بُشرى بِفَتحٍ مُبين نَيِّر المَدَد
الشاعر: عبد الجليل الطباطبائي · البحر: البسيط · الغرض: قصيدة مدح
هذه القصيدة من شعر عبد الجليل الطباطبائي، من العصر الحديث، وتقع في 81 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف الدال، وغرضها قصيدة مدح.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
بُشرى بِفَتحٍ مُبين نَيِّر المَدَد ... بِهِ أَضاءَت نَواحي الملكِ بِالرَّشدِ
فَتح بِهِ ساد أَرجاء العِراق عَلى ... كُلُّ النَواحي وَأَبدى بِهجَة البَلَد
أَضحَت بِهِ السُنَّةـ الغَرّاء مُشرِقة ... بِنور نُصرَتِها كَالعَينِ عَن رَمَد
سَقى العُداه كُؤوسَ الذُلِّ مُترَعَة ... فَلَم يُزالوا سُكارى الوَيلِ وَالكَمَد
وَهَزَّ عَطفُ المُوالي نَيلَ بَغيَتِه ... فَاِختالَ بِالعِزِّ في أَثوابِهِ الجُدُد
فَتَحَ لَنا قَرُبتُ أَيدي الكُماةِ جَنى ... ثِمارَهُ وَبِعَونِ الواحِدِ الأَحَد
وَالعِزُّ ما اِقتَطَفَت أَبهى أَزاهِرَه ... مِن بَينِ شَوكِ القَنا بيضِ الظَبابيدِ
وَهكَذا المَجدُ ما أَعلَت دَعائِمُه ... أَنامِلَ السُمرِ إِذ مَدَت بِلا أَوَد
مَن رامَ يَشتارُ شَهدَ العِزِّ عَن ثِقَة ... فَــــلا يَمِدُّ لَهُ إِلّا يَدُ الجِلد
فَالعِزُّ سامي الذَرى وَعرٌ مَسالِكَه ... مَحَط غايَتَهُ في جَبهَة الأَسَد
بِالحَزمِ وَالهِمَّةـ العَلياءِ فازَ بِهِ ... لَيثُ الكِفاح عَلي البُأس ذو المَدَد
هُوَ الوَزيرُ الَّذي تَأبى مَناقِبَه ... عَن أَن يُحيطُ بِها الحَسّابُ بِالعَدَد
تَجَمَّعَت فيهِ مِن حُسنِ الشَمائِل ما ... تَلقاهُ في حَوزِها مِن حَيِّز مُنفَرِد
فَناسَك فاتَك قَد رَقَّ حاشِيَة ... قاسَ عَلى مَن أَتى بِالجورِ وَالحَسَد
وَأَقرَبُ الناسَ مِنهُ مَنزِلاً وَعَلى ... أَهلِ التُقى وَالحُجى وَالعِلمُ وَالرُشد
وَحُبِّهِ لِبَني الزَهراءِ قاطِبَة ... طَبعاً كَحُبِّ أَب بِالطَبعِ لِلوَلَد
وَقَد أَضافَ إِلى هذا رِعايَة ما ... في لَست أَسأَلَكُم أَجراً وَلَم أَرِد
ما زالَ بَراً شَفيقاً راحِماً بِهِم ... يَرى قَبول رَجاهُم أَوثَق العَدَد
في مَسلَكِ القَومِ أَهلَ اللّهِ صَحَّ لَهُ ... تَمَسُّكٌ بِعَراهِم مُحكَم الزَرَد
حَيثُ اِحتَسى فَاِنتَشى مِن صَفوِ خَمرَتِهِم ... كَأساً تَدومُ بِها الأَفراحُ لِلأَبَد
فَلَو رَآهُ الجَنيدُ البِرُّ سَرَّ بِهِ ... حَيثُ اِقتَفى إِثرَهُ عَن قَصدِ مُجتَهِد
تَلقى بِناديهِ أَهلَ الفَضلِ مُحدِقَة ... إِحداقُ هالَة بَدر مِنهُ مُتَّقَد
يَرتاحُ اِن عَطر الآدابِ ناديهِ ... بِكُلِّ مَعنى يُحَلّي السَمعِ مُتَّحِد
مِن كُلِّ نادِرَة راقَت مَصادِرُها ... أَو وَرد شاهَدَ فَضلَ قَبل لَم يَرِد
وَكَم لَهُ مِن مَزايا قَد أَنافَ بِها ... عَلى الأَكارِمِ أَهلُ المُدُن وَالعَمَد
هذا الوَزيرُ الَّذي أَعيَت مَكارِمُهُ ... عَن دَركِها مِن إِلى نَهجِ السِباقِ هدي
هذا الجَوادُ الَّذي قَد عَمَّ نائِلُهُ ... مَن أَخلَصَ الوُدَّ مِن دانٍ وَمُبتَعَد
عَن غَيرِهِ بِنَداهُ الوَفدُ نالَ غِنى ... وَالوارِدُ العَد لا يَحتاجُ لِلثَّمَد
إِن كَــــفَّ نوءُ وَلِيٍّ سَحب وابِلُه ... أَو لَم تَكُن دَجلَة تَجري إِلى أَمَد
أَغنى بِمسبل جَدوى كَفِّهِ ذَهَباً ... عَن واكِفَ القَطرِ أَو عَن ربَة الزَبَد
فَكَم فَقير أَزالَ العَدم عَنهُ بِما ... أَسدى إِلَيهِ بِلا مَنٍّ وَلا نَكَد
لَهُ مَــــواقِــــفُ لَيــــث دونَ غابَتِهِ ... يَزيغُ فيها فُؤادُ الباسِلِ الجَلِد
لا يَرهَبُ المَوتَ يَومَ الرَوعِ إِذ سَعرت ... نارُ الوَغى بِرِماحِ الخَطِّ عَن قَصد
يَلقى المَعادي بِصَدرٍ مِنهُ مُنشَرِح ... كَأَنَّهُ لَم يُشاهِد صولَةَ الأَسَد
رَأَت خَزاعَةُ مِن إِقدامِهِ عَجَباً ... فَاِختارَت الهَرَبَ المُفضي إِلى البَعد
لَم يُثنِهِ زُمرُ الأَعداءِ عَن أَمَل ... وَلا مَنيعُ حُصونِ اللَيثِ ذي اللَبَد
يا رَب شامِخ حصن لَيسَ يَبلُغُهُ الط ... رفُ السَوِيُّ وَلَم يَخضَع إِلى أَحَد
رَمي إِلَيهِ سِهامَ النارِ صاعِقَة ... فَأَحرَقَتهُ وَكانَ الفَتحُ مِنهُ بَدي
عَن عَزمِهِ سَل حُصونُ الكَردِ كَيفَ غَدَت ... أَخصاصُ سَعفٍ وَقَد جَلَت فَلَم تَعُد
وَعَنهُ سَل أَهلُ راوَندوز حَيثُ رَأَوا ... مِن فَتكِهِ فَعل قَرم باسِل حَرَد
دوق عَفا عَن مَسيئِهِم بِمَقدِرَة ... فَعادَ كُلٌّ إِلى مَرضاتِهِ فَهَدي
وَآبَ عَنهُم بِفَتحٍ قَد أُقيمَ لَهُ ... عِز يَديمُ الجاني عَلى الكَبِد
وَعِندَما اِشتاقَ بَغدادَ لِرُؤيَتِهِ ... شَوقُ النَباتِ لِغَيثٍ فيهِ مَطرد
فازَت بِهِ وَسُروجُ الخَيلِ ما بَرِحَت ... عَلى غَوارِبِها مَبرومَة العِقد
مَدّوا عَلى البَصرَةِ الفَيحاءِ بَغيِهِم ... لَمّا رَأَوها خَلَت مِن وافِرِ العَدَد
لِذا تَمطى لَهُم لَيثُ القَراعِ أَخو ال ... بَأسِ الشَديدُ عَلى القَدرِ وَذو الصَفَد
فَجَرَّ جَيشَينِ مِن رومٍ وَمِن عَرَبِ ... كَالبَحرِ ماءِ يَجري السَيلُ عَن صَعد
قاسى بِهِم خَوضُ أَنهارِ الجَزيرَةِ مَع ... جَداوِلَ لَيسَ يُحصيها أَخو العَدَد
عَلى المَذاكي العَرّابِ القَب كُلُّ فَتىً ... يَرى لَهُ في التَلاقي حَملَةُ الأَسَد
في كُلِّ نَدبٍ سَريا مُعرِقَ وَلَهُ ... آَباءُ صَدقٍ إِباءَ عِندَ مُضطَّهَد
هُمُ الحُماةَ الكماة الصَيدُ مِن عَرب ... شَمُّ الأُنوفِ كِرامُ الأَصلِ وَالوَلَد
وَمِن سُلالَةِ عُثمانَ المَليكِ فَهُم ... بَنو الحُروبَ بِها يَغدونَ في المَهد
وَفي خِلالِ جُموعِ المُسلِمينَ سَعَت ... مَدافِعُ لِعَذابِ الضَد في صَعَد
لِلنَّقعِ سَحبٌ وَلَمع البَيض بارِقَها ... وَلِلمَدافِعِ رَعدٌ فاطِرُ الكَبد
وَلِلقَنابِلِ فيهِم سوءُ صاعِقَة ... وَلِلبَنادِقِ فيهِم صَيِّبُ البَرد
وَقَد أَتى دارُ أَهلِ الضِدِّ عَن ثِقَةٍ ... بِاللّهِ ناصِرُهُ وَالنَصرُ بِالمَدَد
وَقَد تَحَصَّنَ أَهلوها وَقَد جَزَموا ... أَنَّ الحُصونَ لَهُم تُغني مَعَ العَدَد
مِن كُلِّ أَوب أَتَت اِمدادَهُم عَجَم ... وَمِن قَبائِلَ عُربٍ باذِخي العَمد
فَمُذ تَبدى لَهُم جَيشُ الوَزيرِ ضَحى ... سالَت لَهُم غارَةُ شَعواءُ عَن جَرَد
فَطاعَنوهُم جُنودُ الحَقِّ فَاِنكَشَفوا ... عَن ضَربِ صَيدٍ يُزيلُ الهامَ عَن حَسَد
وَبَعدَما أَشرَقَت شَمسُ الفُتوحِ عَلى ... ظَهرِ البَسيطَةِ ضاءَت غُرَّةُ البَلَد
فَعادَ لِلبَصرَةِ الفَيحاءَ مالِكَها ... صَدرُ الوُزارَةِ حامي المَلِك كَالعَضَد
فَسُرَّ كُلَّ أَهاليها بِطَلعَتِهِ ... وَنَــــصــــرِهِ وَلِعِــــزٍّ واسِــــعِ الأَمَــــد
فَيا مَليكا لَهُ دانَ القَبائِلَ مِن ... بَني مُعَدّ وَمِن قَحطانَ ذي العَدَد
يا مَن إِذا نَزَلَ العاني بِساحَتِهِ ... يَلقى مَناهُ بِلا كِدٍّ وَلا نَكَد
يُهَنّيكَ فَتحٌ وَنَصرُ لا يُفارِقَهُ ... عِزٌّ مَديدٌ وَتَأييدٌ مِنَ الصَمَد
فَاِشكُر لِمَولى حَباكَ النَصرُ يانِعَة ... ثِمارَهُ مُشتَهى الجاني بِلا كَمَد
وَالشُكرُ مِنكَ بِساطُ العَدلِ تَنشُرُهُ ... عَلى الرَعِيَّةِ كَي يُفضوا إِلى رَغَد
في حالِهِم كُن كَما تَرجو الهَك أَن ... يَكونَ مِنكَ بِحال وافِر المَدَد
فَالمَرءُ يُجزى بِما يُأتِيَهُ صَح بِذا ... كَما تَدينُ تُدانُ اليَومَ أَو بَعد
وَحاذِرن دَعوَةَ المَظلومِ إِن لَها ... مَسرى إِلى اللّهِ تَأتيهِ بِلا بَعد
وَاِنظُر فَهذي البِلاطُ اليَومَ قَد فَنِيَت ... أَخنى عَلَيها الَّذي أَخنى عَلى لَبد
فَاِستَبِق مِنكَ بِها آثارَ مُحَمَّدَة ... تَخلُد الذِكر فيها سائِرَ الأَبَد
وَأَهلَها مُضمَحِل حالَهُم عَدماً ... فَلَيسَ مِن سَيِّدٍ فيهِم وَلا لَبَد
فَكَفَّ عَنهُم أَكَفُّ الظُلمِ مُرحَمَة ... وَكُن شَفيقاً عَلَيهِم راحِماً وَجِد
هذي النَصيحَةُ لِلَّهِ العَلِيِّ أَتَت ... مِن خالِصِ الوُدِّ لا يَرجو سِوى الأَحَد
وَهاكَ مِنّي رَداحاً كاعِباً فَضَلتَ ... أَترابَها بِرَشيقِ القَد وَالميد
تَنمى إِلى فِرعِ أَبناءَ البَتولِ بِلا ... مين وَفَخر وَلا دَعوى بِلا سَنَد
تَأبى لِغَيرِكَ أَن تَهدي مَحاسِنَها ... وَأَنتَ كُفءٌ لَها يا خَيرُ مُلتَحِد
لا زِلتَ ذا رُتبَة عُليا وَلا بَرِحَت ... لَكَ المَسَرَّةُ في عِزٍّ وَفي رَشَد
ما أَضحَكَ الرَوضُ هامي وَدق غادية ... وَقامَ في زَهرِهِ مِن طائِرٍ غرد
البحر والقافية
القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.
تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.
القافية: رويّها حرف الدال، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مقاييس اللغة:
- الجدد: جدد: الجَدُّ، أَبو الأَب وأَبو الأُم مَعْرُوفٌ، وَالْجَمْعُ أَجدادٌ وجُدود. والجَدَّة: أُم الأُم وأُم الأَب، وَجَمْعُهَا جَدّات. والجَدُّ: البَخْتُ والحِظْوَةُ [الحُظْوَةُ]. والجَدُّ: الْحَظُّ وَالرِّزْقُ؛ يُقَالُ: فُلَا … (لسان العرب)
- المدد: مدد: المَدُّ: الجَذْب والمَطْلُ. مَدَّه يَمُدُّه مَدّاً ومدَّ بِهِ فامتَدّ ومَدَّدَه فَتَمَدَّد، وتَمَدَّدناه بَيْنَنَا: مَدَدْناه. وَفُلَانٌ يُمادُّ فُلَانًا أَي يُماطِلُه ويُجاذِبه. والتَّمَدُّد: كَتَمَدُّدِ السِّقاء، … (لسان العرب)
- الموالي: (وَلَيَ) الْوَاوُ وَاللَّامُ وَالْيَاءُ: أَصْلٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى قُرْبٍ. مِنْ ذَلِكَ الْوَلْيُ: الْقُرْبُ. يُقَالُ: تَبَاعَدَ بَعْدَ وَلْيٍ، أَيْ قُرْبٍ. وَجَلَسَ مِمَّا يَلِينِي، أَيْ يُقَارِبُنِي. وَالْوَلِيُّ: ال … (مقاييس اللغة)
- النواحي: وحي: الوَحْيُ: الإِشارة وَالْكِتَابَةُ والرِّسالة والإِلْهام وَالْكَلَامُ الخَفِيُّ وكلُّ مَا أَلقيته إِلى غَيْرِكَ. يُقَالُ: وحَيْتُ إِليه الكلامَ وأَوْحَيْتُ. ووَحَى وَحْياً وأَوْحَى أَيضاً أَي كَتَبَ؛ قَالَ الْعَجَاجُ … (لسان العرب)
- الويل: وَيَلَ: وَيْلٌ: كَلِمَةٌ مِثْلَ وَيْحٍ إِلَّا أَنها كَلِمَةُ عَذاب. يُقَالُ: وَيْلَهُ ووَيْلَكَ ووَيْلي، وَفِي النُّدْبةِ: وَيْلاهُ؛ قَالَ الأَعشى: قالتْ هُرَيْرَةُ لَمَّا جئتُ زائرَها: ... وَيْلِي عليكَ، ووَيْلِي منكَ ي … (لسان العرب)
- بالرشد: رشد: فِي أَسماء اللَّهِ تَعَالَى الرشيدُ: هُوَ الَّذِي أَرْشَد الْخَلْقَ إِلى مَصَالِحِهِمْ أَي هَدَاهُمْ وَدَلَّهُمْ عَلَيْهَا، فَعِيل بِمَعْنَى مُفْعل؛ وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي تَنْسَاقُ تَدْبِيرَاتُهُ إِلى غَايَاتِهَا عَ … (لسان العرب)
- بغيته: (بَغَيَ) الْبَاءُ وَالْغَيْنُ وَالْيَاءُ أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا طَلَبُ الشَّيْءِ، وَالثَّانِي جِنْسٌ مِنَ الْفَسَادِ. فَمِنَ الْأَوَّلِ بَغَيْتُ الشَّيْءَ أَبْغِيهِ: إِذَا طَلَبْتَهُ. وَيُقَالُ: بَغَيْتُكَ الشَّيْءَ: إِذ … (مقاييس اللغة)