لمــعــت بـروقـهـم عـلى الدهـنـاء
الشاعر: كاظم الأزري · البحر: الكامل
هذه القصيدة من شعر كاظم الأزري، من العصر العثماني، وتقع في 64 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف الهمزة.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
لمــعــت بـروقـهـم عـلى الدهـنـاء — فـانـحـل عـقـد الدمـعـة الحـمراء
عـرب مـتى انتشق العليل عرارهم — كــانــت ريــاحــهــم ريــاح شـفـاء
مـن كـل مـكـحـول اللحـاظ بـاثـمد — يـجـلو غـشـاء الطـخـيـة العـمياء
يـسـتـل مـن جـفـنـيـه أرهـف صـارم — فـخـرت بـه المـوتى على الأحياء
وإذا ذكــرت حــديــث ربـرب ضـارج — لا تـــنـــس ذكــر أهــلة الزوراء
بـلد يـفـور الحـسـن مـن جـنـباته — فــوران غــيــث مــن عـيـون سـمـاء
هــي بــلدة أم جــنــة أم وجــنــة — شــرقـت بـمـاء الدمـيـة الادمـاء
لم أنـس ذكـر الغيد إذ صارمنني — وعــلمــن أن بــقــاءهــن بــقــائي
أيـــام كـــانــت للمــلاح مــوردا — تــنــشــق عــنـه مـصـادر الاهـواء
أيـام مـا كـانـت تفيق من الهوى — حــتــى اســتـدارت دورة الاسـواء
أترى الزمان درى بما أوعى لنا — إن الزمـــان وعـــاء كـــل بـــلاء
ونـفـائس الدنـيـا لأهـل زمـانها — كــالمــاء خــانــتــه فـروج إنـاء
للَه قـــوم كـــلمــا غــلت النــوى — رخــصــت نـفـوسـهـم عـلى الأهـواء
وجـدوا بـمـفـنية الغرام بقاءهم — فـمـشـوا إليـهـا مـشـيـة الغرماء
فهموا إشارات الهوى قبل الهوى — مـا أقـنـع الأكـيـاس بـالإيـمـاء
اشـقـيـتـمـونـي بـعـد إسعادي بكم — والمــرء بــيــن ســعــادة وشـقـاء
نــبـهـتـمـونـي للغـليـل وإن أكـن — عــن لذة الإغــفــاء فــي إغـفـاء
لي فــيــكـم قـلب يـقـلبـه الجـوى — فـــي بـــردتـــيـــن مــودة ووفــاء
ومــحـاجـر نـجـل الجـراح كـأنـهـا — شـرقـت بـوخـز الطـعـنـة النـجلاء
يـا أهـل ودي هـل يـضـيـء زماننا — فـيـعـود فـيـء الدوحـة الخـضـراء
حـي اللويـلات التـي سـلفـت لنـا — مـا بـيـن سـالفـتـي سـنـى وسـنـاء
حـيـث الصبا حالي الأديم كأنما — تــلوى عــليــه ضـفـيـرة الجـوزاء
لا تـنـكـروا دمـع المـحـب فـإنـه — كــرة تــدفــق مــن كــرات المــاء
ودعـوا حـجاب البين فيما بيننا — يـا شـمـس لا تـتـبـرقـعـي بـسـماء
يــا صــاحـبـي تـرفـقـا بـي إنـنـي — كـالريـح قـد عـلقـت بـذيـل هـباء
لا تـطـلبـا مـني الهدواء فإنني — أعــددتــه هــديــا ليــوم لقــائي
ومـتـى دعا داعي الصلاح فإن لي — أذنــا إليــه شــديــدة الاصـفـاء
ضـمـئت لبـارقـة الفـراق مـفارقي — فــليــهــنــهـن اليـوم ري بـكـائي
تـسـقـى بـأدمـعـي الديـار كـأنها — غـــلل تـــبــل بــديــمــة وطــفــاء
يـا بـيـنـهـم كـن كيف شئت فإنما — بــرحــائي الأولى بـهـم بـرحـائي
هـيـهـات تـوقـفـنـي عـلى سلوانهم — سـارت مـطـايـا الحب في الأعضاء
يـا بـعـد أن غـطـى حـجـابـك عنهم — فـالشـوق يـهـتـك سـتـر كـل غـطـاء
أنـا مـن علمت رضعت ثدي وصالهم — وعـلى الولاء طـبـعـت والإيـفـاء
إن عـيـل صـبـري مـن أذاك فـإنما — ذاك الزنــاد كـبـا عـن الإيـراء
كـنـا نـشـاوى اللهو قبل وداعهم — واليــوم طـارت نـشـوة الصـهـبـاء
أتــروم مــنـي اللهـو صـوح عـوده — هـيـهـات أدلي فـي المحال دلائي
يـا مـحـدرا بـالبـيـض دون مزاره — سـيـل البـطـاح بـأنـفـس الأمـراء
لم أطـو كـشـحـا عـن هـواك وإنما — عــلق الفــراق بـأذيـل الرفـقـاء
كـم بـت أرعـى السـائرات كـأنـني — مــنــهـا أراقـب أعـيـن الرقـبـاء
خـانـت بـذمـتـي الخـطوب وهل لها — إلا الكــريــم بــقـيـة الكـرمـاء
المـدرك الأمـد البـعـيـد بـسابق — مــن دون خــطــوتــه بــلوغ ذكــاء
الخــارق النـوب الشـداد بـرأيـه — خــرق الصــبـاح غـلالة الظـلمـاء
شـغـف الصـبـا مـنـه بـأبـلج واضح — ســالت عــليــه غــدائر العـليـاء
يـحـيـي بـراحـتـه السـخـاء وربما — تـؤذي شـحـيـح الطـبـع ريـح سـخاء
القــاتــل الآلاف يــوم كــريـهـة — والواهـــب الآلاف يـــوم عــطــاء
والطـاعـن البـهـم الكماة بنافذ — يـمـضـي مـضاء النار في الحلفاء
قــنــاص حــرب يــعــتــري آسـادهـا — فـيـصـيـدهـا بـالصـعـدة السـمـراء
وأخـو السـجايا المفدقات كأنها — أخـــلاق كـــل مـــلثـــة وطـــفـــاء
ريـحـانـة الأدبـاء بـل يـاقـوتـة — الأمـراء بـل اقـليـدس الحـكـماء
ذو راحـتـين يد على العادي ردى — ويــد جــدى ونـدى عـلى الفـقـراء
وأغــر فــي مــرآة جــوهــر عـلمـه — لاحــت وجــوه غــوامــض الأشـيـاء
يـنـبـوع روحـانـيـة الحـكـم التي — تــنــهــل بــالأنــوار والأنــواء
قــــيــــســـي رأي لا تـــرى آراءه — إلا مــــــلوك رعـــــيـــــة الآراء
عـبـل الجلاد رقيق حاشية الندى — للمــجــد فـيـه مـجـامـع الأهـواء
لم تــنــكــر الأيـام حـدة عـزمـه — فـأتـتـه مـاشـيـة عـلى اسـتـحـياء
يا ابن الذين إذا تعطلت الوغى — كــانــوا حـلي عـواطـل الهـيـجـاء
والمـرتـقـيـن إلى ثـنـيات المنى — بـــســـراة كـــل طـــمـــرة جـــرداء
والسـائقـين إلى الملوك سحائبا — لا تــســتــهـل بـغـيـر مـاء دمـاء
إن شـف وصـفـك عـن ملاحظة النهى — فـالمـاء لا يـبـدو لعين الرائي
وإذا اتـخـذت لك النـوال تـميمة — فــالمــكـرمـات تـمـائم الكـرمـاء
خـفـيت معانيك الحسان عن الورى — والكــيــمــيــاء أحـق بـالإخـفـاء
فــاسـلم ودم فـي عـيـشـة شـرفـيـة — تــنــحــط عــنـهـا هـمـة الشـرفـاء
للســعــد فـي كـلتـا يـديـك أزمـة — ولحــادثــات الدهــر طــوع أمــاء
فـأنـا ابـن ودكـم الطبيعي الذي — كــانــت مــودتــه مــن القــدمــاء
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف الهمزة — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- الادماء: [د م ي]. (مصدر أَدْمَى). 1. "إِدْمَاءُ الجُرْحِ" : سَيَلاَنُ دَمِهِ. 2. "إِدْمَاءُ القَلْبِ بالأحْزَانِ" : اِشْتِدَادُ وَطأَتِهِ بالأحْزَانِ.
- الدهناء: الدَّهْنَاءُ : الفلاةُ؛ للدَّهناء أسْرارها.-: عشبةٌ حمراء يُدْبَغ بهَا.
- الزوراء: الزَّوْرَاءُ : مذ الأزور، المائلة؛ كلمة زوراءُ، أي مائلة عن الحقّ. -: البعيدة؛ فلاةٌ زوراءُ/ أرضٌ زوراءُ/ حفرةٌ زوراءُ، أي بعيدة القعر. -: مدينة بغداد.
- اللحاظ: اللِّحَاظ : مؤخر العين مما يلي الصُّدغ؛ التفت ناظراً إليه بلِحاظه ج لُحُظٌ.
- انتشق: انْتَشقَ يَنْتَشِقُ انْتشَاقاً - الماءَ ونحوه: جذبه بالنَّفَس في أنفه؛ ينتشق المريض هذا الدواء ثلاث مرّات في اليوم.
- باثمد: أَثمَدَ يُثْمِدُ إثْمادًا :- عينَه: كَحَّلها بالإِثْمد. - الماءَ: جعل له مكانًا كالحوض يتجمع فيه.
- بروقهم: البَروقُ : الجبانُ الكثير الارتعاد؛ هو بُروق يرتعد لسماع أيّ صوت عالٍ.