غداةَ النوى قد جفَّ بحر المواهبِ
الشاعر: حنا الأسعد · البحر: الطويل · الغرض: قصيدة رثاء
هذه القصيدة من شعر حنا الأسعد، من العصر الحديث، وتقع في 61 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الباء، وغرضها قصيدة رثاء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
غداةَ النوى قد جفَّ بحر المواهبِ ... وأغشَت شموس الطهر بُردُ الغياهب
وغابت من العلياءِ شمس فضائلٍ ... فأخلت من الأنوار زُهرَ الكواكبِ
أميرة مجدٍ بان بالبين بدرها ... وأبقت لنا أبدارَ ذكر المناقب
سليلة فخرٍ من بني اللمع قد سرت ... بجنح ظلامٍ فوق دهم المراكبِ
عفيفة نفسٍ فاقت الناس عفةً ... شريفة قِنسٍ من أعالي المراتبِ
مليكة حسنٍ قد تجلّى جمالها ... بــــأنــــوار خــــلقٍ لا بــــرخــــي الذوائب
غزالة طُهرٍ قد تسامى عفافها ... كما قد سمت حسناً على كل كاعبِ
حصينة خدرٍ لن ترى الدهر شائناً ... فحاشا فما للشمس مرءٌ بعائبِ
تسامت كمالاً فوق سَمكِ السما عُلاً ... وحازت سناءً في جميع المذاهب
رفيعة قدرٍ في فخر كل إمارةٍ ... جــــليلة شأنٍ فاق عن مدح راغبِ
لكم قد أبت ألّا يمسَّ بنانها ... نواعم خز من فخيم الجلاببِ
وكم أزعج التهجيد فوق أسرَّةٍ ... لطيف سجاياها بقلبٍ وقالبِ
فيا عجبي أنّى توسَّد بدرها ... برمسٍ وبات التربُ فوق الترائب
أفعلةُ موتٍ بالمليكَة أم أبت ... جــــلوس قــــصــــور ثــــم قــــربَ الأقــــاربِ
تخلَّت عن الأوطان كالشمس أغربت ... وهلّا شروقٌ بعد سكني المغاربِ
منونٌ تعدَّت في حسام خيانةٍ ... أحلَّت بنا بؤساً بشؤم المصائبِ
وصالت بغدرٍ في العباد فزعزعت ... مباني حصون المجد من كل جانبِ
فتعساً للها ألفاً بألفٍ مكرراً ... وتبّاً لها ما دام ندب النوادبِ
لكم سحَّتــ الأجفان من غدرها دماً ... وكم فتَّتــ الأكباد قبحُ النوائبِ
وكم قد دعت عمداً أخا البأس بائساً ... صريع شجونٍ بين خدش المخالبِ
أضــــرك مــــنــــا يــــامنون سرورنا ... بمحفل أنسٍ فيهِ جمع الرغائبِ
فجُرتِ بِصَمصامٍ على بانةِ النقا ... وصلتِ على الألبابِ في حدِّ قاضبِ
تلقَّفتِ ذات الفخر والمجد والتُقى ... وصــــحــــتِ فلا ردٌّ عليكم بذاهبِ
فما تلك إلّا بنت عزٍّ أميرةٌ ... كريمة أصلٍ تاج رأس المناصبِ
تــــنــــاءَت عــــن الآل الكرام وغادرت ... حريزَ النُهى ما بين سلبٍ وسالبِ
صروح المعالي أظلمت حومة الضحى ... وأمست شؤونُ الدمع خال الهواضبِ
غدت ورقها خرساءَ من بعدها بها ... وقد أزعج الأسماعَ صعقُ النواعبِ
وأمسى بها القمري لدى البينِ نائحاً ... حنين اليتامى من خطوب الشطائبِ
ينادي على الركبان سيروا بنا الفضا ... لِنَنسابَ مثل الصلِّ بين السباسبِ
نجوب مفازاتٍ نجدّ السرى عسى ... يروق لنا وجدنا خير الحسائبِ
ألا صادحات الحي حيي على الصبا ... عساها تناجينا ببعض الجوائبِ
فهلّا مآبٌ بعد ذا البعد والنوى ... أيُحمَدُ عودٌ عند ربعٍ مراقبِ
أعــــلّل فــــكــــري بــــالأيــــاب وإنما ... أراني بأشجاني خليطَ السَراهبِ
أخـــــادع نـــــفـــــســـــي عــــلَّ ذلك كــــاذبٌ ... وليس بأخبار المنون بكاذبِ
لكم ذوَّبت قلباً وأبكت محاجراً ... وكم أظلمت أنوار زاهي الثواقبِ
وكــــم هــــدَّمــــت أركــــان صــــرحٍ مُمرَّدٍ ... من السُرّ بالضراءِ فعل الخوالبِ
إلى م أيا ذا الموت ذا الجور في الورى ... وحتى م لا ترتاد غمد القواضبِ
فما ضرَّ بالأكوان قِدماً وطالما ... يضرُّ البرايا في شديد التجارب
كما قد أضرَّ الناس في خطف شمسهم ... برأد الضحى إبان غض الشبائبِ
صبيَّةـــ عين الدهر بل روح روحه ... مليكة لطف الكون عزُّ المطانبِ
ليبكِ عليها الآلُ ما ذرَّ شارقٌ ... ومــــا بــــان عِــــرسٌ في أكفٍّ خواضبِ
ليـــــبـــــكِ نــــداهــــا كــــل لاجٍ وســــائلٍ ... لقد فَرَّ بذلُ المال عن كل طالب
ليبكِ صروحُ المجد دهراً تاسفاً ... عـــــلى نـــــوح ورقٍ حـــــاســـــراتٍ عــــواذبِ
ليبكِ ربوعُ الأنس ما قد توحَّشت ... وقد عُزَّ عنها حسن نيل المآربِ
ليبكِ عفافٌ قد تسىمى بشأنها ... وتجري شؤونٌ منهُ غمر السحائب
لعمري بكاها الكون طرّاً كما لقد ... أجاد الجمادُ الصمُّ صبغَ المعاذبِ
أهذي فعال الشؤُم أم لؤم حاسدٍ ... أحلّا لنا بالخِلب لسعَ العقاربِ
فسحيي شؤوني والمحاجر عندما ... ويــــا حرَّ قلبي دُم كضربة لازبِ
حذارِ أيا من كان بالعمر طامعاً ... ولا تنخدع فالموت بين المناكبِ
حذارِ أيا من كان باللهو غافلاً ... تنصَّحـــ فإن اللهو أقبح خالبِ
حذارِ أيا من كان كالطفل لاعباً ... فغاية زهو اللعب ضُرُّ الملاعبِ
ألا أيــــن كــــســــرى أيــــن دارا وتَّبــــعٌ ... وباقي ملوك الكون مع كل عاقبِ
ألا أين فرسان الرهان وسبقُهُم ... ومن كان قهّاراً خميس الكتائبِ
ألا أين قوّاد الجيوش وفخرهم ... تساووا بسكنى الرمس في كل قاشبِ
وأين ذوو الألباب مع حزم رائهم ... ومــــا ذلَّلواهُ مــــن جسيم الحوازِبِ
ألا أين أرباب الصدور وعلمهم ... فغابوا من في الكون ليس بغائبِ
ألا أيــــن ربّــــات الخدور وحُجبُها ... مضينَ ولم تبقى بحجب الحواجبِ
فمن كان ذا حزمٍ إلى اللَه يتَّقي ... وليــــس بــــغــــير اللَه مرءٌ بغالبِ
كما قد تسامت بالصلاح وبالتُقى ... أميرتنا هندٌ بحسن العواقبِ
وحازت مقاماً لن يُبارى من المَلا ... وسادت علاءً في صنيع العجائبِ
ومن طهرها قد ضاءَ بالرخ درُّها ... ونالت لدى الرحمان أسمى المراتبِ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الباء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- اللمع: لمع: لَمَعَ الشيءُ يَلْمَعُ لَمْعاً ولَمَعَاناً ولُمُوعاً ولَمِيعاً وتِلِمّاعاً وتَلَمَّعَ، كلُّه: بَرَقَ وأَضاءَ، والْتَمَعَ مِثْلُهُ؛ قَالَ أُمية بْنُ أَبي عائذ: وأَعْفَتْ تِلِمّاعاً بِزَأْرٍ كأَنه ... تَهَدُّمُ طَوْدٍ … (لسان العرب)
- المراتب: رتب: رَتَبَ الشيءُ يَرْتُبُ رتُوباً، وتَرَتَّبَ: ثَبَتَ فَلَمْ يَتَحَرَّكْ. يُقَالُ: رَتَبَ رُتُوبَ الكَعْبِ أَي انْتَصَبَ انْتِصابَه؛ ورَتَّبَه تَرتِيباً: أَثْبَتَه. وَفِي حَدِيثِ لُقْمَانَ بْنِ عَادٍ: رَتَبَ رُتُوبَ ال … (لسان العرب)
- المراكب: ركب: رَكِبَ الدابَّة يَرْكَبُ رُكُوباً: عَلا عَلَيْهَا، وَالِاسْمُ الرِّكْبة، بِالْكَسْرِ، والرَّكْبة مرَّةٌ واحدةٌ. وكلُّ مَا عُلِيَ فَقَدْ رُكِبَ وارْتُكِبَ. والرِّكْبَةُ، بِالْكَسْرِ: ضَرْبٌ مِنَ الرُّكوبِ، يُقَالُ: ه … (لسان العرب)
- المناقب: نقب: النَّقْبُ: الثَّقْبُ فِي أَيِّ شيءٍ كَانَ، نَقَبه يَنْقُبه نَقْباً. وشيءٌ نَقِيبٌ: مَنْقُوب؛ قَالَ أَبو ذؤَيب: أَرِقْتُ لذِكْرِه، مِنْ غيرِ نَوْبٍ، ... كَما يَهْتاجُ مَوْشِيٌّ نَقِيبُ يَعْنِي بالمَوْشِيِّ يَراعةً. و … (لسان العرب)
- المواهب: وَهَبَ: فِي أَسماءِ اللَّهِ تَعَالَى: الوَهَّابُ. الهِبةُ: العَطِيَّة الخاليةُ عَنِ الأَعْواضِ والأَغْراضِ، فإِذا كَثُرَتْ سُمِّي صاحِبُها وَهَّاباً، وَهُوَ مِنْ أَبنية المُبالغة. غَيْرُهُ: الوَهَّابُ، مِنْ صفاتِ اللَّهِ … (لسان العرب)
- بالبين: بين: البَيْنُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ جَاءَ عَلَى وجْهَين: يَكُونُ البَينُ الفُرْقةَ، وَيَكُونُ الوَصْلَ، بانَ يَبِينُ بَيْناً وبَيْنُونةً، وَهُوَ مِنَ الأَضداد؛ وشاهدُ البَين الوَصل قَوْلُ الشَّاعِرِ: لَقَدْ فَرَّقَ الواش … (لسان العرب)