جَــــلَلٌ هَــــزَّ كــــلَّ رُكْــــنٍ وهَــــدَّا

الشاعر: علي الجارم · البحر: الخفيف

هذه القصيدة من شعر علي الجارم، من العصر الحديث، وتقع في 81 بيتًا. نُظمت على بحر الخفيف، ورويّها حرف الدال.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

جَــــلَلٌ هَــــزَّ كــــلَّ رُكْــــنٍ وهَــــدَّا ... ومصابٌ رَمَى القُلوبَ فأَرْدَى

كلُّ صَدْرٍ به أَنينٌ وَوَجْدٌ ... مُرْسِلٌ خَلْفَه أنِيناً ووَجْدا

عَبَراتٌ من ساكبٍ ليس تَرْقَا ... ووَجيبٌ مِنْ خَافِقٍ لَيْس يَهْدَا

ونشيجٌ أقضَّ من مَضْجَعِ اللّيْلِ ... وماجتْ له الكواكِبُ سُهْدا

فزِعَتْ مصرُ فزْعةً طَارَ فيها ... كلُّ عقْلٍ عن الرَّشَادِ ونَدّا

هَرَعَتْ ساعةَ الوَداعِ تُفِيضُ الدَّمْعَ ... بَحْراً وتُرسِلُ الشَّوقَ وقْدَا

أمّةٌ هالَها المُصَابُ فهامَتْ ... تستَحِثُّ الْخُطَا شُيوخاً ومُرْدا

خَرَجَتْ مِن خِبائِها كُلُّ خَوْدٍ ... لم تُقنِّعْ رأساً ولم تُخْفِ خَدَّا

أعْجَلَتْها مُصيبَةُ الوَطنِ المفْجُوعِ ... أنْ تَــــخْــــتَبِي وأنْ تَتَردَّى

زُمَرٌ تَلْتَقِي على الْحُزْنِ والْيَأْ ... سِ وحَشْدٌ بَاكٍ يُزَاحِمُ حَشْدا

وبِحَارٌ من الأنَاسِيِّ ماجَتْ ... مُزْبداتٍ يَجِشْنَ جَزْراً ومَدَّا

وجِبَالٌ تَسِيرُ في يَوْم حَشْرٍ ... كلُّ فِنْدٍ تَراهُ يَتْبَعُ فِنْدا

فوْق سَطْحِ البُيوتِ كالنَّحْلِ فانْظُرْ ... ثُــــمّ إِيَّاكَ أنْ تُحَاوِلَ عَدَّا

كلُّ بَيْتٍ قدْ عَافَ أحْجارَهُ الصُّمَّ ... وأَضْحَى دَماً ولَحْماً وجِلْدا

والمَيادِينُ كُلُّها أُمَمٌ تُزْ ... جَى كما تُكْدَسُ السّحائبُ رُبْدَا

فإِذا شئتَ أن تَرَى الأرضَ أرْضاً ... كنْتَ ممن يُحاولُ الأمْرَ إِدّا

نَفَسٌ واحدٌ جميعاً وقلبٌ ... لفــــؤاد يَئِزُّ شَوْقاً وصَهْدا

ودُعاءٌ يَمُرُّ بالصَّدْرِ بَرْقاً ... فإِذا انْسَابَ منه أصْبَحَ رَعْدا

وخُشوعٌ من الْجَلالِ تَراءَى ... وجَلالٌ من الخشوعِ تَبَدَّى

حَمَلوه وإِنما حَمَلُوا آ ... مَالَ شَعْبٍ بزَهْرِها الغَضِّ تَنْدَى

حَمَلوا حامِيَ الحَقيقةِ والدِّينِ ... كما تَحْمِلُ المَلائكُ عَهْدا

حَمَلوا كَوْكباً أشَعَّ على مِصْرَ ... سَناً مُبْصِراً وهَدْياً وسَعْدا

ما عَلى الدّهْرِ مَرَّةً لَوْ تَوانَى ... أو عَلَى الدَّهْرِ ساعة لو تَهَدَّا

لَفَحَتْ رِيحُهُ أزاهيرَ آما ... لٍ ملأْنَ الوُجودَ مِسْكاً ونَدّا

وَعَدَتْ كَفُّهـــ عَلَى دَوْحةٍ كا ... نتْ تَمُدُّ الظِّلالَ في مِصْرَ مَدّا

وَجَدَتْ مِصْرُ في ذَراها سَلاماً ... وطوَتْ في ظِلالِها العَيْشَ رَغْدا

قدْ نَعَينا فَرداً به كان عَصْراً ... وفَقَدْنا عَصْراً به كان فَرْدا

دَوْلةٌ فاقت الكواكِبَ نُوراً ... وأنَافَتْ عَلَى الكواكبِ بُعْدا

علَّمَتْ كلَّ مَالِكٍ كيف تُرْعَى ... أُممٌ حاطَها المُلوكُ تُهْدَى

رفــــــع الشَّرقُ رأسَه بِـــــفُـــــؤَادٍ ... ونَضَا عَنْه يأسَهُ فاسْتَجَدَّا

ومَضَى يَسْبِقُ الْخَواطِرَ وثْباً ... وجَرَى يُجْهِدُ الأمَانِيَّ وَخْدا

وأتَتْ كلُّ أُمّة ترتجِي مِصْرَ ... وِدَاداً وتَــــنْهَــــلُ العــــلم وِرْدا

كَعْبةٌ حَجّتْ الوُفُودُ إِليها ... تَسْتَحِثُّ الرِّكَابَ وَفْداً فَوَفْدا

حَفَزَتْها لعَرْشِ مِصْرَ أمانٍ ... بِنَشِيدِ الوَلاَءِ والْحُبِّ تُحْدَى

فَرأتْ حَزْمَ جاهِدٍ لَنْ يُبارَى ... ورأتْ جُهْــــدَ حــــازمٍ لن يُحَدّا

أبصَرُوا المُلْكَ في جَلالةِ مَعْنا ... هُ يُباهي السَّمَاءَ عِزّاً ومَجْدا

أبْصَرُوا دَوْلة ومُلْكاً كَبِيراً ... ومِرَاساً يُعْيي الزَّمانَ وجُهْدا

هِمّةٌ تَفْرَعُ النُّجومَ وعَزْمٌ ... سلَبَ السَّيْفَ حدَّه والفِرنْدَا

ومَضَاءٌ في الحَادِثاتِ برأْيٍ ... فَضَح الصُّبْحَ نُورُه وتَحدَّى

يَستمدُّ الإِلهامَ من عالِمِ الغَيْبِ ... وأجْدِرْ بمثله أنْ يُمَدّا

دَفَعَ الشعْبَ للسبيل فكانت ... من سَنا هَدْيه أماناً ورُشْدا

مُلْهِباً عَزْمَه إِذا اجتازَ غَوْراً ... مُسْتَحِثّاً إِذا تسلَّقَ نَجْدا

كلّما خَارَ أجزأتْ بسمةٌ مِنْه ... فَمدَّ الخُطَا حَثِيثاً وجَدّا

ومَضى كالقَضَاءِ يَهْوِي لِمَرْمَا ... هُ جَريئاً مُجَمَّعَ القَلْبِ جَلْدَا

يَبْهَرُ الصَّخرَ أنْ يَرَى منه صَلْداً ... آدميَّ الرُّواءِن يَقْرَعُ صَلْدا

لا يُبالي إذا سَعَى للمعَالي ... خَبَط الشوْكَ أم تَوطَّأَ وَرْدَا

وفُــــؤَادٌ أمــــامَه خَــــيْرُ هادٍ ... قادَ لِلْغَايةِ البَعيدَةِ جُنْدا

كانَ لِلْمُقْدِمين رُوحاً وقلْباً ... ولِرَكْب السَّارِينَ كَفَّاً وزَنْدا

لو دَعَأهُم إِلى النُّجوم لَسَاروا ... خَلْفَه يُزْمِعُون للنَّجْمِ قَصْدا

وإِذا اليأسُ مَسَّهُم كان عَطْفاً ... وسَلاماً عَلَى القُلُوبِ وبَرْدا

نَظْرةٌ مِنْه تَبْعَثُ الأمَلَ الوَا ... ني وتُحْيِي منه الذي كان أوْدَى

كان رِدْءاً لِمصْرَ إِنْ جَارَ دهْرٌ ... وصِمَاماً لأمْنِها إِنْ تَعَدَّى

ساسَ بالحِكْمةِ البِلاَدَ فكانَتْ ... من عَوَادِي الزَّمانِ دِرْعاً وسَدّا

فَهْو إِنْ شَاءَ صيّر الغِمْدَ سيْفاً ... وإِذا شاء صَيَّر السَّيْفَ غِمْدَا

قد أعدّتْه رَحْمةُ اللّهِ لِلْحُكْمِ ... كَرِيماً مُبَارَكاً فاسْتَعَدّا

ورَعَى اللّهَ في الرّعِيّةِ والملكِ ... فــــــــــوفَّى حــــــــــقَّ الإِلهِ وأَدَّى

أينَما سِرْت مَشْرِقاً تَلْقَ شُكْراً ... أو توجَّهْتَ مَغْرِباً تَلْقَ حَمْدا

وإِذا اللّهُ رَامَ إِصْــــلاحَ شَعْبٍ ... سَلَكَ القَائدُ الطَّريقَ الأسدَّا

إِنّما النَّاسُ بالملوكِ وأَغْلَى ... الْمُلْكِ شَأْواً ما كانَ حُبّاً وَوُدّا

رَد بالْحَزْم كلَّ خَطْبٍ سِوَى المَوْ ... تِ ولِلْمَـــــوْتِ صَـــــوْلَةٌ لَنْ تُــــرَدّا

والفَتَى في الْحَياةِ رهْنُ عَوَادٍ ... لا يَرَى دُونَ مُلْتَقَاهُن بُدّا

حَكَمَ الموتُ في الأنَامِ فَسَوَّى ... لم يَدَعْ سَيِّداً ولم يُبْقِ عَبْدا

بَيْنما يَسْحَقُ النِّمالَ تَراهُ ... باسِطاً كفَّهــ لِيَقْنِصَ أُسْدا

يا مَليكي والْحُزْنُ يَطْحَنُ نَفْسي ... كلّما قُلْتُ خَفَّ قال سَأَبْدا

أيْنَ عزُّ المُلْكِ الّذي كانَ للآ ... مالِ في سَوْحهِ مَرَاحٌ ومَغْدَى

أين تلكَ الهِبَاتُ للعِلْمِ تُزْجَى ... كلُّ رِفْدٍ فيها يُزَاحِمُ رِفْدا

أينَ أينَ القُصّادُ في ساحةِ القَصرِ ... وأين الصِّلاتُ تُعْطَى وتُسْدَى

أين ذاكَ الْجَبِينُ ينضَحُ نُوراً ... أين ذاكَ الْحَدِيثُ يَقْطُر شَهْدا

قد فَقَدْناهُ والمُصَابُ جَلِيلٌ ... وجَمِيلُ العَزَاءِ بالْحُرِّ أجْدَى

نــــحــــنُ للّهِ راجِــــعُــــون وكــــل ... بالغٌ في مَجَالةِ العُمْرِ حَدّا

غَير أنّ الفَتَى يُغَالِبهُ الدَّمْعُ ... فلا يستطيعُ للدَّمْعِ صَدَّا

كلُّ مَهْدٍ يَصيرُ مِنْ بَعْد حينٍ ... قَصُرَ العُمْرُ أو تَطَاولَ لَحْدَا

قَدْ مَلأْتُ الوُجودَ شَدْواً بِمَدْحِيكَ ... وهَل غيْرُ مِزهَرِي بكَ أشْدَى

خَــــالداتٌ مِــــنَ الجــــلاَئلِ أوْلَتْ ... شِعْرِيَ المُزْدَهي بوصْفِك خُلْدا

كَتبَ اللّهُ أنْ يَعُودَ رثاءً ... وبُكَاءً يُدْمِي العيونَ وكَمْدا

قد نظَمْتَ العُلاَ قِلادَةَ دُرٍّ ... فَنظمْتُ الدّموعَ أَرْثيكَ عِقْدا

أمَلُ الشَّعْبِ في خَليفَتِك الْفَا ... رُوقِ أحْــــيَــــا آمــــالَه وأجَــــدّا

قرأ الشَّعْبُ في مَلاَمِحِه الغُرِّ ... سُطورَ المُنَى وأبْصَر جَدّا

ورأَى فيه نَبْعةَ المجدِ والنُّبْلِ ... أَبــــاً مُفْردَ الجلالِ وجَدّا

لم يجِدْ للعُلاَ سواه مَثِيلاً ... ولبَــــدْرِ الســــماءِ إِلاَّهُ نِدّا

رحمةُ اللّهِ للمليكِ المُسَجَّى ... ورَعَتْ عينُه المليكَ المُفَدَّى

البحر والقافية

القصيدة على بحر الخفيف. من أعذب البحور وأكثرها شيوعًا بعد الطويل والكامل، خفيف على السمع يصلح لأغراض كثيرة.

تفعيلاته: فاعلاتن مستفعِ لن فاعلاتن.

القافية: رويّها حرف الدال، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:

  • ترقا: رقأ: رَقَأَتِ الدَّمْعَةُ تَرْقَأُ رقْأً ورُقُوءًا: جَفَّتْ وانْقَطَعَتْ. وَرَقَأَ الدمُ والعِرْقُ يَرْقَأُ رَقْأً ورُقُوءًا: ارتفَع، والعِرْقُ سَكَنَ وانْقَطَع. وأَرْقَأَهُ هُوَ وأَرْقَأَهُ اللَّهُ: سَكَّنه. وَرَوَى الْ … (لسان العرب)
  • تقنع: قنع: قَنِعَ بِنَفْسِهِ قَنَعاً وقَناعةً: رَضِيَ؛ وَرَجُلٌ قانِعٌ مِنْ قَوْمٍ قُنَّعٍ، وقَنِعٌ من قوم قَنِيعِينَ، وقَنِيعٌ مِنْ قَوْمٍ قَنِيعينَ وقُنَعاءَ. وامرأَة قَنِيعٌ وقَنِيعةٌ مِنْ نِسْوَةٍ قَنائِعَ. والمَقْنَعُ، بِ … (لسان العرب)
  • جلل: جَلَلَ: اللهُ الجَليلُ سُبْحَانَهُ ذُو الجَلال والإِكرام، جَلَّ جَلال اللَّهِ، وجَلالُ اللَّهِ: عظمتُه، وَلَا يُقَالُ الجَلال إِلا لِلَّهِ. والجَلِيل: مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَقَدَّسَ وَتَعَالَى، وَقَدْ يُوصَفُ بِهِ الأَمر … (لسان العرب)
  • خافق: خفق: الخَفْقُ: اضْطِراب الشَّيْءِ العَرِيض. يُقَالُ: راياتُهم تَخْفِق وتَخْتَفِقُ، وَتُسَمَّى الأَعلامُ الخَوافِقَ والخافِقاتِ. ابْنُ سِيدَهْ: خَفَقَ الفؤَاد والبرْق والسيفُ والرايةُ وَالرِّيحُ وَنَحْوُهَا يَخْفِقُ ويَخْ … (لسان العرب)
  • خبائها: خبأ: خَبَأَ الشيءَ يَخْبَؤُه خَبْأً: سَتَرَه، وَمِنْهُ الخابِيةُ وَهِيَ الحُبُّ، أَصلها الْهَمْزَةُ، مِنْ خَبَأْتُ، إلَّا أَن الْعَرَبَ تَرَكَتْ هَمْزَةٌ؛ قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: تَرَكَتِ الْعَرَبُ الْهَمْزَ فِي أَخْبَيْتُ … (لسان العرب)
  • ساكب: سكب: السَّكْبُ: صَبُّ الماءِ. سَكَبَ الماءَ والدَّمْعَ ونحوَهما يَسْكُبُه سَكْباً وتَسْكاباً، فسَكَبَ وانْسَكَبَ: صَبَّه فانْصَبَّ. وسَكَبَ الماءُ بنفسِه سُكوباً، وتَسْكاباً، وانْسَكَبَ بِمَعْنًى. وأَهلُ الْمَدِينَةِ يَق … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • قصيدة
  • لُبنانُ روضُ الهوى والفنِّ لُبنانُ
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة