ليــت الكــنـاس تـراجـعـت آرامـهـا
الشاعر: كاظم الأزري · البحر: الكامل
هذه القصيدة من شعر كاظم الأزري، من العصر العثماني، وتقع في 70 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف الميم.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
ليــت الكــنـاس تـراجـعـت آرامـهـا — فــاخــضــرّ واديـهـا وشـفّ وسـامـهـا
مــن لي بــرجــع مــرابــع مــوشـيـة — بـنـيـت بـأقـمـار الوجـود خـيامها
وأظـنـهـا غـابـت كـواكـبـهـا التـي — كـانـت تـضـيـء بـهـا فـشاط ظلامها
عـهـدي بـهـم والدار غـيـر بـعـيدة — ومــسـارح الوادي يـروق بـشـامـهـا
إن أقــفـرت تـلك العِـراص فـربـمـا — رقـصـت بـهـم وهـداتـهـا وأكـامـهـا
بـعـد المـزار وفـرقـت مـا بـيـننا — خـيـفـانـة بـيـد الزمـان زمـامـهـا
مــن آخــذ بــيـد العـليـل تـذيـبـه — لفــحــات وجـدٍ لا يـبـوخ ضـرامـهـا
عـلقـت يـداه مـن الحـسـان بـنـاعم — خـشـن العـريـكـة لا يـرام مرامها
ولقـد سـقـانـي في اليمامة ريمها — مـسـكـيـة الأنـفـاس يـنـفـح جـامها
كــأس تــرقــرقــهـا لنـا يـد شـادن — فــضـحـت بـرقّـة سـالفـيـه مـدامـهـا
راح يـشـعـشـعـهـا النـديـم كـأنـها — زهـر الشـقـائق فـتـحـت أكـمـامـهـا
نـام الزمـان فـقـم لنا يا صاحبي — يـهـنـيـك مـن مـقل الخطوب منامها
أدر الكــؤوس لنــا فـمـا مـن أمـة — للّهـــو إلّا والمـــدام إمــامــهــا
قم فاسقني الاثم التي من شابها — بـمـراشـف المـحـبـوب زال أثـامـها
مــا العــيـش إلا زورة مـن قـهـوة — يــنــســيــك كــل مــلمـة إلمـامـهـا
شـمـطـاء أولدهـا المـزاج فـواقعاً — عـن مـثـل ذوب التـبـر فـضّ ختامها
حـمـراء يـكـنـفـهـا اخـضرار زجاجة — شــبـه السـمـاء تـوقّـدت أجـرامـهـا
وتــديــرهــا ذات السـوار كـأنـهـا — مـن صـورة القـمـر المنير تمامها
يـا جـيـرة العـلمـيـن هل من جيرة — أو ليـس حـقّ ذوي الهـوى اكـرامها
كــم بـت بـعـد نـزوحـكـم فـي ليـلة — هـي ليـلة المـلسـوع ليـس يـنامها
مــن عــاذري فــي وجــنــة مــوشـيـة — كـالقـهـوة الحـمـراء رقّ قـوامـهـا
أيـام كـان مـن الرحـيـق رضـاعـنـا — والكــأس مــرضـعـة يـعـز فـطـامـهـا
هــل تــعــلمــون بـأن وجـدي كـلّمـا — شــابــت نــواصــيـه يـشـب ضـرامـهـا
مــنــعـت طـروقـك يـا ديـار مـحـجـر — سـود المـحـاجـر لا تـطـيش سهامها
مــــن كـــل لدّاغ بـــفـــرع ذؤابـــة — كــالأفــعــوان مــضــيـضـة آلامـهـا
حــيّ تــلثّــم ســالفــاه بــصــبــيــة — بـيـض يـمـاط عـن الحـيـاة لثـامها
لم أنــس مـعـتـرك العـيـون ودونـه — تــنــقـد أفـئدة الكـمـاة ولامـهـا
ووراء ذاك الفـتـك مـن لحـظـاتـهم — حــلبــات عــاديــة يــصـل لجـامـهـا
هــبــوات نــقـع لا يـشـق أهـابـهـا — وعــقــود طـعـن لا يـفـل نـظـامـهـا
للَه مــا بــيــن الكــمــاة مــحـجـب — يــلتــذ للأرواح فــيــه حـمـامـهـا
تــنــدى بـريّ الغـوث مـنـه مـراشـف — نــديّــة يـشـفـي الكـليـم كـلامـهـا
حــيّــتــك يــا ســمـراتِ وادي ضـارج — وطـفـاء لا يـنـفـك عـنـك سـجـامـها
كــم زرت حـيّـك ضـاحـكـاً فـي سـاعـة — لسّــاعــة يــبـكـي بـهـا ضـرغـامـهـا
لم أنـس مـطـلك بـالديـون لعـصـبـة — عــذريّــة كــان الغــريـم غـرامـهـا
فــاظــت نــفــوسـهـم عـليـك خـلاعـة — للَه أدمـــيـــة يــبــاح حــرامــهــا
عــصـب أبـت إلّا الفـنـاء بـحـبـكـم — فـعـليـكـم وعـلى الحـيـاة سـلامها
قـضـي الزمان وما انقضى أرب لهم — غــرّت عــيــون مــعــاشـر أحـلامـهـا
ومـواعـد الدنيا تسير إلى الورى — كــالســحــب إلا أنــهــن جـهـامـهـا
تـعِـد المـنـى صـبـحـاً وتـنقضه ضحىً — وبــمــثــل ذلك تــنـقـضـي أيـامـهـا
كـلّ يـمـيـل بـصـفـحـتـيـه إلى غلنى — حـطـم الورى يـاللرجـال حـطـامـهـا
أمــن المــروءة أن يـذلّ نـضـارهـا — ويــعــزّ رغــمـاً للنـضّـار رغـامـهـا
كـن كـيـف تـهـوى يـا زمـان فـإنما — بـدر الدجـنّـة لم يـشـنـه ظـلامـها
يـا دهـر مـالك فـي السقام واسعد — بـرء اللواتـي لا يـصـح سـقـامـهـا
قـم راجـيـاً مـنـه الشـفـاء فـإنما — يـقـضـي مـهـمـات الأمـور هـمـامـها
ضـخـم الدسـيـعة غير مهزول السطا — هـزلت لديـه مـن الحـروب ضـخـامها
مــلك تــعــانــق ســيــفـه وسـنـانـه — ربـت عـلى عـنـق الزّمـان مـقـامـها
لا يــفــررنّــك ورد غــيـر حـيـاضـه — مـــا كـــل واردة يــبــل أوامــهــا
فـهـنـاك مـن مـاء السـمـاح مـناهل — لو شـارفـتـهـا الهيم زال هيامها
لا تــطــمـع الأمـوال مـنـه بـخـلّة — هـيـهـات أن يـرعـى لديـه ذمـامـها
مــلك مــتــى يــمــمــتــه للبــانــة — ضـربـت بـأوديـة النـجـاح خـيـامها
ومـتـى رمـى جـيـشـاً بـلحـظـة مـغضب — غـضـبـت عـلى شـوس الفـوارس هامها
تــزن البـسـيـطـة راسـيـات حـلومـه — وتــخــف دون عــلومــه أعــلامــهــا
عــلم كــمـلتـطـم العـبـاب وحـكـمـة — حـطـمـت أنـابـيـب القـنـا اقلامها
وشـذاً لو انـتـشـقته أصداء البلى — طـارت بـأجـنـحـة الحـيـاة رمـامها
ســبــقــت بــه هـمـم كـأنّ فـعـالهـا — حـلفـت بـه أن لا يـنـال قـنـامـها
لم تـنـقـض الدنـيـا عـقـود سـياسة — إلا وكــان بــســيــفــه إبــرامـهـا
وإذا تــوالت مــوبــقــات قــطّــبــت — مــنــهــا الوجـوه فـإنّه بـسّـامـهـا
ولذكــره تــهــتــز بـانـات النـقـا — طـربـاً ويـهـتـف بـالثـنـاء حمامها
ويــمــر بــالوادي فـتـرقـص كـثـبـه — وتـــقـــر آنـــســـة بـــه آرامـــهــا
حــســن الخـلال مـتـم كـلّ صـنـيـعـة — وزكــاة كــل صــنــيـعـة إتـمـامـهـا
ســهــل خــلائقــه وفــيــه شــراســة — لم يــرضـهـا أن الزمـان غـلامـهـا
مــن مــعــشــر للَه فــيــهـم نـفـحـة — يـجـلو غـمـوم العـالمـيـن غـمامها
فــئة كــأرواح العــنـاصـر لامـسـت — رمـم الثـرى فـتـحـركـت أجـسـامـهـا
شــرف تــوهــمــت الكــواكــب أنـهـا — تـنـتـاشـه فـكـبـت بـهـا أوهـامـهـا
جــردت آراء مــلكــت بــهـا العـلى — إن الســيــوف نــوافــذ أحـكـامـهـا
ولو أن دائرة الثـــريـــا حــاولت — أدنــى عــلاك لســفّهــت أحــلامـهـا
هـذي المـنـابـر والمحابر والقنا — غـرثـى ومـجـدك قـوتـهـا وجـمـامـها
ونــفــائس الدنــيــا لديــك دنـيـة — ســيّــان عـنـدك مـاسـهـا ورخـامـهـا
وكـذا المـروءة والفـتـوة والحجى — لولا نــهــاك لأعـقـمـت أرحـامـهـا
فــاســلم ودم فــي عـيـشـة مـلكـيـة — يـهـنـي جـمـيـع العـالمـين دوامها
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف الميم — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- العراص: العَرَّاصُ : السحاب ذو البرق والرعـد؛ تفاءَل الناسُ برؤية العرّاص فهو دليل المطر والخيـر.-: الرمحُ اللَّيِّنُ المهزّة أو السيف اللَّدن.
- الكناس: الكِنَاسُ : مَوْلِجٌ في الشجر يأوي إليه الظبي ليستترج كُنُسٌ وأكْنِسَةٌ.
- برجع: رجع: رَجَع يَرْجِع رَجْعاً ورُجُوعاً ورُجْعَى ورُجْعاناً ومَرْجِعاً ومَرْجِعةً: انْصَرَفَ. وَفِي التَّنْزِيلِ: إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى، أَي الرُّجوعَ والمَرجِعَ، مَصْدَرٌ عَلَى فُعْلى؛ وَفِيهِ: إِلَى اللَّهِ مَرْجِع …
- بشامها: البَشَامُ : البَلَسَان وهو شجر عطر الرائحة طيب الطعم يعرف عند الصيادلة بحَبِّ البلسان.
- بناعم: النَّاعِمُ : فا.- من الثّياب: اللَّيِّن؛ ألبست الأمُّ رضيعَها ثوباً قطنيّاً ناعماً.- من العيش: الرّغدُ الطيّبُ؛ عيش ناعمٌ.- من النّبات: المسْتقيم المستوي.
- خشن: خشن: الخَشِنُ والأَخشَنُ: الأَحرشُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ؛ قَالَ: والحجرَ الأَخْشَن والثِّنايه. وَجَمْعُهُ خِشانٌ والأُنثى خَشِنة وخَشْناء؛ أَنشد ابْنُ الأَعرابي يَعْنِي جُلَّة التَّمْرِ: وَقَدْ لَفَّفا خَشْناءَ ليْسَتْ بوَخش …