تَحيةُ مُشتاقٍ وَذي كَبِدٍ حَرَّى
الشاعر: صالح السويسي القيرواني · البحر: الطويل · الغرض: قصيدة شوق
هذه القصيدة من شعر صالح السويسي القيرواني، من العصر الحديث، وتقع في 36 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الراء، وغرضها قصيدة شوق.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
تَحيةُ مُشتاقٍ وَذي كَبِدٍ حَرَّى ... تَعمُّ رِجالَ الفَضل في تونسَ الخَضرا
تَهِبُّ عَلى تِلكَ المَرابعِ مِثلَما ... سَرَت نَسَمات الصَيف عاطرة عطرا
بِلادٌ بِها بَدرُ المَعارفِ مشرقٌ ... فَأَكرِم بِها فَخراً وأَكرِم بِه بَدرا
بِلادٌ حَوَت لِلعلمِ أَعظَمَ معهدٍ ... يَضم رِجالاً أَحرَزوا المَجدَ وَالفَخرا
مَدارِسُها تَزهو بِخَيرِ شَبيبةٍ ... كِرام عَلى نَيلِ الهُدى اَنفَقوا العُمرا
يُنادي بِها التلميذُ في القطرِ جَهرةً ... إِلا فَاِسقني عِلماً وَلا تَسقِني خَمرا
إِذا زُرتَها في الصَيف شاهَدتَ مَنظَراً ... إِلى جَنةِ المَأوى يَهيجُ لِكَ الذِكرى
فَعَرَّج عَلى بابِ السويقةِ سائِراً ... لِمنزَهِ حلفاوين تونسنا الغَرّا
هُناكَ تَرى أَهلَ اللَطافةِ وَالحِجا ... كَمثلِ نُجومٍ أَشرَقَت في العُلا زُهرا
وَفي القَصْبةِ الفَيحاء لِلنَفسِ راحةٌ ... وَلطف نَسيمِ الصُبحِ قَد نعَّم َالفِكرا
فَبادِر لَها عِندَ الصَباحِ مُيمِّماً ... لِساحتِها تَلقَ الحَفاوةَ وَالبُشرا
هُناكَ بامعانٍ وَحُسنِ رياضةٍ ... تَطالِعُ ما يَحلو مِن الزَهرةِ الزَهرا
جَــــريدةُ آدابٍ وَحُسنُ سياسةٍ ... وَمشربها الحكميُّ أَكسَبَها فَخرا
وَلِلدَهرِ أَحوالٌ لَها كُلّ عاقلٍ ... يَسيرُ كَما تَقضي وَإِن أَظَهَرَت عُسرا
وَجُد إِلى الباب الجَديدِ مُسارِعاً ... فَلَستَ تَرى فيهِ سِوى الراحةِ الكُبرى
عَمائمُ مَع شَكل الطَرابيش خُولِطت ... فَما أَحسَن البَيضا وَما الطفَ الحَمرا
وَعِندَكَ في بابِ الجَزيرةِ رَونقٌ ... فَخُذ حصة واقصدْ إِلى وَجهةٍ أُخرى
وَسِر نَحوَ بابِ البَحرِ تَلفَ جآذِراً ... تعلَّمَ هاروتُ مِن أَجفانها السحرا
تَهزُّ قُدودَ البانِ عُجباً بِحُسنِها ... فَتَتركُ أَهل الذَوقِ مِن دلِّها سَكرى
خَرائدَ يَلبَسنَ الحَرير ترفُّها ... وَيَلعَبنَ بِالأَلباب بَينَ الوَرى جَهرا
فَكُل فَتىً فيهِ شُعورٌ وَفِطنةٌ ... يَهيِّجهُ نَهجُ البُحَيرةِ إِن مَرّا
وَلَم أَرَ مِن عَيبٍ هُناكَ مجسَّماً ... سِوى ذَلِكَ الكازينو إِذ جَلَبَ الفَقرا
وَاِن شئتَ تَجديدَ الحَياةِ وَحفظَها ... فَتجديدُها حَقّاً لِمَن قَصَدَ البَحرا
فَبادِر إِلى المَرسى الجَميلةِ إِنَّها ... مَليكةُ حُسنِ الأَميرِ عَلَت قَدرا
أَميرٌ لَهُ فكرٌ إِلى العلمِ يَنتَمي ... وَجودٌ لَهُ في القَطرِ قَد ساجَل القَطرا
فَكَم زُرتَها في الصَيفِ مُنفَرِداً بِها ... يؤانسني الصَفصافُ وَالقُبَّةُ الخَضرا
وَفي وحدةِ الإِنسانِ خَيرُ وِقايةٍ ... إِذا فاضَ سَيلُ الدَهرِ مَفعَوعِماً شَرا
توجَّهْ لِقَرطاجٍ ففي تِلكَ عبرةٌ ... لِمَن غُرَّ بِالآمالِ أَو نَفَّذَ الأَمرا
مَآثرها تُبدي إِلَيك دَلائِلاً ... عَلى حُسن اِتقانٍ بِهِ مَلَكوا القَطرا
وَفي الجَبَل السامي المنار أجلة ... لَهم خلُقٌ مثلي بِها اِكتَسَبوا الفَخرا
وَشاطئُ حَلقِ الوادي أَعظمُ مَنزَهٍ ... إِذا لَم يَكُن شَيءٌ بِهِ أَحدثَ الوزرا
وَفي الكَرَمِ الزاهي سُرورٌ وَغِبطةٌ ... بِعائلةِ الخلصى مَن اَتقَنوا التَجرا
وَمَنوبةٌ نابَت عَلى جَنّةِ العُلا ... وَمَنظَرُها المَأنوس يَسبى النُهى سِحرا
فَيا تونساً عَفواً فَإِني مُقَصرٌ ... وَلَستُ أَجيدُ اليَومَ في وَصفِكَ الشِعرا
وَغايةُ ما عِندي تَحيةٌ شائقٍ ... بِقَدرِ الَّذي في الطَوقِ مُستَمنحاً عُذرا
وَلِلقَيرَوانِ اليَومَ عِندي جَواذِبٌ ... وَحُبٌّ إِلى الأَوطانِ يَقتادُني قَسرا
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الراء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، الصحاح:
- التلميذ: تلمذ: التلاميذُ: الخَدَمُ والأَتباع، واحدهم تِلْميذٌ. (لسان العرب)
- المرابع: ربع: الأَربعة والأَربعون مِنَ الْعَدَدِ: مَعْرُوفٌ. والأَربعة فِي عَدَدِ الْمُذَكَّرِ والأَربع فِي عَدَدِ الْمُؤَنَّثِ، والأَربعون بَعْدَ الثَّلَاثِينَ، وَلَا يَجُوزُ فِي أَربعينَ أَربعينُ كَمَا جَازَ فِي فِلَسْطِينَ وَب … (لسان العرب)
- انفقوا: نفق: نَفَقَ الفرسُ والدابةُ وَسَائِرُ الْبَهَائِمِ يَنْفُقُ نُفُوقاً: مات؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ أَنشد ثَعْلَبٌ: فَمَا أَشْياءُ نَشْرِيها بمالٍ، ... فَإِنْ نَفَقَتْ فأَكْسَد مَا تكونُ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: والجَزو … (لسان العرب)
- تسقني: سقن: التَّهْذِيبِ خَاصَّةً عَنِ ابْنِ الأَعرابي: الأَسْقانُ الخَواصر الضامرة. وأَسْقَنَ الرجلُ إِذَا تَمَّمَ جِلاءَ سيفه. (لسان العرب)
- تعم: ثعمت الشئ: نزعته. وتثعمتنى أرض فلان، أي أعجبتني. ورواه أبو زيد بالنون. (الصحاح)
- تونس: تنس: تُناسُ النَّاسِ: رَعاعُهم، عَنْ كُرَاعٍ. قَالَ الأَزهري: أَما تَنَسَ فَمَا وَجَدْتُ لِلْعَرَبِ فِيهَا شَيْئًا، قَالَ: وأَعرف مَدِينَةً بُنِيَتْ فِي جَزِيرَةٍ مِنْ جَزَائِرِ بَحْرِ الرُّومِ يُقَالُ لَهَا: تِنِّيسُ، و … (لسان العرب)