يَــا رَسـمُ لا رَسَـمـتـكَ ريـح زَعـزَع

الشاعر: ابن أبي الحديد · البحر: الكامل

هذه القصيدة من شعر ابن أبي الحديد، من العصر المملوكي، وتقع في 80 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف العين.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

يَــا رَسـمُ لا رَسَـمـتـكَ ريـح زَعـزَع — وَســرَت بــليــل فـي عـراصـكَ خـروعُ

لم أُلفِ صـدري مـن فـؤادي بـلقعا — إلا وأنــتَ مــنَ الأحــبَّةــِ بـلقَـعُ

جارى الغمام مدامِعي بكَ فَانثنت — جـون السـحـائبِ فـهـيَ حَـسـرى ظـلَّعُ

لا يَـمـحُكَ الهتنُ المُلِثُّ فقد مَحا — صَـبـري دُثـوركَ مُـذ مَـحـتكَ الأدمعُ

مـا تـمَّ يـومُـك وهـو أسـعـدُ أيـمنٌ — حــتــى تـبـدَّل فـهـو أنـكـدُ أشـنـعُ

شـروَى الزَّمـان يـضـيـء صُـبحٌ مُسفرٌ — فــيــه فَــيــشــفــعـهُ ظـلام أسـفـعُ

للَّه درُّك والضـــلالُ يـــقـــودنـــي — بـيـدِ الهوى فأنا الحرون فأتبعُ

يـقـتـادنـي سكرُ الصبابةِ والصبا — ويـصـيـحُ بـي داعي الغرام فأسمعُ

دَهـراً تـقـوَّضَ رَاحـلاً مـا عـيب من — عُـــقـــبــاهُ إلا أنــه لا يَــرجــعُ

يَــا أيـهـا الوادي أجـلُّكَ واديـاً — وأعــزُّ إلا فــي حــمــاكَ فــأخـضـعُ

وأســوف تُــربَـكَ صـاغـراً وأذلُّ فـي — تـلكَ الرُّبـى وَأنا الجليدُ فأخنعُ

أَسَـفـي عَـلى مـغـنـاكَ إذ هوَ غابةٌ — وعــلى سـبـيـلك وهـي لحـب مـهـيـعُ

أَيَّاـــم أنـــجـــم قـــضــعــبٍ درّيــة — فـي غـيـر أوجـه مـطـلع لا تـطـلعُ

والبيضُ تُوردُ في الوَريدِ فترتوي — والسُّمـر تـشرعُ في الوتين فتشرعُ

والسَّاــبـقـاتُ اللاحِـقـاتُ كـأنَّهـا — العقبان تردى في الشكيم وتمزعُ

والرَّبـع أنـورُ بـالنـسـيـم مُـضـمخٌ — والجــوُّ أزهــر بــالعـبـيـرِ مـردَّعُ

ذاكَ الزّمـانُ هـو الزَّمـانُ كـأنما — قــيـظُ الخـطـوبِ بـهِ رَبـيـعٌ مـمـرِعُ

وكــأنَّمــا هــوَ رَوضــةٌ مــمــطــورةٌ — أو مُــزنَــة فــي عَــارضٍ لاتــقــلعُ

قَـد قُـلتُ للبـرقِ الذي شَـقَّ الدُّجى — فَــكــأنَّ زنــجــيّــاً هُــنــاكَ يـجـدَّعُ

يـا بَـرقُ إن جـئتَ الغـريَّ فقل له — أَتــرَاكَ تَـعـلمُ مـن بـأرضِـك مـودعُ

فـيـكَ ابـن عُـمرَانَ الكليم وَبعدهُ — عــيــســى يُـقـفِّيـهِ وأحـمـدُ يَـتـبـعُ

بَــل فـيـكَ جـبـريـلٌ ومـيـكـالٌ وإس — رافــيـل والمـلأُ المـقـدَّس أجـمـعُ

بَــل فِــيـكَ نُـورُ اللَّه جَـلَّ جَـلالُه — لِذوي البَـصـائر يَـسـتـشـفُّ ويَـلمـعُ

فيكَ الإمامُ المرتَضى فيكَ الوَصي — ي المـجـتبى فيك البطينُ الأنزعُ

الضَّارِبُ الهام المقَنَّع في الوَغى — بـالخـوفِ للبـهـم الكـمـاةِ يُـقـنّعُ

والسَّمـهَـرِيَّةـ تَـسـتـقـيـمُ وَتَـنـحني — فَــكــأنـهـا بـيـنَ الأضـالعِ أضـلعُ

والمترعُ الحوضِ المدَعدعِ حَيثُ لا — وادٍ يــفــيــضُ ولا قــليــبٌ يـتـرعُ

ومـبـدِّدُ الأبـطـال حـيـث تـألَّبـوا — ومـفـرق الأحـزاب حـيـث تَـجـمّـعوا

والحـبـر يَـصـدع بالمواعظ خاشعاً — حـتـى تـكـاد لهـا القـلوب تـصـدَّعُ

حـتـى إذا اسـتـعر الوغى متلظِّياً — شــرب الدمــاء بــغـلَّةٍ لا تُـنـقـعُ

مـتـجـلبـباً ثَوباً من الدّم قَانِياً — يَـعـلوه مـن نَـقـع المـلاحم برقعُ

زُهـدُ المـسيح وفتكةُ الدَّهرِ الذي — أودى بِهِ كــــســــرى وَفـــوَّزَ تُـــبَّعُ

هـذا ضَـمـيـرُ العالم الموجُود عَن — عَــدَمٍ وســرُّ وُجــوده المــســتــودعُ

هـذي الأمـانَـةُ لا يَـقومُ بحملها — خَــلقــاءُ هَــابــطــةٌ وأَطـلسُ أرفَـعُ

تـأبـى الجبالُ الشمُّ عن تَقليدها — وتَــضــجُّ تَــيــهـاءٌ وتـشـفـق بـرقـعُ

هــذا هُــوَ النُّورُ الذي عَــذَبـاتـه — كــانَــت بِــجَــبــهَــةِ آدَمٍ تَــتَـطَـلَّعُ

وَشِهَــابُ مـوسـى حـيـثُ أظـلم ليـله — رَفــعــت لهُ لألاؤه تــتــشــعــشــعُ

يَــا مـن لهُ ردت ذكـاءُ ولم يَـفـز — بِـنـظـيـرهـا مـن قَـبـل إلا يـوشَـعُ

يَـا هـازِم الأحزَابِ لا يثنيهِ عَن — خَـــوضِ الحِـــمــام مــدَجــجٌ ومــدَرَّعُ

يـا قَـالعَ البـابِ الذي عـن هَزَّها — عَـــجَـــزَت أكــفٌّ أربَــعــونَ وأربــعُ

لولا حُــدوثُــك قُــلتُ إِنــك جَـاعـل — الأَرواح فـي الأشـباح والمتنزّعُ

لولا مَـمـاتُـكَ قـلت إنكَ باسطُ ال — أرزاقِ تَـقـدِرُ فـي العـطـا وتـوسِّعُ

مــا العـالَمُ العـلويّ إلا تُـربَـةٌ — فـيـهـا لجـثَّتـِكَ الشـريـفـةِ مـضـجعُ

مَـا الدَّهـرُ إلا عَبدُكَ القِنُّ الذي — بـنـفـوذِ أمـرك فـي البـريَّةِ مولعُ

أنـا فـي مَـديـحكَ أَلكنٌ لا أَهتَدي — وأنـا الخَـطـيـب الهبرزيُّ المصقعُ

أأقــولُ فــيــكَ سُـمَـيـدَعٌ كـلا وَلا — حـاشـا لمـثـلِكَ أن يـقـال سُـمـيدعُ

بَـل أنـتَ فـي يَـوم القيامةِ حَاكمٌ — فــي العــالمـيـنَ وشَـافِـعٌ وَمُـشَـفَّعُ

وَلقــد جَهــلتُ وكـنـتُ أحـذَق عـالمٍ — أغـرَارُ عَـزمِـكَ أم حـسـامُـك أقـطـعُ

وَفـقـدتُ مـعـرفَـتـي فَـلسـتُ بـعـارفٍ — هَـل فَـضـلُ عِـلمِـكَ أم جَـنابُكَ أوسَعُ

لي فــيــكَ مُـعـتـقـدٌ سَـأكـشـفُ سِـرَّهُ — فَـليـصـغِ أربَـابُ النُّهى وليسمعوا

هـيَ نَـفـثـةُ المصدُور يطفئ بَردَها — حَـرُّ الصـبابَةِ فاعذِلوني أو دَعوا

واللَّه لولا حَـيـدَرٌ ما كانَتِ الد — دُنـيـا ولا جَـمـعَ البـريَّةـ مـجـمعُ

مــن أجــله خُــلقَ الزَّمـان وضـوّئت — شُهـــبٌ كـــنــســنَ وَجــنَّ لَيــلٌ أدرعُ

عـلم الغـيـوبِ إليـهِ غـيـر مُدَافع — والصـبـح أبـيـض مُـسـفـر لا يـدفعُ

وإليـهِ فـي يَـوم المـعادِ حِسابنا — وهـو المـلاذ لنـا غـدا والمفزعُ

هـذا اعـتـقـادِي قَـد كـشفتُ غِطاءه — سَــيــضـرُّ مُـعـتـقـداً لهُ أو يَـنـفـعُ

يـا مَـن لهُ فـي أَرض قَـلبـي مَـنزلٌ — نِـعـمَ المـراد الرَّحـب والمستربَعُ

أَهـوَاكَ حـتـى فـي حَـشـاشَـة مُهـجتي — نــارٌ تَــشــبُّ عــلى هَــواكَ وتــلذعُ

وتَـكـادُ نَـفـسـي أَن تَـذوب صَـبـابَةً — خُـلقـاً وطـبـعـاً لا كـمـن يَـتـطـبعُ

ورأيــتُ ديــنَ الإعـتـزَال وإِنـنـي — أهــوَى لأجــلكَ كــلَّ مــن يَــتـشـيَّعُ

وَلقــد عَــلمــتُ بـأنَّهـُ لا بُـدَّ مـن — مـــهـــديِّكـــم وليـــومـــهِ أتـــوَقَّعُ

يَـحـمـيـهِ مِـن جُـنـدِ الإله كـتائبٌ — كــاليــمِّ أقــبــلَ زاخِــراً يَـتـدفَّعُ

فـيـهـا لآل أبـي الحـديـد صَوارم — مَـــشـــهـــورَةٌ ورِمـــاحُ خَـــط شُـــرَّعُ

ورجَــال مَــوتٍ مــقــدِمــونَ كَـأنَّهـم — أُسـدُ العَـريـنِ الرّبـد لا تتكعكعُ

تـلك المـنـى إمَّاـ أغب عَنها فلي — نــفــسٌ تُــنــازِعُــنـي وشَـوقٌ يـنـزعُ

ولَقــد بَــكــيـتُ لقـتـلِ آل مـحـمـد — بــالطــفِّ حــتــى كــل عـضـو مـدمـعُ

عُـقـرت بـنـات الأعـوجـية هل درت — مـا يُـسـتـبـاح بـهـا ومـاذا يصنعُ

وحَــريــمُ آل مُـحـمـد بَـيـنَ العـدا — نَهــبٌ تَــقــاسَــمــهُ اللئام الرُّضَّعُ

تـلك الضـغائن كالإماء متى تسق — يــعـنـف بـهـن وبـالسـيـاط تـقـنّـعُ

مـن فـوق أقـطـاب الجـمـال يشلُّها — لكــع عــلى حــنــق وعــبــدٌ أكــوعُ

مـثـل السـبـايـا بـل أذل يشق من — هـنَّ الخـمـار ويـسـتـبـاح البـرقعُ

فــمــصــفَّدٌ فـي قَـيـده لا يُـفـتـدى — وكــريــمــة تــســبـى وقـرط يُـنـزعُ

تـاللَّه لا أنـسـى الحـسين وشلوه — تـحـت السـنـابـك بـالعـراء مـوزعُ

مُـتـلفـعـاً حُـمـرَ الثـيـاب وفي غدٍ — بــالخــضــر مــن فِـردوسـه يَـتـلفَّعُ

تَـطـأ السـنـابـك صـدره وَجـبـيـنـه — والأرض تــرجـف خـيـفـةً وتـضـعـضـعُ

والشـمـس نـاشِـرة الذوائب ثـاكـل — والدهــر مــشـقـوق الرداء مـقـنَّعُ

لَهـفـي عَلى تِلكَ الدِّماء تراقُ في — أيـــدي أُمَـــيَّةــَ عــنــوة وَتــضــيَّعُ

بــأبـي أَبـو العـبَّاـسِ أحـمـدَ إنَّه — خَـيـرُ الورى مـن أن يُـطـلَّ ويُـمنعُ

فَهـوَ الوليُّ لِثـارِهـا وهُـوَ الحمو — ل لِعــبــئهــا إذ كـلّ عَـودٌ يَـظـلعُ

الدَّهــرُ طَــوعٌ والشــبــيـبـةُ غَـضـةٌ — وَالســيــفُ عَـضـب وَالفـؤاد مـشـيّـعُ

البحر والقافية

القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.

تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.

القافية: رويّها حرف العين — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • الحرون: الحَرُونُ : ـ من الدوابّ: التي امتنعت عن السير؛ خرج من السباق فَرَسٌ حَرُونٌ ج حُرُنٌ.
  • الملث: ملث: المَلْثُ: أَن يَعِدَ الرجلُ الرجلَ عِدَةً لَا يُرِيدُ أَن يَفِيَ بِهَا. ابْنُ سِيدَهْ: مَلَثَه يَمْلُثه مَلْثاً: وَعَدَهُ عِدَةً كأَنه يَرُدُّهُ عَنْهَا، وَلَيْسَ يَنوي لَهُ وَفَاءً. ومَلَثَهُ بِكَلَامٍ: طَيَّبَ بِه …
  • الهتن: هتن: هَتَنَتِ السَّمَاءُ تَهْتِنُ هَتْناً وَهُتُونًا وهَتناناً وتَهْتاناً وتَهاتَنَتْ: صَبَّتْ، وَقِيلَ: هُوَ مِنَ الْمَطَرِ فَوْقَ الهَطْلِ، وَقِيلَ: الهَتَنان الْمَطَرُ الضَّعِيفُ الدَّائِمُ. وَمَطَرٌ هَتُون: هَطُولٌ. …
  • بلقع: بلقع: مَكَانٌ بَلْقَعٌ: خالٍ، وَكَذَلِكَ الأُنثى، وَقَدْ وُصِفَ بِهِ الْجَمْعُ فَقِيلَ دِيارٌ بَلْقَع؛ قَالَ جَرِيرٌ: حَيُّوا المَنازِلَ واسأَلُوا أَطْلالَها: ... هَلْ يَرْجِعُ الخَبَرَ الدِّيارُ البَلْقَعُ؟ كأَنه وَضَعَ …
  • تبدل: تَبَدَّلَ يَتَبَدَّلُ تَبَدُّلا : تغيّر وتحوّل؛ وتبدلت أحواله بعد أَن عمل بدأُبٍ وجِدًّ.- الشيءَ بالشيءِ: أخذه بدله وَمْنَ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ.
  • جون: جون: الجَوْنُ: الأَسْوَدُ اليَحْمُوميُّ، والأُنثى جَوْنة. ابْنُ سِيدَهْ: الجَوْنُ الأَسْوَدُ المُشْرَبُ حُمْرَةً، وَقِيلَ: هُوَ النباتُ الَّذِي يَضْرِب إِلَى السَّوَادِ مِنْ شِدَّةِ خُضْرتِه؛ قَالَ جُبَيْهاءُ الأَشجعيّ: …

قصائد ذات صلة

  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة