لَبِئسَت هَدايا القافِلينَ أَتَيتُمُ
الشاعر: الفرزدق · البحر: الطويل
هذه القصيدة من شعر الفرزدق، وتقع في 71 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الراء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
لَبِئسَت هَدايا القافِلينَ أَتَيتُمُ ... بِها أَهلَكُم يا شَرَّ جَيشَينِ عُنصُرا
رَجَعتُم عَلَيهِم بِالهَوانِ فَأَصبَحوا ... عَلى ظَهرِ عُريانِ السَلائِقِ رَدبَرا
وَقَد كانَ شيمَ السَيفُ بَعدَ اِستِلالِهِ ... عَلَيهِم وَناءَ الغَيثُ فيهِم فَأَمطَرا
رَدَدتُم عَلَينا الخَيلَ وَالتُركَ عِندَكُم ... تَحَدّى طِعاناً بِالأَسِنَّةِ أَحمَرا
إِلى مَحِكٍ في الحَربِ يَأبى إِذا اِلتَقَت ... أَسِنَّتُها بِالمَوتِ حَتّى يُخَيَّرا
إِذا عَجَمَتهُ الحَربُ يَوماً أَمَرَّها ... عَلى قُتُرٍ مِنها عَنِ اللينِ أَعسَرا
وَلَمّا رَأى اللَهُ الَّذي قَد صَنَعتُمُ ... وَأَنَّ اِبنَ سَيبُختَ اِعتَدى وَتَجَبَّرا
وَقارَعتُمُ في الحَقِّ مَن كانَ أَهلُهُ ... بِباطِلِ سَيبُختَ الضَلالِ وَذَكَّرا
رَماكُم بِمَيمونِ النَقيبَةِ حازِمٍ ... إِذا لَم يُــــقَم بِالحَقِّ لِلَّهِ نَكَّرا
أَبِيَّ المُنى لَم تَنتَقِض مُرَّةٌ بِهِ ... وَلَكِن إِذا ما أَورَدَ الأَمرَ أَصدَرا
أَخا غَمَراتٍ يَجعَلَ اللَهُ كَعبَهُ ... هُوَ الظَفِرُ الأَعلى إِذا البَأسُ أَصحَرا
مُعانٌ عَلى حَقٍّ وَطالِبُ بَيعَةٍ ... لِأَفضَلِ أَحياءَ العَشيرَةِ مَعشَرا
لِآلِ أَبي العاصي تُراثُ مَشورَةٍ ... لِسُلطانِهِم في الحَقِّ أَلّا يُغَيَّرا
عَجِبتُ لِنَوكى مِن نِزارٍ وَحينِهِم ... رَبيعَةَ وَالأَحزابِ مِمَّنــ تَمَضَّرا
وَمِن حَينِ قَحطاني سَجَستانِ أَصبَحوا ... عَلى سَيِّئٍ مِن دينِهِم قَد تَغَيَّرا
وَهُم مائَتا أَلفٍ وَلا عَقلَ فيهِمِ ... وَلا رَأيَ مِن ذي حيلَةٍ لَو تَفَكَّرا
يَسوقونَ حَوّاكاً لِيَستَفتِحوا بِهِ ... عَلى أَولِياءِ اللَهِ مِمَّنـــ تَخَيَّرا
عَلى عُصبَةٍ عُثمانُ مِنهُم وَمِنهُمُ ... إِمامٌ جَلا عَنّا الظَلامَ فَأَسفَرا
خَليقَةُ مَروانَ الَّذي اِختارَهُ لَنا ... بِعِلمٍ عَلَينا مَن أَماتَ وَأَنشَرا
بِهِ عَمَرَ اللَهُ المَساجِدَ وَاِنتَهى ... عَنِ الناسِ شَيطانُ النِفاقِ فَأَقصَرا
وَلَو زَحَفوا بِاِبنَي شَمامٍ كِلَيهِما ... وَبِالشُمِّ مِن سَلمى إِلى سَروِ حِميَرا
عَلى دينِهِم وَالهِندُ تُزجى فُيولُهُم ... وَبِالرومِ في أَفدانِها رومِ قَيصَرا
إِلى بَيعَةِ اللَهِ الَّذي اِختارَ عَبدَهُ ... لَها اِبنَ أَبي العاصي الإِمامَ المُؤَمَّرا
لَفَضَّ الَّذي أَعطى النُبُوَّةَ كَيدَهُم ... بِأَكيَدَ مِمّا كايَدوهُ وَأَقدَروا
أَتاني بِذي بَهدى أَحاديثُ راكِبٍ ... بِها ضاقَ مِنها صَدرُهُ حينَ خَبَّرا
وَقائِعُ لِلحَجّاجِ تَرمي نِساؤُها ... بِأَولادِ ما قَد كانَ مِنهُنَّ مُضمَرا
فَقُلتُ فِدىً أُمّي لَهُ حينَ صاوَلَت ... بِهِ الحَربُ نابَي رَأسِها حينَ شَمَّرا
سَقى قائِدَيها السُمَّ حَتّى تَخاذَلوا ... عَلَيها وَأَروى الزاعِبِيَّ المُؤَمَّرا
سَقى اِبنَ رِزامٍ طَعنَةً فَوَّزَت بِهِ ... وَمَحروشَهُم مَأمومَةً فَتَقَطَّرا
وَأَفــــلَتَ رَوّاضُ البِــــغــــالِ وَلَم تَــــدَع ... لَهُ الخَيلِ مِن إِخراجِ زَوجَيهِ مَعشَرا
وَأَفلَتَ دَجّالُ النِفاقِ وَما نَجا ... عَــــطِيَّةُ إِلّا أَنَّهُ كانَ أَمهَرا
مِنَ الضِفدَعِ الجاري عَلى كُلِّ لُجَّةٍ ... خَفيفاً إِذا لاقى الأَواذِيَّ أَبتَرا
وَراحَ الرِياحِيّانِ إِذ شَرَعَ القَنا ... مُــــطَــــيــــرٌ وَبَــــرّادٌ فِراراً عَذَوَّرا
وَلَو لَقِيا الحَجّاجَ في الخَيلِ لاقَيا ... حِسابَ يَهودِيَّينِ مِن أَهلِ كَسكَرا
وَلَو لَقِيَ الخَيلَ اِبنُ سَعدٍ لَقَنَّعوا ... عِمامَتَهُ المَيلاءَ عَضباً مُذَكَّرا
وَلَو قَدَّمَ الخَيلَ اِبنُ موسى أَمامَهُ ... لَماتَ وَلَكِنَّ اِبنَ موسى تَأَخَّرا
رَأى طَبَقاً لا يَنقُضونَ عُهودَهُم ... لَهُم قائِدٌ قُدّامَهُم غَيرُ أَعوَرا
وَهِميانُ لَو لَم يَقطَعَ البَحرَ هارِباً ... أَثارَت عُجاجَن حَولَهُ الخَيلَ عِثيَرا
وَزَهرانُ أَلقى في دُجَيلٍ بِنَفسِهِ ... مُنافِقُها إِذ لَم يَجِد مُتَعَبَّرا
وَما تَرَكَت رَأساً لِبَكرِ بنِ وائِلٍ ... وَلا لِلُكَـــــيـــــزِيَّيــــنَ إِلّا مُــــكَــــوَّرا
وَأَفلَتَ حَوّاكُ اليَمانينَ بَعدَما ... رَأى الخَيلَ تَردي مِن كُميتٍ وَأَشقَرا
وَدِدتُ بِحِنّاباءَ إِذ أَنتَ موكِفٌ ... حِمارَكَ مَحلوقٌ تَسوقُ بِعَفزَرا
تُؤامِرُها في الهِندِ أَن تُلحَقا بِهِم ... وَبِالصينِ صينِ اِستانَ أَو تُركَ بَغبَرا
رَأَيتُ اِبنَ أَيّوبٍ قَدِ اِستَرعَفَت بِهِ ... لَكَ الخَيلُ مِن خَمسينَ أَلفاً وَأَكثَرا
عَلى صاعِدٍ أَو مِثلِهِ مِن رِباطِهِ ... إِذا دارَكَ الرَكضَ المُغيرونَ صَدَّرا
يُبادِرُكَ الخَيلَ الَّتي مِن أَمامِهِ ... لِيَشفِيَ مِنكَ المُؤمِنينَ وَيَثأَرا
مَحارِمَ لِلإِسلامِ كُنتَ اِنتَهَكتَها ... وَمَعصِيَةً كانَت مِنَ القَتلِ أَكبَرا
دَعَوا وَدَعا الحَجّاجُ وَالخَيلُ بَينَها ... مَدى النيلِ في سامي العُجاجَةِ أَكدَرا
إِلى باعِثِ المَوتى لِيُنزِلَ نَصرَهُ ... فَأَنزَلَ لِلحَجّاجِ نَصراً مُؤَزَّرا
مَلائِكَةً مَن يَجعَلِ اللَهُ نَصرَهُم ... لَهُ يَكُ أَعلى في القِتالِ وَأَصبَرا
رَأَوا جِبرِئيلَ فيهِمُ إِذ لَقوهُمُ ... وَأَمثالَهُ مِن ذي جَناحَينِ أَظهَرا
فَلَمّا رَأى أَهلُ النِفاقِ سِلاحَهُم ... وَسَيماهُمُ كانوا نَعاماً مُنَفَّرا
كَأَنَّ صَفيحَ الهِندِ فَوقَ رُؤوسِهِم ... مَصابيحُ لَيلٍ لا يُبالينَ مِغفَرا
بِأَيدي رِجالٍ يَمنَعُ اللَهُ دينَهُم ... بِأَصدَقِ مِن أَهلِ العِراقِ وَأَصبَرا
كَأَنَّ عَلى دَيرِ الجَماجِمِ مِنهُمُ ... حَصائِدَ أَو أَعجازَ نَخلٍ تَقَعَّرا
تَــــعَــــرَّفُ هَــــمــــدانِــــيَّةــــٌ سَبَئيَّةٌ ... وَتُكرِهُ عَينَيها عَلى ما تَنَكَّرا
رَأَتهُ مَعَ القَتلى وَغَيَّرَ بَعلَها ... عَلَيها تُرابٌ في دَمٍ قَد تَعَفَّرا
أَراحوهُ مِن رَأسٍ وَعَينَينِ كانَتا ... بَعيدَينِ طَرفاً بِالخِيانَةِ أَحزَرا
مِنَ الناكِثينَ العَهدَ مِن سَبَئيَّةٍ ... وَإِمّــــا زُبَيرِيٍّ مِنَ الذِئبِ أَغدَرا
وَبِالخَندَقِ البَصرِيِّ قَتلى تَخالُها ... عَلى جانِبِ الفَيضِ الهَدِيَّ المُنَحَّرا
لَقيتُم مَعَ الحَجّاجِ قَوماً أَعِزَّةً ... غِلاظاً عَلى مَن كانَ في الدينِ أَجوَرا
بِهِــــم يَومَ بَدرٍ أَيَّدَ اللَهُ نَصرَهُ ... وَسَوّى مِنَ القَتلى الرَكِيَّ المُعَوَّرا
جُنوداً دَعا الحَجّاجُ حينَ أَعانَهُ ... بِهِم إِذ دَعا رَبَّ العِبادِ لِيَنصُرا
بِشَهباءَ لَم تُشرَب نِفاقاً قُلوبُهُم ... شَآمِيَّةٍ تَتلو الكِتابَ المُنَشَّرا
بِسُفيانَ وَالمُستَبصِرينَ كَأَنَّهُم ... جِمالٌ طَلاها بِالكُحَيلِ وَقَيَّرا
لَو أَنَّهُم إِذ نافَقوا كانَ مِنهُمُ ... يَهودِيُّهُم كانوا بِذَلِكَ أَعذَرا
وَلَكِنَّما اِقتادوا بِحَوّاكِ قَريَةٍ ... لَئيــــمٍ كَهــــامٍ أَنفُهُ قَد تَقَشَّرا
مُــــحَــــرَّقَــــةٌ لِلغَزلِ أَظفارُ كَفِّهِ ... لِتَدقيقِهِ ذا الطُرَّتَينِ المُحَبَّرا
عَشِيَّةَ يُلقونَ الدُروعَ كَأَنَّهُم ... جَرادٌ أَطارَتهُ الدَبورُ فَطَيَّرا
وَهُم قَد يَرَونَ المَوتَ مِن بَينِ مُقعَصٍ ... وَمِن وائِبٍ في حَومَةِ المَوتِ أَكدَرا
رَأَوا أَنَّهُ مَن فَرَّ مِن زَحفِ مِثلِهِم ... يَكُن حَطَباً لِلنارِ فيمَن تَكَبَّرا
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الراء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- القافلين: قفل: القُفُول: الرُّجوع مِنَ السَّفَرِ، وَقِيلَ: القُفُول رُجُوعُ الجُنْد بَعْدَ الغَزْوِ، قَفَلَ الْقَوْمُ يَقْفُلون، بِالضَّمِّ، قُفُولًا وقَفْلًا؛ وَرَجُلٌ قَافِل مِنْ قَوْمٍ قُفَّال، والقَفَل اسْمٌ لِلْجَمْعِ. التَّه … (لسان العرب)
- اللين: لين: اللِّينُ: ضِدُّ الخُشونة. يُقَالُ فِي فِعْل الشَّيْءِ اللَّيِّن: لانَ الشيءُ يَلِينُ لِيْناً ولَيَاناً وتَلَيَّن وشيءٌ لَيِّنٌ ولَيْنٌ، مُخَفَّفٌ مِنْهُ، وَالْجَمْعُ أَلْيِناءُ. وَفِي الْحَدِيثِ: يَتْلُونَ كتابَ الل … (لسان العرب)
- بالهوان: هون: الهُونُ: الخِزْيُ. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ؛ أَي ذِي الْخِزْيِ. والهُونُ، بِالضَّمِّ: الهَوَانُ. والهُونُ والهَوانُ: نَقِيضُ العِزِّ، هانَ يَهُونُ هَواناً، وَهُوَ هَي … (لسان العرب)
- جيشين: جيش: جاشَت النفسُ تَجِيش جَيْشاً وجُيوشاً وجَيَشاناً: فاظَتْ. وجاشَتْ نفسِي جَيْشاً وجَيشاناً: غَثَتْ أَو دارَتْ لِلْغَّثَيان، فإِن أَردْتَ أَنها ارتفعَت مِنْ حُزن أَو فزَع قُلت: جَشَأَت. وَفِي الْحَدِيثِ: جاؤوا بِلَحْم … (لسان العرب)
- رجعتم: رجع: رَجَع يَرْجِع رَجْعاً ورُجُوعاً ورُجْعَى ورُجْعاناً ومَرْجِعاً ومَرْجِعةً: انْصَرَفَ. وَفِي التَّنْزِيلِ: إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى، أَي الرُّجوعَ والمَرجِعَ، مَصْدَرٌ عَلَى فُعْلى؛ وَفِيهِ: إِلَى اللَّهِ مَرْجِع … (لسان العرب)