تَستَطيبُ الجُلوسَ في ظِلِّ أَيكٍ
الشاعر: الهمشري · البحر: الخفيف
هذه القصيدة من شعر الهمشري، من العصر الحديث، وتقع في 56 بيتًا. نُظمت على بحر الخفيف، ورويّها حرف الباء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
تَستَطيبُ الجُلوسَ في ظِلِّ أَيكٍ ... رَفرَفَ الطَيرُ فَوقَهُ أَسرابا
يَتَغَنّى بَينَ الثِمارُ بِلَحنٍ ... هَل سَمِعتَ القِيانَ غَنَّتـ طِرابا
مِن وَحيدَينِ يَسجَعانِ سُروراً ... وَشَجِيِّينِ يَشدُوانِ اِنتِحابا
وَجَرى الماءُ في الغَديرِ رَحيقا ... وَجَرَت فَوقَهُ الزُهورُ حِبابا
جَنَّةٌ صاغَها الإِلهُ مِنَ السِح ... رِ فَفيها صَبابَةُ السُعَداءِ
نورُها مِن وَشائِعٍ مِن هَواءٍ ... فَهيَ مِنهُ في رِقِّهِ القَمَراءِ
وَتَغَنّي الأَطيارِ فيها اِصطِحابٌ ... فَصَباها مِن عَبقَرِيِّ الغِناءِ
مِن خَيالِ الأَشعارِ قَد صاغَها اللَ ... هُ فَفيها رَوائِعُ الشُعَراءِ
سَتَرى اِفرَليزِ تَجري عَلى العُش ... بِ وَتَهفو إِلى شِراعِ المَراكِب
وَنِفاتيسَ في ضَفائِرِها الصُف ... رِ تُغني تَحتَ الثُلوجِ الأَشاهِب
وَعَذارى اليَنبوعِ تَعزِفُ موسي ... قى رَبيعٍ فَوقَ الضِفافِ الشَواعِب
سَوفَ تَلقى هُناكَ كُلَّ نَعيمٍ ... وَتَقَّضي فيها جَميعَ المَآرِب
أَمطَرَتكِ الرَحماتُ يا رَبَّةَ الشِع ... رِ وَجادَتكِ فائِضاتُ اليَمينِ
كُنتِ سَلوايَ في الحَياةِ وَفي المَو ... تِ أَراكِ عَــــلى دُجاهَ خَدَّيني
ما أَرى تَزمَعينَ بَعدُ رَحيلا ... رَبَّةَ الشِعرَ وَيكِ لا تَترُكيني
آيَةً تَذهَبينَ في ذلِكَ المَو ... تِ وَلكِن هَيا خُذيني خُذيني
شانُ نَفسي وَذاكَ فِيَّ غَرامٌ ... أَن تُلاقي الخُطوبَ وَالأَهوالا
اِقتَبَل أَنتَ ناعِماً وَتَفَكَه ... في جِنانٍ طابَت جَنىً وَظِلالا
سَــــوفَ آتيكَ بِالَّذي قَد رَآهُ ... فَوقَ شَطِّ الأَعرافِ فَاِهدَأ بالا
إِنَّني سَوفَ أَلتَقي بِمَنايا ... تَصرَعُ الريحَ تَنسِفُ الأَجالا
آهٍ يا طائِفَ الخَيالِ تَعالَ ... وَاِبقَ جَنبي وَلا تُغامِر وَحدَك
كَيفَ تَلقى الرَدى وَأَنتَ ضَعيفٌ ... وَسِهامُ المَنونِ يَقصُدنَ قَصدَك
وَنَدِيُّ الأَنوارِ يَلفَحُ وَجهَك ... وَالنَسيمُ العَليلُ يَنسِلُ شَعرَك
فَإِذا غالَكَ الفَناءُ بِسَهمِ ... كَيفَ أَرضى الفِردَوسَ داراً بَعدَك
قَرّ نَفساً فَإِنَّني لا أُبالي ... بِشَعوبٍ وَلَستُ أَخشى الحِماما
أَنا في روحِها الكَريهَةُ روحٌ ... لا تُلاقي المَنونَ إِلّا سَلاما
أَنا كَالبارِقِ السَماوِيِّ نورٌ ... لا يَني في مُضِيِّهِ يَتَرامى
هُوَ يَبدو مِن حَيثُ يَحسِبُهُ النا ... سُ تَعاطى مِنَ المَنِيَّةِ جاما
هاكَ فُلكي عَلى الدُجى يَتَراءى ... مُستَضاءً كَالكَوكَبِ اللَماحِ
بَهرَ المَوتَ نورُهُ فَهُوَ أَعشى ... يَتَحاشى مِن خَطفِهِ بِالراحِ
يومِضُ اللَيلُ بِالسَنا مُستَطاراً ... في اِصفِرارٍ يَحكي اِصفِرارِ الأَقاحى
صَنَعَتهُ إِلهَةُ الشِعرَ كيما ... تَتَخَطّى بِهِ شِباكَ الرِياحِ
فَاِصطَحِبي إِذنَ عَلَيهِ وَهَيّا ... فَوقَ هَولِ الفَناءِ نَمضي سَوِيّا
فَلَقَد تَطَبّيكَ رُؤيا المَنايا ... وَتَراها حُسناً إِلَيكَ صَفِيّا
كُنتَ طِفلاً عَلى المَشيبِ لَعوباً ... وَمَشيباً عَلى الصِبا كُنَتِيّا
تَستَمِدُّ الحَياةَ مِن نورِكِ البا ... لي وَتَهفو إِلى سَناهُ شَجِيّا
لَم تَكُن غَيرَ طائِفٍ مِن ضِياءٍ ... قَد طَواهُ بِهِ ظَلامٌ مُجنَح
حَــــظُّهــــُ مِن حَياتِهِ ما رَآهُ ... مِن تَهاويلِ جَوِّهِ وَهوَ يَسبَح
فَهُوَ مِن ذِكرِها الحَبيبِ مَطافٌ ... لِرُؤى في ضِيائِهِ التِبرِ تَلمَح
ذُكـــــراتٌ يَـــــرتــــادَهُــــنَّ لِقــــاءً ... مُعقِباً في الخَيالِ بَعداً مُبَرِّح
وَنُهَيرُ مُرَقرَقٍ كَنَفَتهُ ... غابَةٌ بَينَ دَغلِها يَنسابُ
بَسَطَت فَوقَ مائِهِ العَذبِ ظِلّاً ... تَحتَ عَطفِ الأَمواجِ لا يَنجابُ
حَجَبَتُهُ عَنِ العُيونِ طَويلاً ... وَهَداها لَهُ الصَفاءُ المُطابُ
سَحرَ العالَمينَ مِنهُ رَحيقٌ ... فَإِذا هُم مِن صَفوِهِ شُرّابُ
تَطلُبُ السَعدَ وَهوَ مِنكَ قَريبٌ ... تَدَّعي الحُزنَ وَهوَ مِنكَ بَعيدُ
قَد طَوَيتَ الحَياةَ تَجهَدُ فيها ... لَيتَ شِعري فَهَل جَدا المَجهودُ
تَنفَحُ الناسَ مِن شَذى زَنبَقِ النو ... دِ وَهُم في كَرى الحَياةِ رُقودُ
قَد أَضَعتَ الحَياةَ كُلَّ ضَياعٍ ... في حُطامٍ فانٍ هُوَ التَخليدُ
يا خَيالي ماذا يَطوفُ بِقَلبي ... يا خَيالي ماذا يُسارِقُ أُذُني
أَيُّ شَـــــيـــــءٍ أَحُــــسُّ أَيُّ دَبــــيــــبٍ ... مُستَلِذٍ يُخَدِّرُ الروحَ مِنّي
إِنَّهُ أَرغَنُ الفَناءِ يُغني ... وَيُعيدُ الحَياةَ في مِثلِ لَحنِ
جَهورِيُّ المَوجاتِ تَنفُخُ فيهِ ... مُسمِعاتٌ يَفُضنَ مِن كُلِّ فَنِّ
هاكَ لَحنَ الجَمالِ هاكَ صَداهُ ... هاكَ لحنَ الهَوى وَلَحنَ التَفاني
هاكَ لَحنَ الأَسى وَلَحنَ التَأَسّي ... هاكَ لَحنَ الآمالِ لَحنَ الأَماني
هاكَ لَحنَ الصِبا وَلَحنَ التَصابي ... هاكَ لَحنَ المَشيبِ وَالحِرمانِ
هاكَ كُلَّ الحَياةِ مَرَّت كَلَحنٍ ... وَصَــــداهــــا يَــــعِجُّ في الآذانِ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الخفيف. من أعذب البحور وأكثرها شيوعًا بعد الطويل والكامل، خفيف على السمع يصلح لأغراض كثيرة.
تفعيلاته: فاعلاتن مستفعِ لن فاعلاتن.
القافية: رويّها حرف الباء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مقاييس اللغة:
- الثمار: ثمر: الثَّمَرُ: حَمْلُ الشَّجَرِ. وأَنواع الْمَالِ وَالْوَلَدِ: ثَمَرَةُ الْقَلْبِ. وَفِي الْحَدِيثِ: إِذا مَاتَ وَلَدُ الْعَبْدِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِمَلَائِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَاده، فَيَقُولُونَ: نَعَمْ؛ … (لسان العرب)
- الجلوس: جَلَسَ: الجُلُوسُ: القُعود. جَلَسَ يَجْلِسُ جُلوساً، فَهُوَ جَالِسٌ مِنْ قَوْمٍ جُلُوسٍ وجُلَّاس، وأَجْلَسَه غَيْرُهُ. والجِلْسَةُ: الْهَيْئَةُ الَّتِي تَجْلِسُ عَلَيْهَا، بِالْكَسْرِ، عَلَى مَا يَطَّرِدُ عَلَيْهِ هَذَا … (لسان العرب)
- السح: (سَحَّ) السِّينُ وَالْحَاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى الصَّبِّ، يُقَالُ سَحَحْتُ [الْمَاءَ] أَسُحُّ سَحًّا. وَسَحَابَةٌ سَحُوحٌ، أَيْ صَبَّابَةٌ. وَشَاةٌ سَاحٌّ، أَيْ سَمِينَةٌ، كَأَنَّهَا تَسُحُّ الْوَدَكَ سَحًّا. وَ … (مقاييس اللغة)
- القيان: قين: القَيْنُ: الحَدَّادُ، وَقِيلَ: كُلُّ صَانِعٍ قَيْنٌ، وَالْجَمْعُ أَقْيانٌ وقُيُونٌ. وَفِي حَدِيثِ الْعَبَّاسُ: إِلا الإِذْخِرَ فإِنه لقُيُونِنا؛ القُيُونُ: جَمْعُ قَيْنٍ وَهُوَ الحَدَّاد والصَّانِعُ. التَّهْذِيبُ: ك … (لسان العرب)