: العطَشُ: ضدُّ الرِّيّ؛ عطِشَ يعْطشُ عَطَشاً، وَهُوَ عاطِشٌ وعطِشٌ وعطُشٌ وعَطْشان، وَالْجَمْعُ عَطِشُون وعَطُشونَ وعِطاشٌ وعَطْشَى وعَطَاشَى وعُطَاشَى، والأُنثى عَطِشةٌ وعَطُشةٌ وعَطْشى وعَطْشانةٌ وَنِسْوَةٌ عِطاشٌ. … (لسان العرب)