الصــبــر إلا فــي فِــرَاقِــكَ يــجـمـل
الشاعر: ابن أبي الحديد · البحر: الكامل
هذه القصيدة من شعر ابن أبي الحديد، من العصر المملوكي، وتقع في 64 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف اللام.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
الصــبــر إلا فــي فِــرَاقِــكَ يــجـمـل — والصــعــبُ إلا عــن مــلالكَ يَــسـهـلُ
يــا ظــالمــاً حــكَّمـتـهُ فـي مُهـجَـتـي — حَــتّــامَ فــي شـرع الهَـوى لا تـعـدلُ
أنــفَــقـتُ عُـمـري فـي هَـواكَ تـكـرُّمـاً — وتــضــنُّ بــالنّـزر القـليـل وتَـبـخـلُ
إن تَــرمِ قَــلبــي تَـصـمِ نَـفـسـكَ إِنـهُ — لَكَ مَـــوطِـــن تَــأوي إليــه وَمــنــزلُ
أَتـــظـــنُّ أَنــي بــالإســاءة مُــقــلع — كـيـفَ الدّواء وقـد أصـيـبَ المـقـتـلُ
أعــرض وصُــدَّ وجُــر فَــحــبــك ثــابــت — بــتــنــقــل الأحــوال لا يــتــنــقَّلُ
واللَّه لا أســـلوكَ حـــتــى أنــطــوي — تَـحـتَ التـرابِ ويـحـتَـويني بالجندلُ
تَــتــبــدَّلُ الدُّنــيــا وحُــبُّكــَ ثـابـتٌ — فـي القـلبِ لا يـفـنـى ولا يَـتـبـدَّلُ
مَـن لي بـأهـيـفَ قـد أقـامَ قـيـامتي — خَـــــدٌّ لَهُ قـــــانٍ وطَــــرف أكــــحــــلُ
نشوانَ من خمر الصبا لا يسمع الش — شــكــوى ويــصــغـي للوشـاة فـيـقـبـلُ
مُــــتــــلوِّن مـــتـــغـــيِّر مـــتـــعـــتِّبٌ — مُـــتـــعـــنِّتـــٌ مـــتـــمــنِّعــ مــتــدَلِّلُ
إن قـلتُ مـتُّ مـن الصـبـابَـة قال لي — ظُــلمــاً وأَي صَــبــابــةٍ لا تــقــتــلُ
أو قـلتُ قـد طَـال العـذاب يقول لي — مــا ســوف تـلقـى مِـن عـذابـكَ أطـولُ
قَــســمــاً بـتـرب نِـعـاله فَـمـحـاجِـري — أبَــداً بــغــيــر غــبـاره لا تُـكـحـلُ
وصَــعــيــدُ بَــيــتٍ حَــله فــركــائبــي — تَــســعــى بــه دُونَ البـيـوت وتـرمـلُ
لأخـــــالفـــــنَّ عَــــوَاذِلي لو أنــــهُ — مــمــن يــظــل عــلى هَــواهُ ويَــعــدِلُ
ولأهـتـكَـنَّ عـلى الهـوى سِـتر الحيا — إنَّ الفـضـيـحـةَ فـي المـحـبـةِ أجـمـلُ
يَــصــفــرُّ وجـهـي حـيـن أَنـظـر وجـهـهُ — خَــوفـاً فَـيـدركـه الحـيـاء فـيـخـجـلُ
فـــكـــأنَّمــا بِــخــدُودِه مــن حُــمــرةٍ — ظَــلَّت إليــهــا مــن دَمــي تَــتــحــوَّلُ
هـو مُـلبـسـي حُـللَ الضـنـا ومُـعـلمـي — مــن زلتــي مـا كـنـت مـنـهـا أجـهـلُ
لولاه لم أرد الحــيــاة ولم أقــل — طـلب الثـراء مـن القـنـاعـة أجـمـلُ
مــن أجــله أخـشـى المـمـاتَ وأتـقـي — ولأجـــله أرجُـــو الغـــنـــى وأؤمــلُ
أســتــعـذِبُ التـعـذيـب فـيـه كـأنَّمـا — جُـرَع الحـمـيـم هـي البـرود السلسلُ
لا فَــرَّجَ الرَّحــمــنُ كــربَــةَ عَــاشِــق — طــلب السُّلــوَّ وخــاب فــيـمـا يـسـألُ
لا تُـنـكـروا فَـيـضَ الدُّمـوع فـإنـها — نـفـسـي يُـصـعِّدُهـا الغـرام المـشـعـلُ
هـي مُهـجَـتـي طـوراً تَـحـلل بـالبـكـا — أســفــاً وطــوراً بــالزَّفــيــر تـحـللُ
يـا كـرخُ جـادَ عـليـكَ مـدرارُ الحيا — وســقــى ثـراكَ مـن الرَّواعـدِ مُـسـبـلُ
إن كـان جِـسـمـي عَـنـكَ أصـبـح راحلاً — كــرهــاً فَــقــلبــي قـاطِـنٌ لا يـرحـلُ
مــا رُمــتُ بَـعـدكَ بـالمـدائنِ صـبـوةً — إلا ثــنــى الثــانــي هَــواكَ الأولُ
أنــا عَــاذرٌ إن طُـلَّ بـعـدَ طـلاكَ لي — حُـــبّ دمٌ أو غـــازَلتــنــي المُــغــزِلُ
يــا راكــبــاً تــهــوي بــه شَــدَنـيّـةٌ — حــرفٌ كــمــا تــهــوي حـصـاة مـن عـلُ
هَــوجـاء تَـقـطـعُ جَـوزَ تـيَّاـرِ الفـلا — حــتـى تَـبـوصَ عـلى يَـديـهـا الأرجُـلُ
عُــج بــالغــريّ عــلى ضــريــحٍ حــولَه — نــادٍ لأمــلاكِ الســمــاءِ ومــحــفــلُ
فَـــمـــســـبِّحـــٌ ومـــقـــدسٌ ومـــمـــجــدٌ — ومــــعــــظــــمٌ ومــــكــــبِّر ومـــهـــلِّلُ
والثـم ثـراه المـسـكَ طيباً واستلم — عــيــدانــهُ قُــبــلاً فَهــنَّ المــنــدَلُ
وانـظـر إلى الدَّعـواتِ تـسـعـد عندهُ — وجُــنــود وحــي اللَّه كــيــف تــنــزَّلُ
والنــورُ يــلمــعُ والنــواظِــرُ شــخَّصٌ — واللســــنُ خــــرسٌ والبَـــصـــائر ذُهَّلُ
واغـــضـــض وغُــضَّ فَــثَــمَّ سِــرٌّ أعــجــمٌ — دقَّتـــ مـــعــانــيــهِ وأمــرٌ مــشــكــلُ
وقـلِ السـلامُ عَليكَ يا مَولى الورى — نــصّــاً بــهِ نَـطـقَ الكـتـابُ المـنـزلُ
وَخِــلافَــةً مـا إِن لهـا لو لم تـكُـن — مــنــصــوصـةً عـن جـيـدِ مـجـدك مـعـدلُ
عــجــبــاً لقــومٍ أخـروكَ وكـعـبـكَ ال — عـــالي وخـــدُّ سِــواكَ أضــرَعُ أســفــلُ
إن تــمــسِ مَــحـسـوداً فـسـؤددك الذي — أعــطــيــت مــحــســود المـحـل مـبـجَّلُ
عــضــبٌ تــحــزُّ بــه الرقــاب يــمــدُّه — رأيٌ بـــعـــزمــتِه يــحــزُّ المــفــصِــلُ
وعــلومُ غــيــبٍ لا تــنــال وحــكـمـةٌ — فــصــلٌ وحــكـمٌ فـي القـضـيـة فـيـصـلُ
عَـجـبـاً لهـذي الأرض يـضـمـر تُـربها — أطــواد مــجــدك كــيــفَ لا تـتـزلزلُ
عَـجـبـاً لأمـلاكِ السـمـاءِ يَـفـوتـهـا — نــظــر لوجــهــكَ كــيــف لا تـتـهـيـلُ
يـا أيـهـا النـبـأ العـظـيـم فمهتدٍ — فــــي حــــبـــه وغـــواة قـــوم ضـــلَّلُ
يـا أيُّهـا النـار التـي شـبّ السـنا — مــنــهــا لمــوســى والظــلام مـجـلِّلُ
يــا فــلكَ نــوحٍ حــيـثُ كـلّ بـسـيـطـةٍ — بـــحـــرٌ يــمــور وكــلُّ بــحــرٍ جــدولُ
يـا وارثَ التـوراةِ والإنـجـيل وال — فــرقــان والحـكـم التـي لا تـعـقـلُ
لولاك مــا خــلقَ الزمـانُ ولا دجـى — غِــبَّ ابــتــلاج الفــجــر ليـلٌ أليَـلُ
يـا قـاتِـلَ الأَبـطـالِ مـجـدك للعـدى — مــن غــربِ مــخـذمـكَ المـهـنَّد أقـتـلُ
بــذبــاب ســيــفــكَ قَــرَّ فـارعُ طَـوده — بَــعــدَ التـأوُّد واسـتـقـام الأمـيـلُ
إن كــانَ ديــنُ مـحـمـدٍ فـيـه الهـدى — حَـــقـــاً فــحــبــكَ بَــابُهُ والمــدخــلُ
لولاك أصــبــح ثــلمــة لا تُــتــقــى — أطــرافــهــا ونــقــيــصـةٌ لا تـكـمـلُ
كــم جَــحــفــلٍ لِلجــزءِ مــن أجــزَائهِ — يــومَ النــزالِ يــقــلُّ قـولكَ جـحـفـلُ
أثــوابــهُ الزردُ المـضـاعـفُ نَـسـجـه — لكـــنـــهُ بـــالزَّاغـــبــيــة مــخــمــلُ
يـحـيـي المـنـيـةَ مـنـهُ طـعـنٌ أنـجـلُ — بــــرحٌ مــــحـــاجـــرهُ وضـــربٌ أهـــدلُ
نَهـــنـــهـــتُ ســـورَتــهُ بِــقــلبِ قــلَّبٍ — ثــبــتٍ يُــحــالفــه صَــقــيــلٌ مــصـقـلُ
صــلى عــليــكَ اللَّهُ مــن مــتــسـربـلٍ — قــمــصــاً بــهـنّ سـواكَ لا يَـتـسـربـلُ
وجــزاكَ خــيــراً عــن نَــبــيــك إنــهُ — ألفـــاكَ نـــاصــرَهُ الذي لا يُــخــذلُ
سـمـعـاً أمـيـر المـؤمـنـيـنَ قـصائداً — يَــعــنــو لهــا بِـشـرٌ ويـخـضـع جَـروَلُ
الدُّرُّ مــــن ألفــــاظِهــــا لكــــنــــهُ — دُرٌّ له إبــــنُ الحــــديــــد يـــفـــصِّلُ
هـيَ دونَ مـدح اللَّه فـيـكَ وفـوق مـا — مــدح الورى وعــلاكَ مــنـهـا أكـمـلُ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف اللام — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- المقتل: المُقَتَّلُ : مفعـ.-: المَكْدُودُ بالعملِ المُذَلَّلُ؛ كَأَنَّ جَمَلَكَ مُقَتَّلٌ.-: مَنْ جَرَّبَ الأمورَ وعَرَفَها؛ أحبُّ الأخذَ برأي الرجل المُقَتَّلِ.
- بالجندل: جندل: الجَنْدَل: الحِجَارة، وَمِنْهُ سُمِّيَ الرَّجُلُ. ابْنُ سِيدَهْ: الجَنْدَل مَا يُقِلُّ الرجلُ مِنِ الحِجَارة، وَقِيلَ: هُوَ الحَجَر كُلُّه، الْوَاحِدَةُ جَنْدَلَة؛ قَالَ أُمية الْهُذَلِيُّ: تَمُرُّ كجَنْدَلة المَنْ …
- بالنزر: نزر: النَّزْر: الْقَلِيلُ التافِه. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: النَّزْر والنَّزِير الْقَلِيلُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ؛ نَزُرَ الشَّيْءُ، بِالضَّمِّ، يَنْزُرُ نَزْراً ونَزارة ونُزُورة ونُزْرَة. ونَزَّر عَطَاءَهُ: قَلَّلَهُ. وطَعام مَن …
- بتنقل: تَنَقَّلَ يَتَنَقَّلُ تنَقُّلاً .- من مكان إلى آخر: تحوَّل؛ تنقَّل من القرية إلى المدينة/ تنقَّل في وظائف الدولة/ تنقّل الخبرُ بسرعة، أي شاع/ تنقل فىِ مدارج العرفان، أي تدرَّج إلى العلا.-: أكل النُّقْل، وهو ما يؤكل مع ال …
- ترم: ترم: ابْنُ الأَعرابي: التَّريمُ مِنَ الرِّجَالِ المُلَوَّث بالمَعايب والدَّرَن، قَالَ: والتَّريمُ المُتواضِع لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. والتَّرَمُ: وجَع الخَوْران. وتِرْيَم: مَوْضِعٌ؛ قَالَ النَّمَريُّ: أَتيتُ الزِّبْرِقانَ …