في مهرجــان دار العلـــوم
الشاعر: محمود غنيم · البحر: الكامل · الغرض: قصيدة غزل
«في مهرجــان دار العلـــوم» من شعر محمود غنيم، من العصر الحديث، وتقع في 73 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف الراء، وغرضها قصيدة غزل.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
خَلِّ العذَارىَ، لا يَرُقْنَكَ منظرا — هُنَّ الظِّباءُ صَرَعْنَ أسادَ الشَّرى
وملكْنَ قلبَكَ، لا يَرَوْنَ فَكَاكَهُ — أرأيتَ مَمْلُوكَ الغواني يُشْتَري؟
قلبٌ أرقُّ من النَّمِيرِ طلبتهُ — فوجدتُهُ من مقلَتَيَّ تحدَّرا
وهو الجَمالُ رأيت في تقديسِهِ — تقديس من بَرَأ الجمَالَ وصوَّرا
أحببتَه عفَّ الإِزارِ، وكم هَوّى — عَبِثَ الهوى بصفاتِه؛ فتكدَّرا!
لا تعذُلاني أن صَبَوْتُ بل اعذْلاَ — قلبي إذا هُوَ في الصَبَّابَةِ قَصَّرا
وإذا بحثتَ عن الغرام، وجدتَهُ — لتحرُّك الدمِ في عروقِكَ مَظْهَرا
من لم يحرِّكْهُ الجمالُ، فَمَيِّتٌ — كيف الحياة إذا الفؤَادُ تحجَّرا؟
قل لابن حُجْر: يا قَتِيلَ عُنَيْزَة — هَلاَّ شَهِدْتَ من الكنِانِة جؤذرا؟
هلا شهدتَ عِقيلَةً مِصْريَّةً — تنسيك ذاتَ الخِدْرِ، وابنةَ قَيْصرا؟
حضريَّة يُدْمِي بعيرُ عُنيزَة — بِزمامِهِ إبْهَامَها والخِنْصَرَا
أبتِ الرواسمَ، واستقَلَّتْ مَركبا — بالكهرباءِ وبالبخار مُسَيَّرَا
ما بالُ هذا الظِّبْي أقبل يَثْنَي؟ — هل بات من أَسْرِ الخُدَور محرَّرا؟
الله لا يرضيه سَتْرُ هِبَاتِه — أتُرَاهُ قد خلَقَ الجمَال ليُستَرا؟
جُولِي بمعتَرَكِ الحياةِ طَليقةٌ — إني رأيت الخِدْرَ سِجْنًا أصغرا
من لم يَعِفَّ مع السفورِ ضميرُهُ — لا يرتدي ثوبَ العَفَافِ مخدّرا
قالوا: عجبنا كيف نصدق في الهوى — وتَعِفُّ في شرخ الشبيبة مئْزَرا؟
أو ما ترى صَرْحَ الفضيلةِ قد هوَى — باسم الهوى والحب؟ قلتُ: نعم، أرى!
لكنما دارُ العلوم أُمُومَتي — قد علَّمَتني أن أُحِبَّ وأطهُرَا
دار نزلتُ بها؛ فكانت جنَّةً — ووردت منهلَها؛ فكانت كوثرا
فيها قضيتُ من العلوم لُبَانَتي — «وعلى كواكبها تعلمْتُ السرَى»
دار المربِّين الذين بَلَوْتُهم — فحسبْتَ «رُسُّو» منهمو، و«سْبنسرا»
لمْ أتْلُ فيها من دروسيَ أَحْرُفًا — إلا تلَوْثُ من الفضيلة أسْطُرا
دارٌ نزلت عكاظَ يوم نزلتُها — وشهدتُ من أهل الجزيرة مَعْشَرا
وشربتُ فيها من مَعِين «محمد» — شِعْرًا أرقَّ من النسيم إذا سَرَى
الشاعرُ البَدويُّ تلمس نفسهُ — فتحسُّ فيها شاعرًا متحضِّرَا
ولقد يصوغ الشِّعرَ؛ وهْوَ حماسةٌ — فيريك عَمْرًا في الجِلادِ، وعنترا
وتحس قَعْقَعَةَ السلاح، ودونَها — خيلٌ سَنَابِكُهَا تثير العِثْيرا
دارُ العلوم أمومةٌ ما أنجبتْ — لسماءِ وادي النيل إلا نيِّرا
طلعتْ شِهابًا في ظلام مطبقٍ — لا يأمنُ الساري به أن يَعْثرا
فسعَتْ بمصرَ إلى العُلا، وجوادُها — كابٍ، ولهْجَتُها تَسير القَهْقرَى
حسبِّ الكِنَانَةِ من بينها أنهمْ — كانوا لدائرة المعارف محْوَرًا
ولدتْ؛ فأنجبت الكرامَ، وأتأمَتْ — وجَرَى بنوها في المعارف أبْحُرا
مَلَكوا مقاليدَ البيانِ، فَبِاسْمِهم — نجد الكلامَ مُذَيَّلاً ومصدَّرا
من كل أروعَ مِدْرهٍ في كَفِّه — قلمٌ قد اتخذ الأصابع مِنْبرا
فتخالهُ -إن قال شعرًا- أحمدًا — وتخالُهُ عند الخطابة حيدَرا
دارَ العلوم، تحيةً من ناشئٍ — عرف الجميلَ لباذليه وقدّرا
يا دوحةٌ سمَقَتْ، فطاول فرْعُها — «فرعَ الثريا وهي في أصل الثَّرى»
لله درُّكَ، يا عليُّ، سَللْتَها — سيفًا على عُتُق الجهالة مُشْهرا!
أسَّسْتَها؛ ففتحتَ مِصْرَ بفتحها — وسبقْتَ «عَمْرًا» في الفتوح، و«جوهرا»
يا ربما فاتح الممالكَ فاتحٌ — بمعاهد التعليم عالية الذُّرا
يغْنيك عن ذهب «المعزِّ» وسيفِهِ — قلمٌ يخطُّ على الصحيفةِ أسْطُرا
إن اليراعةَ في أنامل طالبٍ — كالسيف في كفِّ المدَرَّع أبْتَرا
والطرَسَ في يُمنْاه أبيضَ ناصِعًا — مثلُ اللواءِ على الكتيبة أحمرا
ولرُبِّ مدرسةٍ تحطم قلعةً — وتُبِيدُ أسطولاً، وتَهْزِمُ عَسْكرا
ما المجدُ في هرم كصرح يُبْتَنَى — كي تُلْحَدَ الأمواتُ فيه وتُقْبَرا
أو في المآذنِ باسِقاتٍ، أينما — أرسلتَ طرْفَكَ نـحوهُنَّ تحيَّرا
عصرُ الخورنقِ والسَّدِيرِ مضى، فلا — تَذْكرْ لنا نعمانَه والمنْذِرا
هذا زمانُ العلم، تُرْفَعُ دورهُ — وتُشَاد؛ لا لَبِنًا، ولكن جوَهرا
أو ما رأيت الغَرْب ألقَى سيفَهُ — وسطا تحدى علمه واستعمرا؟
الله يعلم ما توطَّدَ ملُكُهُمْ — إلا لأنَّهُمُو أساتذةُ الورى
إني رأيتُ الشرقَ ينطقُ عَنْهُمُو — «كالببغاءِ مردّدًا ومكرّرًا»
والشرق مطلعُ كلِّ شمسٍ، أفقهُ — نجْمُ المعارف، مِن هُنَا لِكَ أسْفَرا
يا رب يوم بَرَّزَتْ بعلومِها — «بغدادُ» فيه؛ فأصْبَحَتْ أم القرى
ولرب يوم مِصْر فيهِ شَيَّدَتْ — أهرامَها، والغَرْبُ في سِنَةِ الكِرى
قِفْ في ثَرَى الإِسكندرية بُرْهَةً — واسْتَقْتِ «بطليموسَ»، والإسْكَنْدرا
واستفْتِ هذا الثغرَ عن تاريخِهِ — فالعلم -قبل الماءِ- منه تفجَّرا
يا معهدًا للضاد ألقى بذرَهُ — في تُرْبَةِ الوادي الخصيب فأثمرا
ردَّ القديمَ إلى الحديث موفَّقًا — ومشى بجنب الدهر حينَ تطوّرا
خمسون عامًا قد طواهَا مثلما — تَطْوِى السلافةُ الدِّنَانِ الأَعْصُرا
هو ثالثُ الهرمين في هذا الحمَى — هل يَهْرَمُ الهرمان مَهْمَا عُمِّرا؟
ما بالُ من أنْحَى عليه بلومه — وأطال في هَجْوِ القديم وثَرْثَرا؟
يا من تقلَّد من عصاه مِعْولاً — وعدا على دارِ العلوم مُدَمِّرا
مهلاً -فَدَيتُك لو لمستَ جدارها — لرأيت كل الصيد في جوف الفرا
يا رُبَّ فاتِنة -يعيبُ جمالَها — مَن كان يُدْرك كنهَهُ لو أبصرا
«لا تَحْذُ حَذْوَ عصابةٍ مفْتونةٍ — يجدون كل قديم شيءٍ مُنْكرا»
يجدون إنكارَ القديم فضيلةً — والخوضَ في الدِّين الحنيِف تحضُّرا
عَبَدُوا الجديد مقلِّدين، وربَّما — خَسِبُوا سوادُ القارِ مسْكًا أذفرا
فانقُدْ علومَك كالدراهم، إنني — ألفْيتُ منها خالصًا ومُزَوَّرا
يا نازلي دار العلوم، نزلتُمُو — ركناً من البَيْتَ الحرام مُطَهَّرا
كرَّمتُمُوا أمَّ اللُّغى في شخصها — وأقمتموا للدين فيها مَشْعَرا
هي حفلةُ الدين الحنيف، شُهُودها — كشهودٍ بدْرٍ في الجهادِ وخَيْبَرا
فكأنَّني أبصرتَ جِبْرِيلاً بها — بين الصفوف مُهَلِّلاً ومُكبِّر!
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف الراء — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- النمير: النَّمِيرُ :- من الماء: الطَّيِّبُ الناجع في الرّيّ/ حَسَبٌ نمير، أي زاكٍ .
- تقديس: [ق د س]. (مصدر قَدَّسَ). 1."تَقْديسُ الرَّجُلِ": تَطْهيرُهُ وَمُبارَكَتُهُ. 2."تَقْديسُ الكاهِنِ" : إِقامَتُهُ القُدَّاسَ.