إرادة الحياة

الشاعر: أبو القاسم الشابي · البحر: المتقارب

«إرادة الحياة» من شعر أبو القاسم الشابي، من العصر الحديث، وتقع في 66 بيتًا. نُظمت على بحر المتقارب، ورويّها حرف الراء.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

إذا الشعبُ يومًا أراد الحياة ... فلا بدّ أن يستجيب القدرْ

ولا بــــدَّ لليل أن ينجلي ... ولا بــــدّ للقيد أن ينكسرْ

ومن لم يعانقْه شوْقُ الحياة ... تبخَّرَ في جوِّها واندثرْ

فويل لمن لم تَشُقهُ الحيا ... ة من صفْعة العدَم المنتصرْ

كذلك قالت ليَ الكائناتُ ... وحدثني روحُها المستترْ

***** ... ودمدمتِ الرِّيحُ بين الفِجاج

وفوق الجبال وتحت الشجرْ: ... إذا ما طمحتُ إلى غايةٍ

ركبتُ المُنى, ونسِيت الحذرْ ... ولم أتجنَّب وعورَ الشِّعاب

ولا كُبَّةَ اللّهَب المستعرْ ... ومن يتهيب صعود الجبال

يعش أبَدَ الدهر بين الحفرْ ... فعجَّتْ بقلبي دماءُ الشباب

وضجَّت بصدري رياحٌ أخَرْ... ... وأطرقتُ, أصغي لقصف الرعودِ

وعزفِ الرياحِ, ووقعِ المطرْ ... *****

وقالت لي الأرضُ - لما سألت: ... أيا أمُّ هل تكرهين البشرْ؟

أُبارك في الناس أهلَ الطموح ... ومن يستلذُّ ركوبَ الخطرْ

وألْعنُ من لا يماشي الزمانَ ... ويقنع بالعيْشِ عيشِ الحجَرْ

هو الكونُ حيٌّ, يحبُّ الحياة ... ويحتقر المَيْتَ, مهما كبُرْ

فلا الأفْق يحضن ميْتَ الطيورِ ... ولا النحلُ يلثم ميْتَ الزهرْ

ولولا أمُومةُ قلبِي الرّؤوم ... لَمَا ضمّتِ الميْتَ تلك الحُفَرْ

فويلٌ لمن لم تشُقه الحيا ... ة, مِن لعنة العدم المنتصِرْ!

***** ... وفي ليلة من ليالي الخريف

مثقَّلةٍ بالأسى, والضجرْ ... سكرتُ بها من ضياء النجوم

وغنَّيْتُ للحُزْن حتى سكرْ ... سألتُ الدُّجى: هل تُعيد الحياةُ,

لما أذبلته, ربيعَ العمرْ؟ ... فلم تتكلّم شفاه الظلام

ولم تترنَّمْ عذارى السَّحَرْ ... وقال ليَ الغابُ في رقَّةٍ

مُحَبَّبَةٍ مثل خفْق الوترْ: ... يجئ الشتاءُ, شتاء الضباب

شتاء الثلوج, شتاء المطرْ ... فينطفئُ السِّحرُ, سحرُ الغصونِ

وسحرُ الزهورِ, وسحرُ الثمرْ ... وسحرُ السماءِ, الشجيُّ, الوديعُ

وسحرُ المروجِ, الشهيُّ, العطِرْ ... وتهوِي الغصونُ, وأوراقُها

وأزهارُ عهدٍ حبيبٍ نضِرْ ... وتلهو بها الريحُ في كل وادٍ,

ويدفنُهَا السيلُ, أنَّى عبرْ ... ويفنى الجميعُ كحُلْمٍ بديعٍ,

تألّق في مهجةٍ واندثرْ ... وتبقى البذورُ, التي حُمِّلَتْ

ذخيرةَ عُمْرٍ جميلٍ, غَبَرْ ... وذكرى فصولٍ, ورؤيا حياةٍ,

وأشباحَ دنيا, تلاشتْ زُمَرْ ... معانقةً - وهي تحت الضبابِ,

وتحت الثلوجِ, وتحت المَدَرْ - ... لِطَيْفِ الحياةِ الذي لا يُمَلُّ

وقلبِ الربيعِ الشذيِّ الخضِرْ ... وحالمةً بأغاني الطيورِ

وعِطْرِ الزهورِ, وطَعمِ الثمرْ ... *****

ويمشي الزمانُ, فتنمو صروفٌ, ... وتذوِي صروفٌ, وتحيا أُخَرْ

وتُصبِحُ أحلامُها يقظَةً, ... مُوَشَّحةً بغموضِ السَّحَرْ

تُسائل: أين ضبابُ الصباحِ, ... وسِحْرُ المساء? وضوء القمرْ؟

وأسرابُ ذاك الفَراشِ الأنيق? ... ونحلٌ يغنِّي, وغيمٌ يمرْ؟

وأين الأشعَّةُ والكائناتُ? ... وأين الحياةُ التي أنتظرْ؟

ظمِئتُ إلى النور, فوق الغصونِ! ... ظمِئتُ إلى الظلِ تحت الشجرْ!

ظمِئتُ إلى النَّبْعِ, بين المروجِ, ... يغنِّي, ويرقص فوقَ الزّهَرْ!

ظمِئتُ إلى نَغَماتِ الطيورِ, ... وهَمْسِ النّسيمِ, ولحنِ المطرْ

ظمِئتُ إلى الكونِ! أين الوجودُ ... وأنَّى أرى العالَمَ المنتظرْ؟

هو الكونُ, خلف سُباتِ الجمودِ ... وفي أُفقِ اليقظاتِ الكُبَرْ

***** ... وما هو إلا كخفقِ الجنا

حِ حتى نما شوقُها وانتصرْ ... فصَدّعت الأرضَ من فوقها

وأبْصرتِ الكونَ عذبَ الصُّوَرْ ... وجاء الربيعُ, بأنغامِه,

وأحلامِه, وصِباه العطِرْ ... وقبَّلها قُبَلاً في الشفاهِ

تعيدُ الشبابَ الذي قد غَبَرْ ... وقال لها: قد مُنِحْتِ الحياةَ

وخُلِّدْتِ في نسلكِ المُدّخَرْ ... وباركَكِ النُّورُ, فاستقبلي

شبابَ الحياةِ وخِصْبَ العُمرْ ... ومَن تعبدُ النورَ أحلامُه,

يُبَارِكُهُ النّورُ أنّى ظهرْ ... إليكِ الفضاءَ, إليكِ الضياءَ

إليك الثرى, الحالمَ, المزدهرْ! ... إليكِ الجمالَ الذي لا يَبيدُ!

إليكِ الوجودَ, الرحيبَ, النضِرْ! ... فميدي - كما شئتِ - فوق الحقولِ,

بحلوِ الثمارِ وغضِّ الزّهَرْ ... وناجي النسيمَ, وناجي الغيومَ,

وناجي النجومَ, وناجي القمرْ ... وناجي الحياةَ وأشواقَها,

وفتنةَ هذا الوجود الأغرْ ... *****

وشفَّ الدجى عن جمالٍ عميقٍ, ... يشُبُّ الخيالَ, ويُذكي الفِكَرْ

ومُدّ على الكون سِحرٌ غريبٌ ... يُصَرّفــــه ساحرٌ مقتدرْ

وضاءت شموعُ النجومِ الوِضاءِ, ... وضاع البَخُورُ, بخورُ الزّهَرْ

ورفرف روحٌ, غريبُ الجمال ... بأجنحةٍ من ضياء القمرْ

ورنَّ نشيدُ الحياةِ المقدّ ... سُ في هيكلٍ, حالمٍ, قد سُحِرْ

وأعْلِنَ في الكون: أنّ الطموحَ ... لهيبُ الحياةِ, ورُوحُ الظفَرْ

إذا طمحتْ للحياةِ النفوسُ ... فلا بدّ أنْ يستجيبَ القدر

البحر والقافية

القصيدة على بحر المتقارب. بحر سريع متلاحق التفعيلات، يصلح للحماسة والملاحم والقصص لتدفّق إيقاعه.

تفعيلاته: فعولن فعولن فعولن فعولن.

القافية: رويّها حرف الراء، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:

  • الحذر: حذر: الحِذْرُ والحَذَرُ: الْخِيفَةُ. حَذِرَهُ يَحْذَرُهُ حَذَراً واحْتَذَرَهُ؛ الأَخيرة عَنِ ابْنِ الأَعرابي، وأَنشد: قلتُ لقومٍ خَرجُوا هَذالِيلْ: ... احْتَذِرُوا لَا يَلْقَكُمْ طَمالِيلْ ورجلُ حَذِرٌ وحَذُرٌ[[. قوله: [ … (لسان العرب)
  • الشعاب: شعب: الشَّعْبُ: الجَمعُ، والتَّفْريقُ، والإِصلاحُ، والإِفْسادُ: ضدٌّ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: وشَعْبٌ صَغِيرٌ مِنْ شَعْبٍ كبيرٍ أَي صَلاحٌ قلِيلٌ مِنْ فَسادٍ كَثِيرٍ. شَعَبَه يَشْعَبُه شَعْباً، فانْشَعَبَ، وشَعَّبَه … (لسان العرب)
  • الفجاج: فجج: الفَجُّ الطَّرِيقُ الْوَاسِعُ بَيْنَ جَبَلين؛ وَقِيلَ: فِي جبَل أَو فِي قُبُلِ جَبَل، وَهُوَ أَوسع مِنَ الشِّعْبِ. الفَجُّ: المَضْرِب الْبَعِيدُ، وَقِيلَ: هُوَ الشِّعْب الْوَاسِعُ بَيْنَ الجبَلين، وَقَالَ ثَعْلَبٌ: … (لسان العرب)
  • تبخر: بخر: البَخَرُ: الرَّائِحَةُ الْمُتَغَيِّرَةُ مِنَ الْفَمِ. قَالَ أَبو حَنِيفَةَ. البَخَرُ النَّتْنُ يَكُونُ فِي الْفَمِ وَغَيْرِهِ. بَخِرَ بَخَراً، وَهُوَ أَبْخَرُ وَهِيَ بَخْرَاءُ. وأَبْخَرهُ الشيءُ: صَيَّرَه أَبْخَرَ. … (لسان العرب)
  • تشقه: شقه: فِي الْحَدِيثِ: نَهَى عَنْ بَيْعِ التَّمْرِ حَتَّى يُشْقِهَ؛ قَالَ ابْنُ الأَثير: جَاءَ تَفْسِيرُهُ فِي الْحَدِيثِ الإِشْقاه أَن يَحْمَرَّ ويَصْفَرَّ، وَهُوَ مِنْ أَشْقَح يُشْقِح، فأَبدل مِنَ الْحَاءِ هَاءً، وَقَدْ … (لسان العرب)
  • جوها: جها: الجُهْوَةُ: الاسْتُ[[. قوله [الجُهْوَة الاست إلخ] ضبطت الجهوة في هذا وما بعده بضم الجيم في الأصل والمحكم، وضبطت في القاموس كالتهذيب بفتحها]]. وَلَا تُسَمَّى بِذَلِكَ إِلا أَن تَكُونَ مَكْشُوفَةً؛ قَالَ: وتَدْفَعُ ال … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • إذا الشعب يوما أراد الحياة
  • خلقت طليقا كطيف النسيم
  • يا أيها الطفل الذي قد
  • أيها الحب أنت سر بلائي
  • سأعيش رغم الداء والأعداء
  • مرح الطفولة
  • بيت بنته لي الحياة من الشذى
  • راعها منه صمته ووجومه