عَــزاءً فَــمـا يُـغـنِـي الأَسـى والتَّفـَجُّعُ
الشاعر: عبد العزيز بن عبد اللطيف آل مبارك · البحر: الطويل · الغرض: قصيدة رثاء
هذه القصيدة من شعر عبد العزيز بن عبد اللطيف آل مبارك، من العصر الحديث، وتقع في 65 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف العين، وغرضها قصيدة رثاء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
عَــزاءً فَــمـا يُـغـنِـي الأَسـى والتَّفـَجُّعُ — وإِن دَهَــمَ الخَـطـبُ الجَـليـلُ المُـزَعـزِعُ
وَلو كـانَ سَـكـبُ الدَمـعِ يُغنِي أَخَا شَجىً — بَــكــيــنــا دَمــاً لَكــنَّهــُ ليـسَ يَـنـجَـعُ
فَــلا تَــتــوجَّعــ مِــن مُــصَــابٍ فَــإِنَّمــَا — يَــسُــرُّ الأَعــادِي مِــنــكَ هَـذا التَـوجُّعُ
وَذُو العـزمِ قَـد يَـشـجَى ولَكِن بِقَدرِ ما — يُــرَى ثُــمَّ يَــنــهــاهُ نُهَــاهُ فَــيَــشـجَـعُ
لَنــا اللَهُ مِــن رُزءٍ عَــظــيــمٍ مُــحَــيِّرٍ — تَـــكـــادُ لهُ صُـــمُّ الجِـــبـــالِ تَـــصــدَّعُ
وَواقِـــعـــةٍ عـــمَّ الخَـــلائِقَ وَقـــعُهـــا — ولَم يَـخـلُ مِـنـهـا فـي الجَـزيـرَةِ موقِعُ
وَواخـبـراً عَـن مُـنـتَـدىً في العُلا غَدَت — بِهِ تُــخــفَــضُ الأَصــواتُ طَــوراً وتُـرفَـعُ
أَلمَّ بــنــا ليــلاً فــبِــتــنــا بِـلَوعَـةٍ — وسُــمُّ الأَفــاعِــي عَــذبُ مــا نــتــجــرَّعُ
تــقــولُ لنــا سُـودُ الصَـحـائِفِ إِذ أَتَـت — بــهِ نــحــنُ أم بِـيـضُ الصَـفـائِحِ أَقـطَـعُ
أَقــولُ وَعَــيــنــي بــالدُمــوعِ غَــريـقـةٌ — كَــذا فــلتَــجِــلَّ الحــادِثــاتُ وتــفـجـعُ
خــليــلَيَّ مــا لِلأُفــقِ أَســوَد والسَـمَـا — تَـــسُـــحُّ دَمـــاً والأرض حَـــرَّى تـــســـفَّعُ
نَـعـم غـابَ بَـدرُ التِّمـِّ فَـالكَـونُ لابـسٌ — ثِــيــابَ حِــدادٍ مِـن سَـدى الهـمِّ تُـصـنَـعُ
فَــوَالَوعــةَ القَــلبِ المُـحـرَّقِ بـالجَـوى — عَــلَى مَــن بــهِ أَمـسَـى يُـوارِيـهِ مَـربَـعُ
مَــضَــى راشِــدُ الأَفــعــالِ غــيـرَ مُـودَّعٍ — وبِــالحَــمــدِ والذِّكـرِ الجَـمـيـلِ يُـشَـيَّعُ
مَـــضَـــى ومَــشَــوا مِــن خَــلفِهِ وَأمــامَهُ — وأَبــصَــارُهُــم مــن شِــدَّةِ الهَــولِ خــشَّعُ
فَــيــا لكَ مــن جَــفــنٍ يَــسـيـلُ ومُهـجَـةٍ — تُــسَــلُّ بــأَيـدِي الوجـدِ كـرهـاً وتُـنـزَعُ
لئِن راحَ مَـــطـــويـــاً بـــأَذرُعِ خــامــةٍ — فـــنَـــشـــرُ عُـــلاهُ لم يَــزَل يَــتَــضــوَّعُ
فـيـا قَـمـراً قد بانَ في الشَرقِ غارِباً — وعَهـدِيَ بِـالأَقـمـارِ فـي الشَـرقِ تَـطـلُعُ
رحـــلتَ لجـــنّــاتِ النَــعــيــمِ مُــرَوَّحــاً — وظَــلنَـا بـنَـارِ الكَـربِ والبُـؤسِ نُـلذَعُ
أَظُــنُّ الرَدى يَــخــتــارُ فِـيـنـا سِهَـامَهُ — وإِلا فَــفــي الأَحــيــاءِ دُونَـكَ مَـقـنَـعُ
خَـليـليَ مـا حُـزنِـي الغـداةَ بِـمُـقـنِـعِي — عَــلى أنَّ مِــثــلِي بِــالعَــزا يَــتَــقَــنَّعُ
وَليــسَ بَــقــائِي سَــلوةً بَــعــدَ فــقــدِهِ — ولكــنَّ أَمــرَ اللَهِ مــا مِــنــهُ مَــجــزَعُ
وأَنَّى لنــا السُــلوَانُ والصَـبـرُ بـعـدَهُ — وفــي أَربــعٍ مــنّــا خَــلَت مِــنـهُ أَربُـعُ
فَــمَــا أوحــشَــت مِــنــهُ لَعَــمـرِيَ أَربُـعٌ — تــحــلَّت بِهِ بــل أَوحــشــت مِــنـهُ أَضـلُعُ
لَقَــد كُــنــتُ أَبـكـيـهِ وفِـي قُـربِهِ رَجـاً — فَـكـيـفَ وَقَـد أَمـسَـى ومـا فـيـهِ مَـطـمَـعُ
سَــيَــبــكِــيــهِ مِــحــرابٌ ودرسٌ وَمِــنـبَـرٌ — وكُــــتــــبٌ وأَقـــلامٌ ورَأيٌ ومَـــجـــمَـــعُ
وَوَعــظٌ وتــذكــيــرٌ إِلى اللَهِ مُــنــهِــضٌ — وزجــرٌ يَــليــنُ الصَــخـرُ مِـنـهُ ويَـخـشَـعُ
سَـيَـبـكِـي عَليهِ العِلمُ والجودُ والحِجا — وحُـسـنُ النُهـى وَالعـزمُ والحـزمُ أَجـمَعُ
فَــلو شَــفَــعَ الدَهــرُ الحــيــاةَ لمــيِّتٍ — شَـــفَـــعـــنَـــا لهُ لَكِـــنَّهـــُ لا يُــشَــفَّعُ
وَلو كـانَ ريـبُ الدَهـرِ يُـدفـعُ بـالقُوَى — دَفــعــنَــاه عــنــهُ بــالَّتـي هِـيَ أَمـنَـعُ
وَلَكـــنَّ حُـــكـــمَ اللَهِ لا شـــكَّ نــافِــذٌ — وَمــا لامــرِئٍ عَـمّـا قَـضَـى اللَهُ مَـدفَـعُ
وَمَــن كــانَ فــي كَــفِّ الزَمــانِ زِمــامُهُ — أَيَـــــنـــــفَــــعُهُ أَنَّ اللِّجَــــامَ مُــــوَسَّعُ
رأيــتُ المَـنـايـا خـبـطَ عـشـوَاءَ ربَّمـا — نَــجــا عــاطِــلٌ مِــنـهـا وطـاحَ المُـدرَّعُ
فَـواعَـجَـبـاً يـمـشـي ابـنُ عِـشـرينَ آمِناً — ويُـفـجـا ابـنُ عَـشـرٍ بـالحِـمَـامِ ويُـفجَعُ
لَقَــد قــصَّرَت عَــن كــفِّهــِ كَــفُّ قَــيــصَــرٍ — كَــمــا كُـسِـرَت أَجـنـادُ كِـسـرى ومُـزِّعُـوا
وَلَم يــنــتَــصِــر مِـن نـحـسِهِ بُـخـتُ نَـصَّرٍ — بـبُـخـتٍ وَلَم يَـنـفَـعـهُ مـا كـانَ يـجـمَـعُ
وعـــادَت عَـــلى عـــادٍ عَـــوَادِي صُــرُوفِهِ — فَــعــادَت مَــغــانِــي رهـطِهِ وهـيَ بَـلقَـعُ
لهُ كــلَّ يَــومٍ فــي البَــرايــا وقــائِعٌ — وكُـــــلٌّ لجَـــــاري بـــــأسِهِ مُـــــتَــــوَقِّعُ
فـكَـيـفَ يَـطِـيـبُ العَيشُ أَو يَحسُنُ الهَنا — وأَنـــفُـــسُـــنـــا لِلحَــتــفِ سَهــمٌ مُــوَزَّعُ
أَلا إِنَّمــا الدُنــيــا هَــبــاءٌ بِــكُــوَّةٍ — وآلٌ عَـــلى أفـــنــانِ صَــحــراءَ يــلمَــعُ
إِذا مَـا صَـفَـت وَقـتـاً يَـسـيـراً تـكـدَّرَت — وُقُــوتـاً وإِن أَعـطَـت فـبِـالقُـربِ تَـرجِـعُ
وكم مِن خُطاً قد أُوسِعَت في الخَطَا لنا — لقـد ضـاقَ عـنـهَا العُذرُ لولا التَضَرُّعُ
فـيَـا أَيُّهـا المـغـرورُ فـيـهـا بـزَهـرَةٍ — سـتُـبـصِـرُ بـعـدَ المـوتِ مـا كـنـتَ تَسمَعُ
رُوَيــداً رويــداً يــا عـبـيـدَ بـطُـونِهِـم — عـلى ظَـلعِـكُـم يا أَيُّهَا الظُلعُ أَربِعُوا
فـكـم قـاطـعٍ عُـرضَ الفَـلا فـي حُـطامِها — ســـتَـــحــطِــمُ يــومــاً عُــمــرَهُ وتُــقَــطِّعُ
ولو كـانَ إِنـسـانٌ مـن الحَـتـفِ سـالمـاً — نَـجـا ذلكَ الشَهـمُ الهُـمـامُ السَـمَـيـدعَ
لقــد كــانَ عــنّــا لِلخــطُـوبِ مُـدافِـعـاً — فــثــارَت عــليــهِ ثــورةً ليــسَ تُــدفَــعُ
لَعَــمــري لَئِن جــارَ الزَمــانُ بــســلبِهِ — فــلَم يُــفــنِ إِلا مُــقــلَتَــيــهِ ويـقـلَعُ
فــواهـاً لهُ مِـن كـوكَـبٍ غـارَ بـعـدَ مـا — هـــلا وحـــلا مِــنــهُ مَــنَــارٌ ومــكــرَعُ
وثُـــلمَـــةِ ديـــنٍ لا يُـــسَــدُّ بــغــيــرِهِ — وخَــرقٍ عــلى الإِسـلامِ هـيـهَـاتَ يُـرقَـعُ
إمَـامٌ أصـيـلُ الرَأيِ مُـذ كـان لم يَـزل — يَــسُــنُّ لنــا طُــرقَ المَــعــالي ويـشـرَعُ
فــــــي الســــــيــــــاســــــةِ شِـــــرعَـــــةٌ — ولِلّه مِـــنـــهُ فــي السِــيــادةِ مــشــرَعُ
ذكِــيٌّ يَـرَى مُـسـتَـقـبَـلَ الأمـرِ مـاضِـيـاً — ويــعــرفُ مِــنــهُ مــا يــضــرُّ ويــنــفَــعُ
بــليــغٌ إِذا مــا قــالَ أســكَــتَ غـيـرَهُ — وأَصـــغَـــى لهُ قـــلبٌ وطَـــرفٌ ومَــســمَــعُ
يُــدِيــرُ مـن الأمـثـالِ والحِـكَـمِ الَّتـي — غَــلَت وحــلَت كــاســاتِ خــمــرٍ تَـشَـعـشَـعُ
فَـــلولا أخـــوهُ ثــمَّ فــتــيــانُ قَــومِهِ — لَنَــادَيــتُ جــهــراً والعــوالمُ تَــسـمَـعُ
تُـــوُفِّيـــَتِ الآدابُ مِـــن بـــعــدِ راشــدٍ — وأَضــحَــى سَــوامُ المَــجــدِ وهــوَ مُـضـيَّعُ
فَـلا يُـشـمِـت الحـسّـادَ أَن يـنـطَفي لَنا — سِــراجٌ فــقــد شُــبَّتــ مــصــابــيــحُ لُمَّعُ
لئِن غــابَ بــدرُ التِــمِّ هــذا شَــقـيـقُهُ — سَـــنـــاهُ ولا فَـــخـــراً أَتـــمُّ وأَرفَـــعُ
إِذا مــــا أَلَمَّتـــ وادلَهـــمَّتـــ مُـــلمَّةٌ — وأعــيَــت جــلاهــا نـورُهُ المُـتَـشَـعـشِـعُ
فَـلولا سـنـاهُ اليـومَ كِـدنـا نَـضِـلُّ في — دُجــى ذلك الخَــطــبِ المَهُــولِ المــروِّعِ
فــيــا ربِّ مــتِّعــنــا بــطــولِ حــيــاتِهِ — فــمــا عــمــرُهُ إلا الربـيـعُ المـمـتِّعُ
وأوصِـــل عـــليــهِ سَــيــبَ بِــرِّكَ واكــفِهِ — وعِـــتـــرَتَهُ والآل مــا مِــنــهُ مَــفــزَعُ
وَهَـــبـــنـــي رِضَـــاهُ يــا إِلهــي وبِــرَّهُ — فـــهـــذا قُـــصـــارى مـــا لهُ أَتَـــطَــلَّعُ
وأَزكــــى صــــلاةِ اللَهِ ثــــمَّ ســــلامِهِ — عــلى المُـصـطـفَـى والآل مـا لا مُـسَهَّمُ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف العين — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- التوجع: تَوَجَّعَ يَتَوَجَّعُ تَوَجُّعًا : اشتكى من الألم؛ توجّع من آلامٍ في مفاصله. - له منه: رثى له؛ توجّع لصديقه من إفلاسه وحاجته للمال.
- بقدر: قدر: القَدِيرُ والقادِرُ: مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَكُونَانِ مِنَ القُدْرَة وَيَكُونَانِ مِنَ التَّقْدِيرِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ*؛ مِنَ القُدْرة، فَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ …
- بكينا: البُكا يُمَدُّ ويُقْصَرُ، فإذا مددت أردت الصوتَ الذي يكون مع البكاء، وإذا قَصَرْتَ أردت الدموعَ وخروجها. قال الشاعر [[الشعر لكعب بن مالك الانصاري.]] : بَكَتْ عَيْني وحَقَّ لها بُكاها * وما يُغْني البُكاءُ ولا العَويلُ وب …
- تخفض: تَخَفَّضَ يَتَخَفَّضُ تَخَفُّضاً : انخفض، أي انحطّ بعد علوّ ؛ تخفّضت الأسعار حين كثرت البضاعة في السوق.
- تصدع: تَصَدَّعَ يَتَصَدَّعُ تَصَدُّعاً : تَشقّق؛ تَصَدَّعت جدران الدّار. - وا: تفرّقوا؛ تَصَدَّع أَعضاء الجمعية.
- دهم: دهم: الدُّهْمَةُ: السَّوَادُ. والأَدْهَمُ: الأَسْود، يَكُونُ فِي الْخَيْلِ والإِبل وَغَيْرِهِمَا، فَرس أَدْهَمُ وَبَعِيرٌ أَدْهَمُ، قَالَ أَبو ذؤيب: أَمِنْكِ البَرْقُ أَرْقُبُهُ فهَاجَا، ... فبتُّ إِخالُهُ دُهْماً خِلاجَ …