لِمــن ظــعـنٌ بَـيـنَ الغَـمـيـم وَحَـاجـر
الشاعر: ابن أبي الحديد · البحر: الطويل
هذه القصيدة من شعر ابن أبي الحديد، من العصر المملوكي، وتقع في 64 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الراء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
لِمــن ظــعـنٌ بَـيـنَ الغَـمـيـم وَحَـاجـر — بَـزَغـنَ شُـمـوسـاً فـي ظـلام الديَّاـجِر
شـبـيـهـات بـيـضـات النـعـام يـقلُّها — مـن العـيس أشباه النعام النوافِر
ومـن دونِ ذاكَ الخـدرِ ظَـبـيـةُ قـايضِ — تُــريـق دِمـاء المـشـبـلات الخـوادِر
تَــنــوءُ بــأعــبــاءِ الحــليِّ وإِنّهــا — لتَـضـعـف عَـن لَمـحِ العُـيونِ النَّواظِر
إذا اعتَجَرت قاني الشُّفوفِ فَيا لَها — تـبـارِيـحُ وَجـدٍ فـي قُـلوبِ المـغـافِرِ
تَـمـيـلُ كَـمـا مَـالَ النَّزِيـفُ وتَـنثني — تَــثــنـيَ مَـنـصـورِ الكـتـيـبَـةِ ظـافِـر
لهـا مَـحـضُ وُدّي فـي الهـوى وَتَـحنُّني — وخــالصُ إضــمــاري وصــفــوُ سَــرائِري
فَــيــا رَبِّ بَــغِّضــهـا إلى كـل عَـاشِـقٍ — ســوَايَ وقــبِّحــهــا إلى كــل نَــاظِــرِ
وبَـغِّضـ إليها النَّاسَ غَيري كَما أرى — قَــبــيـحـاً سـواهـا كـلَّ بَـادٍ وَحـاضـر
فـيـا جَـنَّةـ فِـيـها العَذابُ وَلم أخَف — حُـلُولَ عـذابٍ فـي الجـنـانِ النَّواضِـر
يـعـاقَـبُ فـي حُـسـبـانِهـا غَـيـرُ مُشركٍ — ويُـحـرمُ مـن نـعـمـائِهـا غَـيـرُ كـافِر
عـلمـتـك لا قـرب الدِّيـار بـنـافـعي — لديــكَ ولا بُــعـدُ الديـارِ بِـضـائِري
ومَـا قُـربُ أوطـانٍ بـهـا مُـتَباعِدُ ال — مَــوَدَّةِ إلا مــثــلُ قُــربِ المــقـابِـرِ
حــلَفــت بـربِّ القـعـضـبـيَّةـ والقـنـا — المـثـقَّفـِ والبـيضِ الرّقاقِ البواتِر
وبـالسَّاـبـحَـاتِ السَّاـبِـقـات كـأنـهـا — مـن النَّاـشـراتِ الفـارِقاتِ الأَعاصِر
وعُـــوجٍ مُـــرنَّاـــتٍ وصـــفـــرٍ صـــوائب — وفُـــلكٍ بـــآذيِّ العُـــبـــابِ مَــواخِــر
لَقـــد فَـــازَ عَـــبـــدٌ للوَصــيِّ ولاؤه — وَلو شَــابَه بِـالمـوبـقـاتِ الكَـبـائِر
وَخـــابَ مُـــعــادِيــه ولَو حَــلَّقــت بِه — قَـوادِمُ فَـتـخـاءِ الجـنـاحَـيـنِ كـاسِـر
هُـوَ النَّبـأ المكنونُ والجوهَر الذي — تَــجــسَّدَ مِــن نُـورٍ مِـنَ القـدس زاهِـر
وذُو المـعـجـزَاتِ الواضِـحـاتِ أقـلُّها — الظـهـورُ عـلى مُـسـتـودعات السَّرائِر
ووَارِثُ عــلمِ المُــصــطــفـى وشَـقـيـقُه — أخـاً ونَـظـيـراً في العلي والأواصِر
ألا إنَّمــا الإسـلامُ لَولا حُـسَـامـهُ — كــعــفــطــةِ عَـنـزٍ أو قـلامـةِ حَـافِـر
ألا إنَّمــا التَـوحـيـدُ لولا عُـلومُه — كــعُــرضــةِ ضِــلّيــلٍ وَنــهــبــة كـافِـر
ألا إنَّمــا الأَقــدارُ طـوع يَـمـيـنِهِ — فَــبــوركَ مــن وتــرٍ مُــطــاع وقــادِر
فَــلو ركَــضَ الصُّمـّ الجـلامِـدَ واطِـئاً — لفــجَّرَهــا بــالمــتــرَعـاتِ الزَّواخِـر
ولَو رَامَ كَـسـفَ الشَّمـسِ كـوّرَ نـورَهـا — وعَــطَّلــَ مِــن أفــلاكــهــا كــلَّ دَائِر
هُـوَ الآيـةُ العُظمى ومُستنبِطُ الهدى — وَحــيــرةُ أربـابِ النُّهـى والبَـصَـائِر
رَمــى اللَّه مـنـهُ يـوم بَـدرٍ خُـصـومَه — بِـــذي فُـــذذٍ فــي آلِ بــدرٍ مُــبــادِر
وَقـد جـاشَتِ الأرضُ العريضةُ بالقَنا — فَــلم يُــلفَ إلا ضــامـرٌ فـوقَ ضَـامِـر
فَــلو نَــتَـجَـت أمُّ السَّمـاء صَـواعِـقـاً — لمــا شَــجَّ مـنـهـا سـارِحٌ رأسَ حـاسِـر
فَـكـانَ وكَـانُـوا كالقُطاميّ نَاهَضَ ال — بُــغَــاثَ فَـصـرَّى شِـلوَهُ فـي الأَظـافِـر
سـرى نَـحـوهـم رِسـلاً فـسَارَت قُلوبُهم — مِـنَ الخَـوفِ وخداً نحوَه في الحناجِر
كــانَّ ضُــبَــاتِ المـشـرَفـيَّةـ مـن كـرى — فَـمـا يَـبـتَـغـي إلا مَـقـرَّ المَـحـاجِر
فَـلا تَـحـسَـبَـنَّ الرَّعـدَ رِجـس غَـمـامَـةٍ — ولكــنَّهــ مِــن بَــعـض تِـلكَ الزمـاجِـر
ولا تــحــسـبـنَّ البَـرقَ نَـاراً فـإنـه — وَمِـيـضٌ أتـى مِـن ذِي الفِـقـار بفاقِر
وَلا تَـحـسـبـنَّ المـزنَ تَهـمـي فـإنَّها — أنــامِــلهُ تَهــمــي بــأوطــفَ هــامِــر
تَــعــالَيــتَ عَـن مَـدحٍ فـأبـلَغُ خـاطـب — بِـمـدحِـكَ بَـيـنَ النـاسِ أَقـصـرُ قـاصِـر
صِــفــاتُــكَ أســمــاءٌ وَذاتُــكَ جَــوهَــرٌ — بَـريـء المَـعـالِي مِن صِفاتِ الجَواهِر
يـجـلُّ عَـنِ الأعـراضِ والأينِ والمتى — ويَـكـبـرُ عَـن تَـشـبـيـهـهِ بـالعَـنَـاصِر
إذا طَـافَ قَـومٌ في المَشاعِرِ والصَّفا — فَــقــبـرُكَ رُكـنـي طَـائِفـاً وَمـشـاعِـري
وإن ذَخِــرَ الأقــوامُ نُــســكَ عِـبـادة — فـــحـــبُّكــَ أَوفــى عُــدَّتــي وذَخــائِري
وإن صَـامَ نـاسٌ فـي الهـواجِـرِ حِـسبَةً — فَـمـدحُـكَ أَسـنـى مِـن صِـيـامِ الهَواجِر
وأعــلَمُ أنَّيــ إِن أطَــعــتُ غِــوايَـتـي — فـحـبُّكـَ أُنـسـي فـي بُـطُـونِ الحَـفـائِر
وإن أكُ فــيــمــا جِــئتـهُ شـرَّ مـذنـبٍ — فَـربُّكـَ يـا خَـيـرَ الوَرى خَـيـرُ غـافِر
فَـواللَّه لا أقـلَعـتُ عـن لهو صَبوَتي — ولا سـمـعَ اللاحُـونَ يَـومـاً مـعاذِري
إِذا كُنت للنِّيرانِ في الحَشر قاسماً — أطـعـت الهَـوى والغـيَّ غـيـرَ مُـحـاذِر
نَـصَـرتـكَ فـي الدُّنـيـا بِما أَستَطيعه — فَـكُـن شَـافِـعـي يَـومَ المعادِ ونَاصِري
فَـلَيـتَ تُـرابـاً حـال دُونَـكَ لم يَـحـل — وَســاتِــرَ وَجــهٍ مِــنــكَ لَيـسَ بِـسـاتِـر
لتـنـظـرَ مـا لاقى الحسينُ وَما جَنَت — عَـلَيـه العِـدَى مِـن مُفظِعاتِ الجَرائِر
مِـنِ ابـنِ زيادٍ وابنِ هندٍ وإمرة اب — نِ سـعـدٍ وأبـنـاء الإمـاءِ العَـواهِر
رَمَــوهُ بِــيَــحــمُــومٍ أديــمٍ غُــطـامـطٍ — تُـعـيـدُ الحَـصى رَفغاً بِوقع الحَوافِر
لهــامٌ فــلا فَـرع النُّجـومِ بِـمـسـبَـلٍ — عَــلَيــهِ ولا وَجــهُ الصَّبـاحِ بِـسـافِـر
فَــيــا لَكَ مَـقـتـولاً تَهـدَّمـت العـلى — وثــلَّت بِهِ أركــانُ عــرشِ المَــفـاخِـر
ويـا حَـسـرَتـا إذ لَم أكُن في أوائِل — منَ النَّاسِ يتلى فضلُهُم في الأواخِر
فَـأنـصـرَ قَـومـاً إن يـكن فاتَ نَصرُهم — لَدى الرَّوع خـطَّاـري فَما فَاتَ خَاطِري
عَـجِـبـتُ لأطـوَادِ الأخـاشِـيبِ لَم تمد — ولا أَصـبَـحـتَ غـوراً مِـيـاهُ الكوَافِر
وَلِلشَّمـس لم تُـكـسَـف وللبَدرِ لم يَحل — وللشُّهــبِ لم تَــقــذف بــأشـأمِ طـائِر
أمـا كـانَ فـي رزء ابـن فاطم مقتض — هُـــبـــوط رواسٍ أو كُـــســـوف زواهِــر
ولكـــنـــمــا غَــدرُ النُّفــوس سَــجــيَّةٌ — لَهــا وَعــزيــزٌ صَــاحــبٌ غــيـر غـادِر
بني الوحي هل أَبقى الكتابُ لناظِمٍ — مَــقــالَةَ مَــدحٍ فــيــكــمُ أو لنـاثِـر
إذا كـانَ مَـولى الشَّاـعِـريـن وَرَبُّهـم — لَكـم بـانـيـاً مَـجـداً فَما قَدرُ شاعِر
فَــأُقــسِــمُ لَولا أنَّكـُم سُـبـلُ الهُـدى — لضـلَّ الوَرى عَـن لاحـبِ النَّهـجِ ظاهِر
ولَو لَم تَكُونوا في البَسيطَةِ زلزلت — وأُخــربَ مــن أرجــائِهــا كــل عـامِـر
ســأمــنَــحُــكُــم مــنــي مَــودة وامــقٍ — يَـغـضُّ قـلى عـن غـيـركـم طَـرف هـاجِـر
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الراء — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- الخدر: خدر: الخِدْرُ: سِتْرٌ يُمَدُّ لِلْجَارِيَةِ فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ ثُمَّ صَارَ كلُّ مَا وَارَاكَ مِنْ بَيْتِ وَنَحْوِهِ خِدْراً.، وَالْجَمْعُ خُدُورٌ وأَخْدارٌ، وأَخادِيرُ جَمْعُ الْجَمْعِ؛ وأَنشد: حَتَّى تَغَامَزَ رَبّ …
- الغميم: الغَمِيمُ : لبن يُسَخَّنُ حتى يَغْلُظ.-: النباتُ الأخضر تحت اليابس.