ما أَقرب الآمال من يد مُرْتجٍ
الشاعر: حازم القرطاجني · البحر: الكامل
هذه القصيدة من شعر حازم القرطاجني، من المغرب والأندلس، وتقع في 82 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف الجيم.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
ما أَقرب الآمال من يد مُرْتجٍ ... يقْضي الإِلهُ له بفتح المُرْتَجِ
وأَحقَّ من يهدي لمنهجِ رشده ... إن يستبينَ له اتِّضاحُ المنهج
فانظر بعينِ هُداكَ لا عينِ السِّوى ... وبنور عقلك فاستضئْ واستسْرج
وإذا لهجتَ من الأُمورِ بمأْربٍ ... فيما يؤدِّي للسلامة فالهجِ
وإذا هويتَ فلا تكنْ متهالكاً ... في الحبِّ بل متماسكاً كي تنتجي
فالحبُّ مثلُ البحرِ يأْمَنُ من مشى ... فــــي شطِّهـــ ويخافُ كلُّ مُلجِّج
فاسلكْ سبيلَ توسّطٍ فيه تُصِبْ ... والى التبسُّطِ فيه لا تُسْتدرج
وإذا عرتكَ من اللَّيالي شدَّةٌ ... فاعلم بأَنَّ مآلها لتفرُّجِ
لا تيأَسنْ من رَوح ربِّكــ وارجُهُ ... في كلِّ حالٍ فهو أَكرمُ من رُجِي
ولئن نهجتُ من النصيحة في الهوى ... لذوي البصيرةِ فيه ما لم يُنْهَجِ
فأَنا الذي أَفنى التناهي في الهوى ... نفسي وما أَبقى على قلبي الشجي
وبمهجتي من لم يُعَوِّضْ أَضلعي ... من مهجتي غير الهوى المتأَجّج
ظبيٌ تحرَّج من وصالٍ محبّه ... وابتزَّ مهجته ولم يتحرَّج
وصَلَتْ به قَطْعَ الفلا عيسٌ متى ... تُـــــدْلِجْ تـــــؤوِّبُ أو تــــؤوب تُــــدْلج
ناديت حاديهم وقلبي يشتكي ... من لاعج الأَشواق كلّ مُؤجّج
يا حاديَ الأَظعانِ كم من مهجةٍ ... حملت حمُولك في أَعالي هودج
قد أَثقلتها نُهَّدٌ أَضْحَتْ بها ... قبل الوجى تمشي كما يمشي الوجي
حُدِيت بها من بعد ما حُدِجَت لها ... ليت النواجي للنوى لم تُحْدج
تهفو القلوبُ إذا هَفت أَخفاقها ... بحصًى كحَبَّات القلوب مُضرَّج
رفقاً بها وبأَنفسٍ في إثرها ... تنساقُ في أَثر المطايا الوسَّج
حطوا بدورَ الحسنِ فوق أَهلَّةٍ ... مــــن واخــــداتٍ بــــالهوادج هدَّج
كتبتْ إليَّ بلحظها فأَجبتها ... عمَّاــ كتبن بخطِّ لحظٍ مدمج
وجعلتُ كُتبَ الدمع في كتب الضنا ... في وصف أَسرار الهوى كالمُدْرَج
خُلِطت يواقيتٌ هناك لأدمع ... مزجت بلؤلُؤِ أدمع لم تمزج
وغدتْ دموعُ الدلِّ تجري الكحل في ... ورد الخدود فينثني كبنفسج
كم حَمَلوا يوم الوداع حمولهم ... من جؤذر أَحْوى وظبي أَدعج
من كلِّ دامي الطَّرف ليس إذا رمى ... كفيه في قُتراتِهِ بالمُتْلِج
كم لوعةٍ عالجتُ حين تحمَّلوا ... بالناعجاتِ لعالج ولمنعج
كم بتُّ بعدهمُ بليلٍ لم يلح ... من بعده صبحٌ ملم يتبلَّج
طالت غياهبه فلم يَتفرَّ عن ... فـــــلق لذي أَرَقٍ ولم يـــــتـــــفـــــرَّج
حتَّى استضأْت ببدر آفاق العلا ... أليعربيّ الياسري المَذْحجي
وتطلع ابنُ أبي الحسينِ لناظِري ... كتطلُّع الصبح المنير الأَبلج
فسعدتُ يا بن سعيدٍ الأَعلى أبي ... عبد الإِله ونلتُ ما أَنا أَرتجي
الحاجبِ الأَعلى الذي مُذْ فَتَّحتْ ... يُمناهُ أبوابَ المنى لم تُرْتَج
ذخرُ الإِمام المجتبى وعياذه ... ومنيرُ غيهبِ كلِّ خطبٍ مدّج
وأَمينُ سرِّ مقام حضرته إذا ... ناجى النصيحة مخلصاً فهو النَّج
صُبْح الرجا بدرُ الدُّجى غيثُ الندى ... ليث الوغى الماضي بكلِّ مدجَّج
بحر العلوم الطافح الطامي الذي ... بسوى نفيسِ الدرِّ لم يَتَموَّج
طودُ العلوم الرَّاسخ الرَّاسي الذي ... بسوى النجوم الزُّهرِ لم يَتَتَوَّجِ
سبطُ الرضا عمارٍ الهادي الذي ... ما رسمُ مَنْهَجِ رُشْدِهِ بالمُنْهَجِ
صحبَ الرسولَ فحاز كلَّ فضيلةٍ ... لمــــهــــاجــــريه وأَوسِهِ والخزرَجِ
شهد النبيُّ له بخيرِ شهادةٍ ... كانت نتيجةَ كلِّ فضلٍ منتج
قالت ملائكة السماء لوجهه ... قد طبتَ فاصعدْ للسعادةِ واعرج
لقيَ الملائكةَ الكرام بغرَّةٍ ... أبهى من القمر المنيرِ وأَبهجِ
يَنْمِيهِ كلُّ مُقَلدٍ بحلَى العُلا ... ومكلَّلٍ بالمكرمات مُتَوَّجِ
رثَ العلا بأواصرٍ من يعرُب ... لعناصر من مجد يعرُبَ وشج
من كلِّ من دَرج الزَّمان بشخصه ... وكـــــأنّه مـــــن ذكـــــره لم يُـــــدْرَج
يبلي الجديدان الجديدَ من الحلى ... وحلا علاه جديدة لم تُنْهَجِ
بهدى أبي اليقظان عمار اقتدى ... أهــــدى وأرشــــدُ كــــلِّ سارٍ مُدْلجِ
وابن الكرام بأنْ يُرى كأبيه في ... كسب المكارم والعلى قَمِنٌ حجِ
ما أنسه بسوى دلاص زعفَةٍ ... أو صــــــارمٍ أو ذابـــــلٍ أو أعـــــوج
من كلِّ ساجي الطَّرف سام أذنه ... أو صــــــارمٍ أو ذابـــــلٍ أو أعـــــوجِ
بذرى الجبال له توقل عاقل ... وعلى السهول له ارتماء الأَموجِ
يلقى الصفاح البيضَ غيرَ مُعَرِّدٍ ... ويصادم الخرصان غير مُعَرِّجِ
ولكم قد انغلَّتْ بجلدته كما ... ينغلُّ في السرحان شوكُ العوسجِ
تركت مطايا الآملين لما سقت ... يمناه ما يسقيه صوبُ الزبرجِ
فتجمّ أنفسها لورد جمامه ... بصدودها عن برد ماء الحشرجِ
وتصدُّ عن رعيِ الجميمِ كأنّها ... تلقى من البهمى أخلّة ملهجِ
لفظت بحورُ علومه بلآلئٍ ... مكنونة وتنزَّهتْ عن بَهْرجِ
غاصت خواطره بها واستخرجت ... من درّه المكنون ما لم يُخرجِ
متولّج من علم كلِّ حقيقةٍ ... ودقيقةٍ ما ليس بالمتولّج
جمع الخلاصةَ من كتابٍ محكمٍ ... وصريحهُ بدخيلهِ لم يمزجِ
وأزالَ من جَدَلِ النحاةِ وقولهم ... وجميع ما اختلقوه ما لم يُحْتَجِ
كم عند مولانا الخليفةِ خصَّني ... بــــمــــعــــطّر من ذكره ومؤرّجِ
ولكم جلا عنِّيــ الهموم وسرَّني ... بمفرِّجٍ من صنعه ومفرّجِ
يا سيداً صيَّرته لمطالبي سنَداً ... فــــلســــتُ إلى ســــواه بــــمــــحْــــوَجِ
لجَّتْ بصدري غُصَّةٌ من حالةٍ ... ضاقتْ عليَّ وإن تَشَأْ لم تَلجُجِ
وجميلُ صنعك عودةً أو بدأةً ... إنْ شاءَ تفريجَ الهموم تُفَرَّجِ
بل فضلُ صنعك واجب فالقولُ إن ... داخلته لم يلفَ غير مُثَبَّجِ
يا مَنْ يُسَرُّ بأنْ ينالَ بك الغنى ... بأسرّ منك بأن تُنيلَ وألهجِ
فبأيِّ وصفٍ أنت أولى عندما ... تولي الغنى أبِمُبْهِجٍ أم مُبْهَجِ
بل أنتَ أكرمُ من غدا مستبشراً ... ومبشّراً لذوي الرجاء إذا ارتجي
فتَّحتَ من باب المنى ما لم يكنْ ... متفتحاً وفرجت ما لم يُفْرجِ
فاخرتَ خُطَّابَ العلا ففخرتهم ... وظفرتَ بالقِدْحِ المعلَّى الأَبلَجِ
ظفرَ الكريم الحارِثيّ أخي بني ... عبد المدان بخطبة ابنة مدلجِ
حيّتك زهرةُ مدحة أَرواحُها ... تــــسْــــري إلى الأَرواحِ ذات تــــأرّجِ
هزجت سواجعها بروضِ ثنائكم ... والطَّير مهما تلفِ روضاً تهزجِ
أرّجت أنفاسَ الرِّياح بنشرها ... ونسيمها فاسمعْ لشعر مؤرّجِ
غلباء يرتج في مدائحها على ... من ليس في مدح عليه بمرتجِ
والمدح ليس يجيء إلاّ قاصراً ... عنكم ولو بلغ السها في المعرجِ
فاخلد وقِرَّ بكلِّ من أنجبتَه ... وبكلِّ من أحببتَ عيناً وابهجِ
وكما سعدتَ من الزَّمان بما مضى ... فاسعدْ بما هو حاضر وبما يجي
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف الجيم، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- التبسط: بسط: فِي أَسماء اللَّهِ تَعَالَى: الباسطُ، هُوَ الَّذِي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ وَيُوَسِّعُهُ عَلَيْهِمْ بجُوده وَرَحْمَتِهِ ويبسُط الأَرواح فِي الأَجساد عِنْدَ الْحَيَاةِ. والبَسْطُ: نَقِيضُ القَبْضِ، بسَطَه يبسُ … (لسان العرب)
- المرتج: رتج: الرَّتَجُ والرِّتاجُ: البابُ الْعَظِيمُ؛ وَقِيلَ: هُوَ الْبَابُ المُغْلَقُ. وَقَدْ أَرْتَجَ البابَ إِذا أَغلقه إِغلاقاً وَثِيقًا؛ وأَنشد: أَلم تَرَني عاهَدْتُ رَبِّي، وإِنَّني ... لَبَيْنَ رِتَاجٍ مُقْفَلٍ ومَقَامِ … (لسان العرب)
- المنهج: نهج: طريقٌ نَهْجٌ: بَيِّنٌ واضِحٌ، وَهُوَ النَّهْجُ؛ قَالَ أَبو كَبِيرٍ: فأَجَزْتُه بأَفَلَّ تَحْسَبُ أَثْرَهُ ... نَهْجاً، أَبانَ بِذِي فَريغٍ مَخْرَفِ والجمعُ نَهجاتٌ ونُهُجٌ ونُهوجٌ؛ قَالَ أَبو ذؤَيب: بِهِ رُجُماتٌ بي … (لسان العرب)
- بفتح: فتح: الفَتْحُ: نَقِيضُ الإِغلاقِ، فَتَحه يَفْتَحه فَتْحاً وافْتَتَحه وفتَّحَه فانْفَتَحَ وتَفَتَّحَ. الْجَوْهَرِيُّ: فُتِّحَت الأَبواب، شُدِّدَ لِلْكَثْرَةِ، فتَفَتَّحتْ هِيَ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَ … (لسان العرب)
- تنتجي: نتج: النِّتاجُ: اسْمٌ يَجْمع وضْعَ جميعِ البهائِمِ؛ قَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ فِي النَّاقَةِ وَالْفَرَسِ، وَهُوَ فِيمَا سِوى ذَلِكَ نَتج، والأَول أَصح؛ وَقِيلَ: النِّتاجُ فِي جَمِيعِ الدَّوابِّ، والوِلادُ فِي الْغَنَمِ، وإِ … (لسان العرب)