صدى الجلاء
الشاعر: محمود غنيم · البحر: الوافر · الغرض: قصيدة رومانسية
«صدى الجلاء» من شعر محمود غنيم، من العصر الحديث، وتقع في 69 بيتًا. نُظمت على بحر الوافر، ورويّها حرف الميم، وغرضها قصيدة رومانسية.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
سَرَى في الكنانة مَسْرَى النَّغَمْ — فأصغَتْ له لَبِنَاتُ الهَرَمْ
وهزَّ أبا الهول في خِدْرِهِ — فأرهَفَ أُذْنَيْه، ثم ابَتَسَمْ
ودَبَّ إلى أعْظُم الشُّهَداءِ — فكادَتْ تَهَشُّ بوادي العَدَمْ
ورفَّت تسائلُ أَرواحُهم: — أحانَ الجلاءُ؟ فقلنا: نَعَمْ!
لهُ اللّـهُ من موثقٍ مبرمٍ — على صَفَحَاتِ القلوب ارتَسَمْ!
أعادَ حقوق البلادِ وردًّ — لها من كرامتها ما انْثَلَمْ
مُنىً أرَّقَتْ مصرَ سبعين عامًا — ومَنْ رام درْكَ المنى لم يَنَمْ
حصدْنَا سنابلَها من حقولٍ — رَوينَ بدمعٍ صَبيب ودَمْ
ورُبَّ شبابٍ أغرِّ الجبينِ — كبَدر السماءِ إذا البدرُ تَمْ
مضى للكفاحِ، كليل السلاحِ — بغيرِ عزيمِته ما التَأمْ
رأى المَوْتَ يفْغَرُ فاهُ لهُ — لم يتقَهْقَرْ، ولكن هَجَمْ
فخرَّ شهيدَ الحمى هاتفًا — لمصرَ بقلبٍ جريحٍ وفَمْ
فهذا الذي خَطَّ سِفْرَ الجلاءِ — وبالدَّم في صَكِّهِ قَد خَتَمْ
مضى الاحتلالُ، وما الاحتلالُ — سوى وصمةِ العار بين الأمَمْ!
بقيةُ إرثِ قرون خلَتْ — على الظُّلْمِ قد طُبَعتْ والظُّلَمْ
حملناهُ جرحًا بكلِّ فؤادٍ — وهمًّا على كلِّ صدر جَثَمْ
وما كان في العين إلا القَذَى — وما كان في الجسم إلا السَّقَمْ
إذا ما استكانت له أُمَّةٌ — فما أهلُها بشَرٌ؛ بل نَعَمْ
ومَنْ قَبِلَ الظُّلْمَ فهْوَ الملومُ — وليس المَلامُ على من ظَلَمْ
ولن يَحملَ القيدَ حرٌّ أبيٌّ — ولن يلبسَ الطَّوقَ شَعبٌ أشَم
له في الكرامة ماضٍ مجيدٌ — وسابقةٌ في العلا والكَرَمْ
وما مصرُ إلا مهادُ العلوم — ورمزُ الحضارةِ منذُ القِدَمْ
ولو أقسمَتْ أنها هيَ أمُّ الـ — وجودِ لما حِنثَتْ في القَسَمْ!
دَعُونَا نـحسُّ جمالَ البلادِ — وما استُودِعَتْ من جزيلِ النِّعَمْ
فبئسَ النعيمُ نعيمُ الجِنانِ — إذا ضمَّهُ وَطَنٌ مُهْتَضَمْ!
وهل للبلاد المُبَاحَةِ ماءٌ — به يُرْتَوَي أو هواءٌ يُشَم؟
وما أقبَحَ الأرضَ أرضَ الحمَى — إذا داسها غاصبٌ بالقَدَمْ!
وما أقَبحَ الجوَّ إن شَمَّ منه — عدوُّ البلاد رقيقَ النَّسَمْ!
ولن تسلمَ الأرضُ حتى تصير — جحيمًا على الغاصبين اضْطَرَمْ
وبحصِبَهُمْ بحرُها بالشُّواظِ — ويقذِفَهُمْ جوُّها بالحُمَمْ
أُساةُ البلادِ قد استأصَلُوا — بِمبضِعِهم داءَها؛ فانـحسَمْ
فما عاد ينْغرُ جرحُ البلادِ — ولا يشتكي جسمُها من أَلَمْ
وليس لمعتمرٍ معقِلٌ — بمصرَ إذا عرشُ مصرَ انهدَمْ
همو حطَّموا صنَمًا قائمًا — وثنَّوْا بعُبَّاد هذا الصَّنَمْ
هَوَى المَلِكُ الضخمُ عن عرشه — فما ذلك الشَّحْمُ إِلا وَرَمْ
ولم تبقَ منه سوى ذكرياتٍ — تلوحُ كطَيْف خيالٍ أَلَمّ
لقد مكَّنَ الله للظالميـ — ـن حينًا من الدهر ثم انتَقَمْ
أَلا إن للمستبدِّين يومًا — يَعضُّون فيه بنَانَ الندَمْ!
هو الجيش طهَّرَ أرضَ البلادِ — وجمَّعَ شملَ الحمى فانتظمْ
وصيَّرَ أقواتَها قسمةً — وما كان أعدَ لَهُ إذ قَسَمْ:
فما عاد يشكو الفقيرُ الطَّوَى — ولا عاد يشكو الغنيُّ البَشَمْ!
بني مصرَ، هذا زمانُ القوىِّ — فكونوا السباعَ، ومصرُ الأَجَمْ
إذا عاثَ في أرضكم عائِثٌ — فقولوا له: تلك أرضُ الحَرَمْ!
يقولون: عهدُ الضياءٍ، وكم من — ظلامٍ بعَهْدِ الضياء ادْلَهَمّ!
وأقسمُ، لن يتساوى الأنام — فما هُم سوى سادةٍ أو خَدَمْ
وما برحَ الناسُ شَطرَيْن: منهم — ذئابٌ جياعٌ، ومنهم غَنَمْ
فلا تأمَنوا جانب الأقوياءِ — فكم وضَعُوا سُمَّهْم في الدَّسَمْ!
وكم أخْلَفَ الأقوياء لنا مِنْ — وعُودٍ، وكم خَفَرُوا من ذِمَمْ!
وكم أبهَمُوا عند وضع النُّصوصِ — فكانَ لصالحهم ما انبَهَمْ
كذلك شَرْعُ القويِّ إذا ما — تَقَاضَى: هو الخَصْم، وهْوَ الحَكَمْ
إذا شاء، أعْطَى الحقوقَ احتسابًا — وإن شاءَ من كل حقٍّ حرَمْ
وكم غَفَرَ الناسُ ذنبَ القويِّ — وكم ألصَقُوا بالضعيف التُّهَمْ
بني مصرَ، هذا زمانُ المُجِدِّ — فأينَ الجُهُودُ وأينَ الهِمَمْ؟
وأين الذي يقطعُ الأرض وثْبًا — ولا ينثني عزمُهُ إن عَزَمْ؟
ألا، فارفعوا صوْتَ مصرَ إلى أنْ — يرنَّ صداهُ بأذْن الأصَم
وخَلُّوا السُّفوحَ لكل ضعيفٍ — وحُطُّوا الرِّحَالَ بأعلى القِمَمْ
أقيموا الصِّناعاتِ في أرضِكُمْ — وسَوُّوا الهِضَابَ، وروَّوا الأكَمْ
ولا تُسرفُوا في الأماني. يَموتُ — مِنَ الجوع مَنْ بالأماني ائْتَدَم!
أرى الأرضَ جاشَتْ بسُكانها — فَلا تقفُوا خَشْيَةَ المُزْدَحَمْ
فإنَّ الشُجاعَ شجاع السّلام — إذا صادَفَ العَقَباتِ اقتَحَمْ
وإنَّ الحياةَ مجالُ كفاحٍ — فويلٌ لمن في المجال انهَزَمْ
بني العُرْبِ، سُودُوا كأسلافكم — وخَلُّوا الفَخَارَ ببالي الرِّمَمْ
فليس الذي هَدَّ إرثَ الجُدودِ — كَمَنْ شَادَ ما أسَّسُوا أو دَعَمْ
وبالوَحْدةِ الخِصامَ على التُّرَّهَاتِ — فما ساد شعبٌ عليها اختَصَمْ
وما فكَّكَ الشَّعبَ مثلُ النزاعِ — إذا هُوَ بينَ بنيه احتَدَمْ
سحَبْنَا ذيولَ الخلافِ قديمًا: — فذلك سَبَّ، وهذا شَتَمْ
فلم نكتسبْ من وراءِ الخلافِ — سوى أنَّ عِقْدَ البلادِ انفصَمْ
بَني العُرْب، هذي نجومُ السماءِ — فأينَ حفرْتُمْ مكانَ العَلَمْ؟
عُيونُ الممالكِ قد أحدَقَتْ — بكم، والمُؤَرِّخُ سَلَّ القَلَمْ!
البحر والقافية
القصيدة على بحر الوافر. بحر موسيقيّ متدفّق يصلح للحماسة والفخر والغزل، سُمّي وافرًا لوفور حركاته.
تفعيلاته: مفاعلتن مفاعلتن فعولن.
القافية: رويّها حرف الميم — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- ابتسم: ابْتَسَمَ يَبْتَسِمُ ابْتِسَاماً : ضحك أيسر الضحك وأقلَّه؛ ابتسم له الحظّ.
- ارتسم: ارْتَسَمَ يَرْتَسِمُ ارْتِساماً :- الشيءُ: بدت علاماته؛ ارتسم الفرح على وجهه حين صدر الحكم ببراءته.- مراسِمَهُ: سار على خطاه؛ كان معجباً بسلوك أستاذه وطريقة عمله فارتسم مراسمه،- الأمرَ: أمتثله؛ رسم له الرئيس خطة العمل فا …
- الجلاء: جَلَأَ: جَلَأَ بالرَّجُل يَجْلَأُ بِهِ جَلْأً وجَلاءَةً: صَرَعَه. وجَلَأَ بثَوْبه جَلَاءً: رَمَى به.
- النغم: نغم: النَّغْمةُ: جَرْسُ الْكَلِمَةِ وحُسْن الصَّوْتِ فِي الْقِرَاءَةِ وَغَيْرِهَا، وَهُوَ حسَنُ النَّغْمَةِ، وَالْجَمْعُ نَغْمٌ؛ قَالَ سَاعِدَةُ بْنُ جُؤَيّة: وَلو انَّها ضَحِكت فتُسمِعَ نَغْمَها ... رَعِشَ المَفاصِلِ، ص …
- الهرم: هرم: الهَرَم: أقْصى الكِبَر، هَرِمَ، بِالْكَسْرِ، يَهْرَمُ هَرَماً ومَهْرَماً وَقَدْ أَهْرَمَه اللهُ فهو هَرِمٌ، مِنْ رِجَالٍ هَرِمِينَ وهَرْمَى، كُسِّر عَلَى فَعْلى لأَنه مِنَ الأَسماء الَّتِي يُصابُون بِهَا وَهُمْ لَهَ …
- انثلم: انْثَلَمَ يَنْثَلِمُ انْثِلاَماً :- الشيءُ: انكسرت حافَّته؛ ما زال يضرب بالسيف حتى انثلم حدُّه-- عليه القومُ: تجمَّعوا من كل ناحية.
- بوادي: الوَادِي : كلُّ مُنفرَج بين الجبال والتِّلال والآكامِ، سُمِّيَ بذلك لِسيلانِهِ، يكونُ مسلكاً للسَّيْلِ وَمَنْفَذاً رَبَّنَا إنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ/ حُلَّ بِوَادِيه، أي نزل به المكروه …
- تسائل: تَسَايَلَ يَتَسَايَلُ تَسَايُلاً : سالَ؛ يتسايل الماءُ من الصُّنبور المعطَّل. ـ ت الكتائِبُ وغيرُها: تقاطرت من كلّ جهة؛ تسايلت جماعات المتفرّجين إلى الملعب.