ألاَ إنَّ نجدَ المجدِ أبيضُ مَلحوبُ
الشاعر: ابن أبي الحديد · البحر: الطويل
هذه القصيدة من شعر ابن أبي الحديد، من العصر المملوكي، وتقع في 70 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الباء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
ألاَ إنَّ نجدَ المجدِ أبيضُ مَلحوبُ ... وَلكــــنَّهــــُ جَــــمُّ المَهــــالِكِ مَرهوبُ
هُوَ العسلُ المَاذيُّ يَشتارُه امرؤٌ ... بَغاهُ وأطرافُ الرماحِ يَعاسيبُ
ذُقِ الموتَ إن شِئتَ العُلى وَاطعَمِ الردى ... فَنيلُ الأَمَاني بالمنيَّةِ مَكسوبُ
خُضِ الحتفَ تَأمن خِطةَ الخسفِ إِنَّما ... يبوخُ ضرامُ الخطب والخطبُ مشبوبُ
ألَم تخبرِ الأخبارَ في فتحِ خَيبرٍ ... فَفيها لِذي اللبِّ الملبِّ أَعاجيبُ
وَفَوزُ عليٍّ بالعُلى فوزُها بِهِ ... فكلٌّ إلى كلٍّ مُضافٌ ومَنسوبُ
حُصونٌ حَصان الفرج حَيثُ تبرّجت ... وَمَا كلّ ممتطّ الجزَارة مَركوبُ
يناط عليها لِلنُّجومِ قَلائدٌ ... ويَسفلُ عَنها لِلغمامِ أهاضيبُ
وتنهلُّ للجرباء فيها وَلم تصِب ... رذاذاً على شمّ الجبالِ أساكيبُ
وكَم كسَّرت جَيشاً لِكِسرى وقصّرت ... يَدَي قيصرٍ تِلك القِنانُ الشَّناخيبُ
وكَم مِن عَميدٍ بَات وهوَ عَميدُها ... ومن حَرِب أضحى بِها وهوَ محروبُ
وَأَرعـــــن مـــــوَّارٍ ألمَّ بـــــمـــــورِهــــا ... فَلم يغنِ فيها جَرُّ مجرٍ وتكتيبُ
وَلا حَامَ خوفاً لِلعدى ذلكَ الحِمى ... وَلا لاب شَـــــوقـــــاً لِلرَّدى ذلك اللّوبُ
فَللخَطبِ عَنها وَالصروف صَوارفٌ ... كَما كَانَ عَنها للنَّواكبِ تنكيبُ
تَقاصرُ عنها الحادِثاتُ فَللرّدى ... طَــــرائقُ إلا نَــــحوها وأساليبُ
فَلمّا أرادَ اللَّه فضَّ خِتامِها ... وكلُّ عزيزٍ غَالَبَ اللَّه مَغلوبُ
رَماها بِجيش يَملأ الأرضَ فَوقَه ... رِواقٌ مِنَ النَّصرِ الإلهيّ مَضروبُ
يُـــــســـــدّدهُ هــــديٌ مِــــنَ اللَّه وَاضِــــحٌ ... ويُرشِدُه نورٌ مِنَ اللَّه مَحجوبُ
مَغاني الرَّدى فيهِ فأصيَدُ أشوَسٌ ... وَأجــــردُ ذيَّاــــلٌ ومــــقَّاــــءُ سُرحوبُ
وقَضّاءُ زُعف كَالحبابِ قَتيرُها ... وأسمرُ عسَّالٌ وأبيضُ مَخشوبُ
نَهارُ سُيوفٍ في دُجى لَيل عثير ... فَأبيضُ وضَّاحٌ وأسودُ غِربيبُ
عليٌّ أميرُ المؤمنينَ زعيمهُ ... وَقائدُه نَسرُ المفازةِ والذِّيبُ
فَصبّ عَليها مِنه سَوطَ بَليةٍ ... عَلى كلِّ مَصبوبِ الإساءة مَصبوبُ
فغادَرها بَعد الأنيسِ وللصَّدى ... بأرجائها ترجيعُ لحنٍ وتَطريبُ
يَنوحُ عَليها نوحَ هَارونَ يُوشعٌ ... ويَذرِي عَليها دَمعَ يُوسف يَعقوبُ
بِها مِن زَمَاجيرِ الرّجالِ صَواعِقٌ ... ومِن صَوبِ آذيِّ الدِّماء شآبيبُ
فكَم خَرَّ مِنها لِلبوارقِ مبرقٌ ... وكم ذلَّ فيها للقنا السّلب مَسلوبُ
وكَم أصحبَ الصَّعبُ الحرونُ بأَرضها ... وكَم باتَ فِيها صاحبٌ وهوَ مَصحوبُ
وَكَم عاصِبٍ بالعصبِ هامته ضُحى ... ولم يُمسِ إِلا وهو بالعصبِ مَعصوبُ
لَقد كانَ فيها عِبرةٌ لمجرّب ... وإن شابَ ضرّاً بالمنافعِ تجريبُ
وما أنسَ لا أنسَ اللّذين تقدَّما ... وفرَّهُما والفرُّ قد عَلما حُوبُ
ولِلرايةِ العُظمى وَقد ذَهبا بِها ... مَــــلابس ذُلّ فَوقَها وجَلابيبُ
يَشلُّهما مِن آلِ مُوسى شَمَردَلٌ ... طَويلُ نِجادٍ أجيدُ يَعبوبُ
يَمجّ مَنوناً سَيفُهُ وسِنانُهُ ... ويَلهَبُ ناراً غِمدُهُ والأنابِيبُ
أحَضرُهُما أم حَضرُ أَخرَجَ خاضِبٍ ... وَذانِ هُما أم ناعِمُ الخدِّ مَخضُوبُ
عَذَرتُكما إنَّ الحِمامَ لمبغَضٌ ... وإِنَّ بَقاءَ النَّفسِ للنَّفسِ محبُوبُ
ليكرهُ طَعمُ الموتِ والموتُ طالبٌ ... فَكيفَ يَلذُّ الموتُ والموتُ مطلوبُ
دَعا قَصبَ العَليَاءِ يَملِكُها امرؤٌ ... بغيرِ أفَاعيلِ الدناءةِ مقضُوبُ
يَرى أنَّ طُولَ الحَرب والبُؤسِ راحَةٌ ... وأَنّ دَوامَ السِّلم والخَفضِ تَعذيبُ
فلِلَّهِ عينا مَن رآهُ مُبارِزاً ... وَللحَربِ كأسٌ بالمنيّةِ مَقطوبُ
جَوادٌ عَلا ظَهر الجوادِ وأَخشَبٌ ... تَزَلزَل مِنهُ في النزالِ الأخاشِيبُ
وأبيَضُ مَشطُوبُ الفرند مُقَلَّدٌ ... به أبيَضٌ ماضي العَزيمةِ مَشطُوبُ
أجدَّكَ هَل تَحيا بمَوتِكَ إنَّني ... أرى الموتَ خَطباً وهو عندك مَخطوبُ
دِماءُ أَعاديكَ المدامُ وغَابةُ الر ... رِمــــاحِ ظِــــلالٌ والنِّصــــالُ أكاويبُ
تَجلّى لكَ الجبَّارُ في مَلَكُوتهِ ... ولِلحَتفِ تَصعيدٌ إليكَ وتَصويبُ
وللشَّمسِ عَينٌ عن عُلاكَ كَليلةٌ ... وَللدَّهرِ قَلبٌ خافِقٌ منكَ مرعوبُ
فَعايَنَ ما لولا العَيَانُ وَعلمُه ... لَما ارتاب شكّاً أَنهُ فيكَ مَكذوبُ
وَشَاهَدَ مَرأىً جَلّ عَن أَن يَحدَّهُ ... مِنَ القَومِ نَظمٌ في الصَحائفِ مَكتوبُ
وأَصلتَ فِيها مرحبُ القوم مِقضباً ... جرازاً بِه حَبلُ الأمانيِّ مَقضوبُ
وقَد غَصَّتِ الأرضُ الفضاءُ بخيله ... وضُرِّجَ مِنها بِالدماءِ الظَّنابيبُ
يَعاقيبُ رَكضٍ في الرّبُودِ سَوابحٌ ... يُماثِلُها لولا الوُكونُ اليعَاقيبُ
فَأشرَبهُ كأسَ المنيّة أحوَسٌ ... مِــــنَ الدّم طــــعِّيــــمٌ وللدّم شــــرّيــــبُ
إذا رامه المقدارُ أو رام عكسَهُ ... فَلِلقُربِ تَبعيدٌ ولِلبُعدِ تقريبُ
فَلم أرَ دَهراً يَقتُلُ الدّهرَ قَبلَها ... ولا حتفَ عَضبٍ وهوَ بالحتفِ مَعضُوبُ
حَنانيكَ فَازَ العُربُ مِنكَ بسؤدَدٍ ... تَقاصَرَ عنهُ الفُرسُ والرُّومُ والنوبُ
فما ماسَ مُوسى في رداءٍ منَ العُلى ... وَلا آب ذِكــــراً بَــــعــــدَ ذِكــــرِك أَيُّوبُ
أرى لَكَ مَجداً ليسَ يُجلَب حَمدُهُ ... بمدحٍ وَكلّ الحمدِ بالمدحِ مجلوبُ
وَفَضلاً جَليلاً إن ونى فَضلُ فاضلٍ ... تعاقبَ إدلاجٌ عَليه وتأويبُ
لِذاتِــــكَ تَقديسٌ لِرَمسِكَ طُهرَةٌ ... لِوَجهِكَ تعظيمٌ لمجدِكَ تَرجيبُ
تقيلتَ أفعالَ الرُّبوبيَّةِ التي ... عذرتُ بها من شكّ أنَّكَ مَربوبُ
وَقَد قِيلَ في عيسى نَظيركَ مثلَه ... فخسرٌ لمن عادى عُلاك وَتَتبيبُ
عَلَيكَ سَلامُ اللَّه يا خَيرَ من مَشى ... به بَازلٌ عَبر المَهامهِ خُرعُوبُ
ويا خيرَ من يُغشى لدفعِ ملمّةٍ ... فيأمنُ مرعوبٌ ويترفُ قُرضوبُ
ويَا ثاوياً حَصباءُ مَثواهُ جوهَرٌ ... وَعــــيدانُه عُودٌ وتُربَتُه طيبُ
تكُوسُ به غرُّ الملائكِ رفعَةً ... ويَكبرُ قدراً أن تكوسَ به النّيبُ
يَجلُّ ثَراهُ أن يضرِّجه الدّمُ ال ... مُراقُ وَتَغشاهُ الشوى والعَراقيبُ
وَيا عِلّة الدُّنيا وَمَن بَدو خَلقها ... له وَسَيتلو البدو في الحشر تَعقيبُ
وَيا ذا المَعالي الغُرّ والبَعضُ مُحسَب ... دَليلٌ على كُلٍّ فما الكُلُّ محسُوبُ
ظَنَنتُ مَديحي في سِواكَ هِجاءه ... وَخِلتُ مَديحي أنه فيكَ تَشبيبُ
وقال لهُ الرَّحمنُ ما قالَ يوسُفٌ ... عَداكَ بِما قدَّمتَ لومٌ وتثريبُ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الباء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- الحتف: حتف: الحَتْفُ: الْمَوْتُ، وَجَمْعُهُ حُتُوفٌ؛ قَالَ حَنَشُ بْنُ مَالِكٍ: فَنَفْسَك أَحْرِزْ، فإنَّ الحُتُوفَ ... يَنْبَأْنَ بالمَرْءِ فِي كلِّ وَادِ وَلَا يُبْنى مِنْهُ فِعْل. وَقَوْلُ الْعَرَبِ: مَاتَ فُلَانٌ حَتْفَ أَن … (لسان العرب)
- الخسف: خسف: الخسف: سُؤُوخُ الأَرض بِمَا عَلَيْهَا. خَسَفَتْ تَخْسِفُ خَسْفاً وخُسُوفاً وانْخَسَفَتْ وخَسَفَها اللَّهُ وخَسَفَ اللَّهُ بِهِ الأَرضَ خَسْفاً أَي غابَ بِهِ فِيهَا؛ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدا … (لسان العرب)
- العسل: عسل: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى؛ العَسَلُ فِي الدُّنْيَا هُوَ لُعاب النَّحْل وَقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِلُطْفِهِ شِفاءً لِلنَّاسِ، وَالْعَرَبُ تُذَكِّر العَسَل وتُؤنِّثه، وَتَذْك … (لسان العرب)
- الفرج: فرج: الفَرْجُ: الخَلَلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، وَالْجَمْعُ فُرُوجٌ، لَا يكسَّر عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ؛ قَالَ أَبو ذُؤَيْبٍ يَصِفُ الثَّوْرَ: فانْصاعَ مِنْ فَزَعٍ، وسَدَّ فُرُوجَهُ، ... غُبْرٌ ضَوارٍ، وافِيانِ وأَجْدَعُ فُروج … (لسان العرب)
- الماذي: أذي: الأَذَى: كُلُّ مَا تأَذَّيْتَ بِهِ. آذَاه يُؤذِيه أَذىً وأَذَاةً وأَذِيَّةً وتَأَذَّيْت بِهِ. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: صَوَابُهُ آذَانِي إيذَاءً، فأَما أَذىً فَمَصْدَرُ أَذِيَ أَذىً، وَكَذَلِكَ أَذَاة وأَذِيَّة. يُقَال … (لسان العرب)
- المهالك: هلك: الهَلْكُ: الْهَلَاكُ. قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: يُقَالُ الهَلْك والهُلْكُ أو المُلْكُ والمَلْكُ؛ هَلَكَ يَهْلِكُ هُلْكاً وهَلْكاً وهَلاكاً: مَاتَ. ابْنُ جِنِّي: وَمِنَ الشَّاذِّ قِرَاءَةُ مَنْ قرأَ: ويَهْلَكُ الحَرْثُ وا … (لسان العرب)
- بغاه: بغا: بَغَى الشيءَ بَغْواً: نَظَر إِلَيْهِ كَيْفَ هُوَ. والبَغْوُ: مَا يَخْرُجُ مِنْ زَهْرةِ القَتادِ الأَعْظَمِ الْحِجَازِيِّ، وَكَذَلِكَ مَا يَخْرُجُ مِنْ زَهْرَة العُرْفُط والسَّلَم. والبَغْوَةُ: الطَّلْعة حِينَ تَنْشَ … (لسان العرب)