فقيد القناة
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
أطالَ الرُّقاد حليفُ السَّهروألقى العصا بعدَ طول السَّفر
وكَفَّ عن النَّبض قلبٌ كبيرٌبأضلاعهِ ليلةً ما استَقَّر
تُردِّدُ دقَّاتهُ اسمَ الحمىكما ردَّدَ النَّغماتِ الوتر
ويخفُقُ خفقًا بحبِّ السلامكما يخفقُ الطيرُ فوقَ الشَّجرَ
عرَتْهُ -على غرةٍ- سكتةٌفلا قلبَ إلا عليه انفطر
قضى فجأَة! ما شكا علَّةًولا عزمُهُ بفُتور شعر
ولا عادهُ عائدٌ في الفراشِولا ناله في الفراش الضَّجر
ولا جُوِّعَ المرَّ مرَّ الدواءِولا وخَزَتْ مَنكبِيه الإبر
ولكن شكت بعده مصرُ داءًعُضالاً وجُرحًا عميقَ الأثر
كذلك كانَ لطيفًا بهوكان عنيفًا علينا القدر
مضت بعدَك الأربعون، فأينَجمالُ الأصيلِ وسحرُ السّحر؟
وحلَ الربيعُ وأنتَ بعيدٌفهل للربيع بهاءٌ بَهَر؟
يذكِّرنا بك نفحُ الرِّياضِومرُّ النَسِيمِ، وضوءُ القَمَر
كأنك صُوِّرتَ من كلِّ هذاأو انتُزعَتْ منك تلك الصُّور
لعمرُك، ما نسِيَتْك بلادٌوهبتَ لها النفسَ منذُ الصِّغر
ترى مصرُ روحَك في كلِّ نجمٍيغيبُ، وفي كلِّ نجمٍ ظهر
إذا حدَّثَتْ، كنت أنتَ الحديثَوإن سَمَرت، كنتَ أنت السَّمَر
وقد تُفصحُ العَبَرَاتُ الغِزارُإذا أدرَك الناطقين الحَصَر
وليتَ بمصرَ زمامَ القضاءِفما كنت في العدل إلا عُمر
وما كنتَ إلا كيوسُفَ حينَأصيبت بسبعٍ عجافٍ أُخَر
وهل نسيتَ مصرُ يومَ القناةِوما يومُها غيرُ يومٍ أَغَرّ؟
دعاكَ جمالٌ لإنقاذِهافكنتَ لها المُنقذَ المنتَظَر
رويدك! لم تُلْق مصرُ السلاحَولا إنجاب عنها ضبابُ الخطر
فقَدناك فقدَ الغريب الدليلَفَقَدناك فقد الفلاةِ المطر
ومن ذا يجيبُ القناةَ إذا ماأهابت بفارسها المدَّخَر؟
ليهنِكَ: أنَّك ما متَّ إلاوغرسُ يمينِكَ داني الثَّمر
بفضِلكَ صينَتُ حقوقُ البلادورُدَّ «القنالُ» إلى من حفر
أدرتَ الأمورَ بعزمة ليثٍومُقلةِ صقْرٍ شديد الحذر
إلى أن أقرَّ لمصرَ العدوُّوآمنَ كرهًا بها من كَفَر
عصَفْتَ «بإيدنَ» عصفَ الرياحِوقالوا: استقالَ، فقلنا: انتحر
غِنَى الشَّرق أنت إذا الشرق يومًاإلى الساعِد الأجنبيِّ افتَقَر
ومثلُكَ يملأُ كلَّ فراغٍويقطعُ حجَّةَ «أَيْزِنْهَوَر»
وليس الفراغُ بشرقٍ وغربٍولكنَّه في رءوس البشر
لعمريَ، ما كنتَ إلا شهيدًاعلى الخصم -قبلَ المماتِ- انتصر
قد اقتَرَنَ اسمُك باسم القناةِوخلَّدَ ذكرَك هذا المَمَرّ
وصُوِّرَ شخصُك فوقَ الضفافِهنالك، لا هيكلاً من حَجَر
ولكنها صورةٌ من شُعاعٍوروحٍ يَراها الحِجا، لا البصر
إذا كانَ رمزَ الخَنا «دِيلسِبْسُ»فإِنك رمزُ العُلا والظَّفَر
فيا آَلَ حلمي، وما آَلُ حلميسوى أسرةٍ من كِرام الأُسَر
عزاءً! فإنَّ الكريم إذا ماأصيبَ بفَقدِ عزيزٍ صبر!
مصابٌ كبيرٌ! ولكنْ لكُمقلوبٌ تضارعُهُ في الكِبر
كفى أنَّه: مات عفًّا، نزيهًاله سيرةٌ كأَريج الزَّهر
له سيرةٌ يتَحَدَّى الورودَشذاها، وما الناسُ إلا سيرَ
تشاطرُكُم رزءَهُ مصرُ طرًّابل النيلُ أجمعه، بل مُضر
مشى خلفهُ الشَّعب سيلاً، وسيلٌسواه على الوَجَنَات انحدر
إلى سترة تشرئبَ العيونُفيحجُبُ دمعُ العيون النظر
وقد خيَّم الحزنُ فوقَ الجميعِوأجَّجَ بين الضلوع الشَّرَر
يُسَائل كلٌّ أخاه: متى؟وكيف؟ وعند القضاء الخبر
وكم سائرٍ سارها خُطوةًفلمَّا تخطَّى سواها عثر
فِروا وعظكم، أيها الواعظونَفكم في المنايا لنا من عِبَر
أَلاعيبُ نحن بكفِّ القضاءِهو الصولجانُ، ونحنُ الأُكر
عن القصيدة
«فقيد القناة» من شعر محمود غنيم، من العصر الحديث، وتقع في ٥١ بيتًا. ورويّها حرف الراء.
وفي ميزان العرب: مكتبةٌ من أمهات كتب الأدب والأخبار والتراجم ← · أمثال العرب وقصصها ←
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.