يا هَل شجاكَ نَوى الخليطِ الظاعن
الشاعر: النبهاني العماني · البحر: الكامل
هذه القصيدة من شعر النبهاني العماني، من العصر المملوكي، وتقع في ٦٣ بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف النون.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
يا هَل شجاكَ نَوى الخليطِ الظاعن ... إذ بانَ عنكَ وكلُّ إلفٍ بائنِ
بانَ الخليطُ فبان صبركَ عنده ... ولقد يقيم مع المقيم القاطن
ليت الأحبَّةـ يوم زمّوا عيرهم ... سمحوا بنظرةِ ذي الشبابِ الفاتنِ
شحطوا فظلتُ أريق ماء مدامعٍ ... بلَّت حمائلَ ذي الرِّقابِ هواتنِ
وطفقتُ بعدهم بَهمٍ ظاهرٍ ... بادٍ عليكَ بهم وَهمٍ باطنِ
نَعَمِ اشمعلَّ الظاعنونَ لطيَّةٍ ... زوراءَ ليس منالُها بالهَائنِ
هاجت بكاىَ حُدوجُهم فكأنها ... والآلُ مرتكمٌ سفائن يامِنِ
يا منزلا جمحَ الزمان بأهله ... فرماهمُ بتشتُّتٍ وتباينِ
سَقيا لعهدك معهداً ظَلْنا به ... نلهو ببيضٍ كالشُّموس فَواتنِ
من كلِّ رائعةِ الجمالِ خريدةٍ ... رَيَّاــ الرَّوادفِ كالوذيلة حاصِنِ
خود تسفّه كلَّ حبر عالمٍ ... يهدى الأنامَ وكلَّ طبْنٍ طابنِ
فإذا اتَّقتكَ أرتكَ جيد غزالةٍ ... وإذا رنتكَ رَنتْ بعينيْ شادِنِ
أتراب رايةَ والزَّمان مساعد ... والدهر يرمقنا بعينِ مهادنِ
حتى إذا عبثَ الزمان بوصلنا ... فأباده والدهر أغدر خائنِ
يا رايَ قدَّ وجمال وجهكِ حِلْفةً ... أيقظتِ راقدَ كلِّ حزنٍ كامنِ
إني لآنفُ أن أدين لغاشمٍ ... ذلاً ودون الذُّل جــــدعُ المــــارنِ
بل رُبَّ يومٍ قد لهوت وليلةٍ ... بمزامرٍ ومخامرٍ وحواصن
وشربت من كف الحبيبِ مدامة ... صرفاً تحرّك كلَّ شوقٍ ساكنِ
ولربَّ مـــــاذيٍ غَـــــلافــــقَ آجــــنِ ... سابقت أذؤبه سباقَ مُراهنِ
ولقد أجوب اللاَّمعات بعرمَسٍ ... من عيسِ مَهرة عنتريسٍ بادنِ
ياراىَ لستُ بناكلٍ هَيَّابةٍ ... يومَ الهياجِ ولا الجبان الواهِنِ
إني وحقكِ أمنُ قلبٍ خائفٍ ... ألفَ الهُمومَ وخوف قلب الآمنِ
أسخو بما أحوي ويخزن آخر ... ليس البذولُ لماله كالخازنِ
أنا سيد الأملاكِ غير مدافعِ ... وحِمام كلّ ممارسٍ ومطاعن
أنا سعد كلِّ مسالمٍ بل نحس كلِّ ... مصارمٍ بل حتف كلِّ مشاحنِ
أنا من تخرُّ له الجَبابرُ سجَّداً ... عند الوقائعِ والهَياج الزَّابنِ
فمنازل المُهدى المديحَ منازلي ... وخزائن العافي الفقير خزائني
يَلقى المعزَّةً والغنيمةَ سائلي ... فضلاً كما يلقى الحمامَ مطاعني
ملك طَعون بالمثَّقفِ ضارب ... فاسألْ عن الملكِ الضروب الطّاعنِ
كتب الإله على ذُباب مَهَّندى ... أنتَ الحمامُ وفيكَ حين الحائنِ
إذْ جاءَ مُنتضياً حُساماً كاسمه ... عضباً مُلامسُ حدِه لم يأمَنِ
يهدى أزَبَّ كذى عبُابٍ زاخرٍ ... متكاثفٍ مترادفٍ متراطِنِ
بصوارمٍ مضريَّةٍ ولَهاذمٍ ... بدرَّيةٍ وصوافنٍ فصوافنِ
وفوارسٍ كأسودِ بيشة فيهم ... ضرب يبِّلد بالشجاعِ الدَّافن
فلبست لامتيَ المُفاضةَ واثقاً ... بالظاهرِ المحيى المميتِ الباطنِ
وركبت جفلةَ والرماحُ شوارع ... والخيلُ بين تضارب وتطاعنِ
والشُّوس تَهتف بالرجالِ حماسةً ... والجوُّ مدَّرِع بنقعٍ شاحنِ
في صارخٍ حَرِجٍ كأنَّ قَتامه ... والبيض غيهب ذي كواكب داجنِ
فسقيت أولهم بكأسٍ مُرَّةٍ ... من حرِّموتٍ في سِناني كامنِ
فصرعته وشرعت رُمحي خالجاً ... لمدَّججٍ لذوي الشجاعةِ غابنِ
فطعنته فهوى لحُرّجبينه ... متسربلاً بنجيعِ جوفٍ ساخنِ
فشككت آخره فجلجلَ رابعاً ... فهوى ورُبَّةــ مصْلتٍ كالحاقنِ
وفتى عزيزٍ قد هَتكتُ بضربةٍ ... جلبت له قَدَرَ القضاء الكائنِ
وافى إليّ بشأنِ شانٍ جاسرٍ ... ثم انثنى عني بشأنٍ شائنِ
وأخا قُضاعةَ قد أطرتُ فراخه ... بالقرنِ حتى خرَّ أهونَ هائنِ
فربحت حمدَ الجَحفليْن بنجدتي ... إن المحامدَ خير ربح الثَّامنِ
فتضعضعتْ عني الفوارسُ إذ رأتْ ... حملاتِ حيدرَ في غزاة هوازن
ورجعت بالقرن الخِشيب مثلمّا ... ودمٌ على ثوبيَّ هامٍ هاتنِ
فغدا يقول شريفُهم ووضيعُهم ... قولاً يهيَّجُ كلَّ ثاوٍ كامنِ
لله دَرُّ أبـــــــي عـــــــلّيٍ إنــــــه ... أحيا النّدى وأمات كلَّ مشاحن
بذلَ الطريف وصان عرضاً طاهراً ... للهِ مــــن مــــلكٍ بَــــذولٍ صــــائنِ
إنــــي لأُقــــسم بالإلِه أليَّةً ... واللهُ يكسو الخزى وجهَ الخائنِ
لو كان غير أخي المحاولُ عثرتى ... لسقيته كأسَ الحَمامِ الآسنِ
إذ كنت أعلم ما مُعادٍ مُقِلعٌ ... عما يحاول كالمُعادي العادِنِ
أبلغْ حُساماً والحوادث جمَّة ... من ذي حشىً يَغلي بنار ضغائنِ
ما بالُ دولتك التي أمَّلتها ... حادتْ ولم تُقدِمْ حيادَ الحارنِ
طارت بعقلكَ في قتاليَ عُصبةٌ ... لم يأس إذ يمشي بجّدٍ واهنِ
لا زلت تدعوني نزالَ مجاهدٍ ... دعوى امرئٍ لدُهاه غير الحاقنِ
حتى إذا ما الحربُ شبَّ لهيبُها ... وعلت كرهتُ مُطاعِني ومعايني
فعليكَ نفسك ألزْمنَها رُشدها ... وأقمْ مَقامَ العاقلِ المتطامِنِ
إني أنا الموتُ الذي لا بدَّ من ... لقِيانه والموتُ ليس ببائنِ
قسماً لانَّ لجانبي لمواثبٌ ... لا عادَ ربك أيَّ ثاوٍ ماكنِ
والنصرُ من عندِ الإلهِ قضى به ... لي في الوقائع في قضاه الكائنِ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف النون، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- اشمعل: شمعل: المُشْمَعِلُّ: المتفرِّق. والمُشْمَعِلُّ: السَّرِيعُ يَكُونُ فِي النَّاسِ والإِبل. وَفِي حَدِيثِ صَفِيّة أُم الزُّبير: كيف رأَيتَ زَبْراً: أَأَقِطاً وتَمْراً، أَو مُشْمَعِلًّا صَقْراً؟ قَالَ: المُشْمَعِلُّ السَّرِي … (لسان العرب)
- الخليط: خلط: خَلَطَ الشَّيْءُ بِالشَّيْءِ يَخْلِطُه خَلْطاً وخَلَّطَه فاخْتَلَطَ: مَزَجَه واخْتَلَطا. وخالطَ الشيءَ مُخالَطة وخِلاطاً: مازَجَه. والخِلْطُ: مَا خالَطَ الشيءَ، وَجَمْعُهُ أَخْلاطٌ. والخِلْطُ: وَاحِدُ أَخْلاطِ الطِّ … (لسان العرب)
- الظاعن: ظعن: ظَعَنَ يَظْعَنُ ظَعْناً وظَعَناً، بِالتَّحْرِيكِ، وظُعوناً: ذَهَبَ وَسَارَ. وَقُرِئَ قَوْلُهُ تَعَالَى: يَوْمَ ظَعْنِكُمْ، وظَعَنِكم. وأَظْعَنه هُوَ: سَيَّرَه؛ وأَنشد سِيبَوَيْهِ: الظاعِنُونَ ولمَّا يُظْعِنُوا أَحدا … (لسان العرب)
- الظاعنون: ظعن: ظَعَنَ يَظْعَنُ ظَعْناً وظَعَناً، بِالتَّحْرِيكِ، وظُعوناً: ذَهَبَ وَسَارَ. وَقُرِئَ قَوْلُهُ تَعَالَى: يَوْمَ ظَعْنِكُمْ، وظَعَنِكم. وأَظْعَنه هُوَ: سَيَّرَه؛ وأَنشد سِيبَوَيْهِ: الظاعِنُونَ ولمَّا يُظْعِنُوا أَحدا … (لسان العرب)
- الفاتن: أتن: الأَتانُ: الحِمارةُ، وَالْجَمْعُ آتُنٌ مِثْلُ عَناقٍ وأَعْنُقٍ وأُتْنٌ وأُتُنٌ؛ أَنشد ابْنُ الأَعرابي: وَمَا أُبَيِّنُ منهمُ، غيرَ أَنَّهمُ ... هُمُ الَّذِينَ غَذَتْ مِنْ خَلْفِها الأُتُنُ وَإِنَّمَا قَالَ غَذَت مِن … (لسان العرب)
- القاطن: قطن: القُطُون: الإِقامة. قَطَنَ بالمكان يَقْطُنُ قُطُوناً: أَقام بِهِ وتَوَطَّنَ، فَهُوَ قاطنٌ؛ وَقَالَ الْعَجَّاجِ: ورَبِّ هَذَا البلدِ المُحَرَّمِ ... والقَاطِناتِ البَيْتَ غَيْرِ الرُّيَّمِ، قَواطِناً مكةَ مِنْ وُرْقِ … (لسان العرب)
- بائن: أين: آنَ الشيءُ أَيناً: حانَ، لُغَةٌ فِي أَنى، وَلَيْسَ بِمَقْلُوبٍ عَنْهُ لِوُجُودِ المصدر؛ وقال: أَلَمَّا يَئِنْ لِي أَنْ تُجَلَّى عمايَتي، ... وأُقْصِرَ عَنْ ليْلى؟ بَلى قَدْ أَنى لِيا فجاء باللغتين جميعاً. وقالوا: آن … (لسان العرب)