ذكرى فريد !
الشاعر: محمود غنيم · البحر: الكامل
«ذكرى فريد !» من شعر محمود غنيم، من العصر الحديث، وتقع في 80 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف الدال.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
ذكرى يُرَدَّدُها الحمى ترديدا ... فتفوحُ مسكًا في البلاد وَعودا
تجري على شفة الزمان وسمعه ... نَغمًا، وتسري في الدماء وَقودا
لم يطوها الفَلكُ المدارُ، كأنها ... أخذت على الفلك المدارِ عهودا
أقسمتُ، لم يهتف بمصرٍ هاتفٌ ... إلا ذكرتُ مع الهتاف «فريدا»
اسنم يَمَسُّ من القلوب شَغافها ... فكأن أحرفه انتظمْن نشيدا
ويُعيد للذكرى صحائف كالضحى ... بيِضًا، وأخرى كالذوائب سودا
إني لمحتُ دم الشهادة في اسمه ... وقرأتُ فيه النفي والتشريدا
جُمعَ الضحايا كلُّهم في روضة ... أُنُفٍ فكان على الجميع عميدا
بالله فتِّشْ بين أطباق الثرى ... وانظر هنالك صارمًا مغمودا
صاغته مصرُ فلم تصُغه معدنا ... بل كان من أهرامها مقدودا
وابحث هنالك عن خطيب طالما ... رفع النداء، فأسمع الجلمودا
الهاتف الصدَّاحُ باسم بلاده ... يطوي به بحرًا، ويقطع بيدا
نشر القضية وهْي سر غامض ... حتى أحسَّ لها الوجودُ وجودا
والحربُ قائمةٌ على سيقانها ... يجري الصعيد بها دمًا وصديدا
ما كان جيشُ الظافرين بأسره ... ليُخيفه بطشًا ولا تهديدا
حَمل الأمانةَ بعد مصرع مصطفى ... ما ناءَ ظهرًا، أو تخاذل جيدا
وحبا البلاد بنفسه وبماله ... ولو استطاع حبا البلاد مزيدا
رجلٌ: محبة مصرَ سرُّ شقائه ... لولا محبة مصر عاش سعيدا
مِن أجلها هَجَرَ الأحبة، والكرى ... والعيشَ في ظل النعيم رغيدا
وأوى السجون كما أواها يوسفٌ ... حيًّا، فلما مات مات طريدا
إن لم تكن سبِطَ الرسول، فإنه ... أودى -كما أودى الحسين- شهيدا
أودى صريعَ الداء، يبري جسمه ... صفر اليدين، عن الديار بعيدا
ظمآنَ، هام بقطرة معسولة ... من نيل مصر فما استطاع ورودا
ما سال خلفَ سريره دمعٌ، ولا ... خفَّ السُّعاةُ إلى السرير وفودا
هيهات أنْ يُبكي غريبُ الدار، أو ... يلقى الحفاوةَ من يموت وحيدا!
قم، يا فريدُ، وأَتمِمِ الصرح الذي ... أسسَّتَه ضخم البناء، وَطِيدَا
إن كان في مصرٍ بناءٌ قائمٌ ... تُزهى به، فعلى أساسك شِيدا
الصيحة الكبرى بصوتك -وحده- ... دوَّتْ طبولا في الحمى، ورعودا
إن قام بعدك من يصيح، فإنما ... قد كنتَ مبتدئًا، وكان معيدا
لم ينقلوا الأقدام إلا بعدما ... مهَّدت أنت طريقها تمهيدا
ساروا وسرت، فكنت أنت طليعة ... لهمو، وكانوا في الصفوف جنودا
لم تَتَّخِذْ حبَّ البلاد تجارة ... أو سُلَّما تبغي عليه صُعودا
أو تحشد الدهماء خلفك موكبًا ... ليسير باسمك هاتِفًا ومشيدا
ما قمت تعلن عن جهادك مرةً ... أو تبتغي نظارةً وشهودا
بل كنت مثلَ النجم، يطوي أفقه ... والعين تحسبه يسير وئيدًا
حيَّيْتُ -في ذكراك- ذكرى مصطفى ... وعصابةٍ زأروا بمصرَ أسودا
سكنوا القبور؛ فما حوتهم أعظما ... وجماجمًا، بل لؤلؤًا منضودا
زيِنَتْ بهم مصرٌ، فلما استُشهدوا ... لبستهمو صحراءُ مصرَ عقودا
قادوا الحمى في فجر نهضته؛ فما ... عرفوا عن النهج السويِّ محيدا
لا صولة الحكم استخفَّتهم، ولا ... عاشوا لسلطان الحطام عبيدا
لا دَرَّ درُّ الحكم؛ كم أحنى لنا ... رأسًا، وعفَّر بالتراب خدودا!
قل للذي جعل المناصب والغنى ... ثمنَ الجهاد: لقد كسبت زهيدا
قُمْ، يا فريدُ، نجدِّدُ العهد الذي ... عاهدتنا ونزيده توكيدا
صان الحواريُّون -بعدك- عهدهم ... صون الكرام، وواصلوا المجهودا
نهضوا بحِمْلك، يا فريد، وإن يكن ... فوق الكواهل جندلاً، وحديدا
ما صاح صائحهم بملء لهاتِهِ ... إلا سمعنا صوتك المعهودا
قالوا لهم: «حزب الجلاء»، وإنه ... لقب يزيد مقامهم تمجيدا
«والله ما دون الجلاء ويومه ... يومٌ تسميه الكنانة عيدا»
الله يعلم، لستُ أبخس عاملاً ... حقًا، ولا أجزي الجميل جحودا
نفرٌ بهم دار النيابة تزدهي ... لا يقبلون أذىً بمصرَ أُريدا
لا يسمع المفتاتَ صوتَ أكفهم ... أو يعرفون لمبطل تأييدا
نابوا، فكانوا الناطقين برأيهم ... والمُنطقين الخائرَ الرِّعديدا
لم يقبلوها قيصريةَ قيصر ... لا نافذًا فيها، ولا منقودا
شَرْعُ النيابة ليس فيه مؤلَّه ... آراؤه لا تقبل التفنيدا
الله قد خلق الأنام سواسيًا ... لا ترْضَ إلا وجهَهُ معبودا
مَنْ لم يعش حُرًا على وجه الثرى ... فليتَّخذْ في بطنه أخدودا
قُمْ، يا فريدُ، تر الرجالَ تفرقوا ... شِيعًا، وبُدِّدَ شملهم تبديدا
سرت العداوة بينهم؛ فتنابزوا ... ونسُوا عدُوًّا للبلاد لدودا
سل مصر: هل ألقى السلاحَ جنودها ... أو حَققوا استقلالها المنشودا؟
المطلبُ الأسمى الذي من أجله ... ذَهبَ الضحايا، لم يزل مفقودا
ماذا أفادت مصر بعد جهادها ... إلا صحائفَ حُرِّرتْ وبنودا؟
هيهات! لا تمحو الوثائقُ وحدها ... ذلَّ الأسار، ولا تحل قيودا
قل للكماة الظافرين: بذلتمو ... بالأمس في عُرض المحيط وعودا
وكسبتمو عطف الشعوب، ونلتمو ... من أهل مصرَ العوْن والتعضيدا
وجرت بسعدكمو طوالعُ، لم تزَلْ ... تجري نحوسًا تارة، وسعودا
ماذا ادَّخرتم للكنانة في غد؟ ... أترى الكنانةُ حقَّها مردودا؟
العهد يقضي أن نعيش: حليفةً ... لحليفة، لا سيدًا، ومسودا
إن تشطروا النيل المباركَ، تقطعوا ... من مِصرَ خيطَ حياتها الممدودا
سودانُ مصرَ، ومصرُ: مملكة، فلا ... تضَعوا فواصلَ بينها، وحدودا
أخَوانِ من قِدَمَ. أليس كلاهما ... للنيل ذي حسب العريق وليدا؟
هذي مبادئكم، وتلك حقوقنا ... كالشمس؛ لا لبسًا، ولا تعقيدا
دار الزمان، وجدّ في دورانه ... عار علينا أن نظلَّ قعودا!
شعبٌ بني الأهرام عالية الذرا ... لم لا يؤمل في الحياة خلودا؟
لسنا نضنُّ على الحمى بدمائنا ... فلنا أوائلُ علَّمونا الجودا
مهما تفرقت المبادئ، تلتقي ... في حب مصرَ مقاصدًا وجهودا
حبُّ البلاد -لدى الجميع- عقيدة ... بين الجُنوب تُجاور التوحيدا
إنا على اسم الله سرنا، نقتفي ... مَلكَا موفقةً خطاه رشيدا
قد قلبت صفحاتها مصرٌ؛ فما ... وجدت كأسرته ملوكا صيدا
لم تلق مثل محمد جدًا، ولا ... كحفيده -زين الشباب- حفيدا
فاروق، إنك للكنانة كعبةٌ ... أمسى عليك رجاؤها معقودا
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف الدال، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- المدار: مدر: المَدَرُ: قِطَعُ الطينِ اليابِسِ، وَقِيلَ: الطينُ العِلْكُ الَّذِي لَا رَمْلَ فِيهِ، وَاحِدَتُهُ مَدَرَةٌ؛ فأَما قولُهُم الحِجارَةُ والمِدارَةُ فعَلى الإِتْباعِ وَلَا يُتَكَلَّم بِهِ وحدَه مُكَسَّراً عَلَى فِعالَة، … (لسان العرب)
- النفي: نفي: نفَى الشيءُ يَنْفِي نَفْياً: تنَحَّى، ونَفَيْتُه أَنَا نَفْياً؛ قَالَ الأَزهري: وَمِنْ هَذَا يُقَالُ نَفَى شَعَرُ فُلَانٍ يَنْفِي إِذا ثارَ واشْعانَّ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظي لعُمر بْنِ عَبْدِ … (لسان العرب)
- الهتاف: هتف: الهَتْفُ والهُتَافُ الصَّوْتُ الْجَافِي الْعَالِي، وَقِيلَ: الصَّوْتُ الشَّدِيدُ. وَقَدْ هَتَفَ بِهِ هُتَافاً أَي صَاحَ بِهِ. أَبو زَيْدٍ: يُقَالُ هَتَفْتُ بِفُلَانٍ أَي دعَوْتُه، وهَتَفْتُ بِفُلَانٍ أَي مدَحْته. وَ … (لسان العرب)
- سودا: سدا: السَّدْوُ: مَدُّ اليَدِ نحوَ الشَّيْءِ كَمَا تَسْدُو الإِبلُ فِي سيرِها بأَيديها وَكَمَا يَسدو الصِّبيانُ إِذَا لعِبُوا بالجَوْزِ فرَمَوْا بِهِ فِي الحَفيرة، والزَّدْوُ لُغَةٌ كَمَا قَالُوا للأَسْدِ أَزْدٌ، وللسَّرّ … (لسان العرب)
- شغافها: شغف: الشُّغافُ: دَاءٌ يأْخذ تَحْتَ الشَّراسِيفِ مِنَ الشِّقِّ الأَيمن؛ قال النابغة: وَقَدْ حالَ هَمٌّ دونَ ذَلِكَ والِجٌ ... مَكانَ الشُّغافِ تَبْتَغِيه الأَصابِعُ[[. في ديوان النابغة: شاغل بدل والج.]] يَعْنِي أَصابع الأ … (لسان العرب)