زفـــاف الفاروق
الشاعر: محمود غنيم · البحر: الطويل
«زفـــاف الفاروق» من شعر محمود غنيم، من العصر الحديث، وتقع في 71 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الدال.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
طربتْ لعُرْسِك مصرُ، يا ابنَ فؤادِ — فكأن عرسَك ملتقى الأعيادِ
بالفطر، والأضحى الكنانةُ تحتفي — فيهِ، وبالنيروز، والميلاد
في كل قلب مِهرجانٌ قائم — وبكل أُذْن قامَ يهتف شاد
مَلِك قد اقترن السرورُ بعهده — فكأنما كانا على ميعاد
أوَ ما ترى قلب الدجى متوهِّجًا — يحكي فؤادَ الصبِّ يومَ بعاد؟
نُقشت حواشي الليل نقش صحيفة — بالنور، لا ببراعَةٍ ومداد
لم تبد أنجمُهُ لترسل ضوءَها — لكن لتشهده من الشهّاد
غَنّوْا لفاروق؛ فألفْيتُ اسمه — أشجى صدىً من رنة الأعواد
وزهت ثريَّاتٌ حلفت بأنها — ليست كنور جبينه في النادي
قذفوا «النيازك» في الفضاء، فخلتها — مشبوبةً من عزمه الوقاد
أغنته عن باق الزهور خلائقٌ — نفَّاحةٌ، مثلُ الزهور نواد
ماذا أقول عن البدور وعُرسها؟ — عرس البدور يجل عن إنشادي
خلِّ الشباب الغضَّ في ريْعانه — وعراقة الآباءِ والأجداد
ودع العلا والمجدَ -ويحك- جانبًا — في الصمت ما يغني عن التعداد
نثروا الزهورَ، وقمتُ أنثر بينهم — شعري. وشعري طارفي، وتلادي
إن الزهور قصيرةٌ أعمارُها — وقصائدي تبقى على الآباد
شعرٌ تودُّ الحورُ عند سماعِهِ — لو صُغنَ منه قلائد الأجياد
قل للشباب: أصبتَ آيةَ قدوة — في شخص فاروقٍ، وأكبرَ هاد؟
لما رأى وَلَع الشباب بكل ما — في الغرب، صاح بهم وقال: بلادي
وبنى بها ريحانةً، مصريةً — معصومة من هجنة الأولاد
عذراء نضَّرت الكنانة عودَها — من أهل بيت ناطق بالضاد
رشفت من النيل العتيق رحيقه — وتَفيَّأَتُ منه ظلال الوادي
ولو ابتغى شمس الضحى عِرسا له — لرأيتها هبطت من الآراد
قل للغريب بقلبه وغرامه: — ما أقفرت مصر عن الأغياد
لا تبن بامرأة، وتهدم منزلاً — خيرُ الزواج تزاوج الأنداد
لستم بمصرِّيين حتى تؤثروا — مصرًا بكل محبة ووداد
كم فوق شط النيل أهيفُ شادنٌ — فتن الغصون بقده المياد
من عهد فاتنة القياصر لم تزل — مصرٌ مراحَ نواعم الأجساد
فاروقُ، كم لك آية شعبيةٌ — كبرى تمس شَغاف كلِّ فؤاد
أحصنتَ في شرخ الشباب، وطالما — ألقى الشباب إلى الهوى بقياد
قالوا: كبحتَ النفسَ، قلنا: فارس — يعتاد منذ صباه كبح جياد
ومن الشبيبة: حكمةٌ، ورجولة — لا تُحسبُ الأعمار بالأعداد
هات المسَرةَ، واسق شعبك إنه — شعبٌ إلى كأس المسرة صاد
لم يستظلَّ بمثل عرشك مذ هوَى — عن عرشه فرعونُ ذو الأوتاد
درجت قرون، وهْو عانٍ مرهقٌ — يكفيه ما عاناه من إجهاد
وطن عريق من شبيبتك اكتسى — حللَ الشباب قشيبةَ الأبراد
حتى سألتُ: أمصر في شرخ الصبا — أم مصر أقدم من ثمودَ وعاد؟
طوَّقتَ أعناق البلاد بطول ما — أسديت من مِنَنٍ وبيض أياد
فعجبت: كيف أسرت مصرًا بعدما — حررتها من رق الاستعباد؟!
يا ثالثَ العُمَرين، أنت أريتنا — بالعين ما يُرْوى عن الزهَّاد
قد جئت في جيل يُصلِّي جاهدًا — ويصومُ، لا لله، بل للزاد
حرصوا على الدنيا، وكلُّ جديدة — تبلى، وكلُّ ذخيرة لنفاد
فلعل أنفسهم بِهَدْبك تهتدي — فتروجَ سوقُ الروح بعد كساد
وهي الحنيفة: دين كلِّ حضارة — وعدالة، وهداية، ورشاد
شاء المهيمن أن تكون عمادَها — ما كان يتركها بغير عماد
اختلتَ في بُرد الزفاف، وفي غد — تختال في برد النبيِّ الهادي
إن الخلافة كلما ذكر اسمها — شخصتْ إليك حواضرٌ، وبواد
يا رب يوم فيه قد وفدتْ على — مصرٍ، ومصرُ كثيرة الوفاد
إنا أوَيُناها غداةَ تشردت — وعدت على دار السلام عواد
أو ما استعار «التركُ» منا تاجها — لجبين «محمود»، ورأس «مراد»؟
مَن ذا سواك يُعيدُ عهد أميَّةٍ — بدمَشقَ والعباسِ في بغداد؟
أصميْتَ بالتقوى صدورَ معاشرٍ — مسخوا محيّا الدين بالإِلحاد
لله إذ ترد المُصلى خاشعًا — تسعى إليه بخطوك المتهادي!
وكأن ركبك لا يسير على الثرى — وكأن جبريلاً لركبك حاد
ملك يتوج مَفْرقيه بالتقى — نورُ الصلاح عليه أبلجُ، باد
عجبي له يخشى الزمانُ نزالَه — وعليه تبدو خشيةُ العُبَّاد!
إنما عجمنا عودَه؛ فإذا له — وجهُ البدور، وهمَّةُ الآساد
ما عيدُه إلا غداةَ تعدُّه — في شعبه فردًا من الأفراد
عرشٌ على الدستور قام أساسُه — فإذا به أرسَى من الأطواد
بُوِّئتَ، يا فاروق، عرشًا كان في — أيدي فراعنة بمصرَ شِداد
هم شاركوا الأرباب في ملكوتها — كم صاح صائحهم، وقال: عبادي
ضمنوا بقاء رسومهم، وجسومهم — والحادثاتُ: روائحٌ، وغواد
قُم، سائل الأهرام عن تاريخهم — ما فصَّل التاريِخَ مثلُ جماد
هنَّ الثقاتُ من الرواة، برئنَ من — عصبيَّة، وسلمن من أحقاد
فأعد لنا عهد الجدود، وهات ما — تركوا لمن تركوا من الأحفاد
هات الذخائرَ، والسلاح لأمة — عزلاء، واستكْثِرْ من الأجناد
هذا الزمان مسلحٌ، لا يحْتفي — بعهود سلم، أو صكوك حياد
أو ما رأيتَ الطامعين بخيلهم — حول الحمى، يقفون بالمرصاد؟
فاجعله -إنْ ذَاقوه- سُمًّا ناقعًا — واجعله -إن مسُّوه- شوكَ قتاد
فاروق، دُمْ، واسلم لشعب مخلص — بنفيسه، وبنفسه لك فاد
سل كل قلب في الكنانة نابضٍ — عما يريدُ، يجبْك: أنت مرادي!
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الدال — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- اقترن: اقْتَرَنَ يَقْتَرِنُ اقْتِراناً :- به: اتصلَ والتصقَ؛ اقترنَ العروسانِ بزواج ميمون.- الشيئانِ: تلازما؛ يقترن لقاؤهما والنقاش الحادّ/ تقترن الفيزياء الحديثة والرياضيات.
- بالفطر: فطر: فطَرَ الشيءَ يَفْطُرُه فَطْراً فانْفَطَر وفطَّرَه: شَقَّهُ. وتَفَطَّرَ الشيءُ: تَشَقَّقَ. والفَطْر: الشَّقُّ، وَجَمْعُهُ فُطُور. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ؛ وأَنشد ثَعْلَبٌ: شَقَقْتِ القلب …
- بعاد: عَادَ يَعُودُ عُدْ عَوْداً وعَوْدَةً ومَعَاداً : - إليه وله وعليه: رجع وارتدّ؛ عاد من السَّفَر / عَوْدٌ على بَدءِ، أي رجوع إلى البداية.-: الأمرُ كذا: صار إيّاه؛ عاد الثوبُ نظيفاً بعد غسله.- الشيءُ فُلاناً: أصابه مرة بعد …
- بعهده: العُهْدَةُ : كتابُ المحالفة والمبايعة؛ وقعت الدولتان على العهدة بينهما.-: التَّبِعةُ؛ عليه عُهدة القيام بهذا العمل.-: ما يوكل حفظه من أشياء إلى مسؤول؛ تركت مصاغي عُهْدة في المصرف/ تركته في عهدته، أي في كفالته.-: ضمان صحة …