في ذكرى الكواكبي
الشاعر: محمود غنيم · البحر: البسيط
«في ذكرى الكواكبي» من شعر محمود غنيم، من العصر الحديث، وتقع في 77 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف النون.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
حرَّكْتِ في النفس، يا شهباءُ، أشجانًا — يا وَكْرَ أحْمَدَ، يا غيلَ ابنِ حَمْدَانا!
ساءلتُ نفسي: أحقًّا هذه حلبٌ؟ — ورُحتُ أَلْثَمُهَا أرضًا وجُدرانا
يا بلدةً كدَّتِ التاريخَ سيرتُها — وقرَّحت من رُواة الشعر أجفانا
وأخلَقَتْ جدَّةَ الأيام قلعتُها — ولم تمَسَّ لها الأيامُ صَفْوانا
كم عنكِ من خبر أصغى الزمانُ له — وأَرهَفَ الفَلَكُ الدَّوَّارُ آذانا
حَسِبتُ تُرْبَكِ من مسكٍ، وغاليةٍ — وخلتُ حصباءَهُ درًّا، ومَرجانا
هذا أديمٌ على مِرآتِه انعكسَتْ — مناظرُ المجدِ تحكي الطَّيفَ ألوانا
في كلِّ زاويةٍ من أرضه خبرٌ — عن بنتِ عَدنانَ، أو عن مجدِ عَدْنانا
إن العروبة لو خُطَّتْ مفاخرُها — سِفْرًا، لكنتِ لهذا السفرِ عُنوانا
هنا: بموكب سيفِ الدولةِ ائتلَقَتْ — تلك البقاعُ، وسار الركبُ مزدانا
كم شعَّ من أُفْقها علمٌ، ومعرفةٌ — وأنبتَتْ أرضُها خيلاً، وفُرسانا
كم قبَّلَتْ تُربَها من فارسٍ شَفَةٌ — وسار فيه سَراةُ الروم عُبدَانا
يا رُبَّ جاريةٍ من فوقِه خطَرَتْ — تُنْمَي إلى عاهلٍ من آلِ سَاسَانا
أَبناءَ حَمدانَ، لَسْنَا في ضيافتكم — إنّا نزلْنا على التاريخ ضِيفَانا
إنَّا ضُيوفٌ على ذكرَى تَفُوحُ شذًى — يسْتافُها الدهرُ نَسرِينًا، وريْحانا
ذكرى ابنِ أحمدَ يَروِي الشرقُ سيرتَها — أُنشودةً؛ فيهُزُّ العِطْفَ نشوانا
ذكرى التقيِّ الذي يعنُو لخالقِهِ — ولا يقدِّسُ غير اللهَ إنسانا
ذكرى الكميِّ الذي قد ثار منفردًا — على الطَّواغيتِ من أبناء عُثمانَا
ذكرى الشهيدِ الذي ضحَّى برْاحته — وقدَّم الروحَ للأوطان قُربانا
جئنا نمجِّدُ شمسًا ضمَّها جَدَتٌ — قد أيقظَتْ كلَّ طَرْفٍ غيرِ يقظانا
وبدَّدَتْ بخيوطٍ من أشعتها — غيمًا على الأفُقُ الشرقيِّ قد رانا
شمسٌ ولكنَّها في الشَّرق قد غَرَبَتْ — كأنَّ موعدَ يوم الحشر قد حانا
جئنا نمجِّدُ في إبَّان وَحْدتِنا — موحِّدًا بسوى التوحيد ما دانا
أينَ اليراعُ الذي قد كان يَشْهَرُهُ — كالسيف، إن لان حدُّ السيف ما لانا؟
يراعةٌ كعصا موسى إذا نَقَشَتْ — رأَيتَها فوقَ ظهر الطِّرس ثُعبانا
كم من يراع إذا نارُ الوغى احتدَمَتْ — صبَّ المِدادَ على القِرطاس نيرانا
وكم أديبٍ إذا ثارَتْ صحيفته — يومًا، أثارَتْ على المحتلِّ بركانا
والشَّعْرُ من زَهَرِ تلقاهُ، أو شَرَرٍ — لا تحسبوا الشعرَ تقطيعًا وأوزانا
أخا الكواكبِ في وَمْضٍ ومنزلةٍ — هل بتَّ في العالم العُلويِّ جذلانا؟
إن الذي كنتَ في دنياك تغرِسُهُ — قد صار، روضًا ورَيفَ الظِّلِّ، فيْنَانا
في مِهْرجانِكَ: يبدو صرحُ وَحْدتِنا — أرسَى وأَرسخَ من أركان ثَهْلاَنا
أخا الكواكِب، قم وانُفضْ ثراك؛ — كان الثرى للنجوم الزُّهْر أَوطانا
قم من ثراك، وغرِّدْ في محافِلِنا فما — وهات ما غاب عن قُسّ وسَحبانا
قم من ثراك، وبارك صرحَ وَحْدَتِنا — إنَّا بنيناه كالأهرام بنيانا
صرحٌ تعانَقَ روحَانَا به شَغَفًا — من قبل أن تتلاقى فيه كفَّانا
قد كنتَ في مشرِق الدنيا ومغربها — مثلَ الكواكب؛ لا يأوينَ بُلْدَانا
ما كنتَ تعرفُ دارًا للإقامة، بل — كانت لسعيك كلُّ الأرضَ ميْدانا
حتى ترحَّلتَ: لا جاهٌ، ولا نَشَبٌ — بل كان حظُّك من دنياك حِرمانا
وآثَرَتْ نفسُكْ الأخرى، ولو خَضَعَتْ — يومًا، لكان لها دنيا سُلَيْمانا
مَا حطَّ قدرَكَ سجنٌ أَنزلوك به — هيهاتَ! بل كنْتَ للسَّجَّان سجَّانا
قد يرفَعُ السجنُ مَنْ يَغشاه منزلةً — ويعصِفُ السَّجنُ بالسَّجَّان أَحيانا
صاولتَ في مصرَ لمَّا أن نزلت بها — من عرشها ومن المحتلِّ ذؤبانا
والله، ما نسيتْ مسعاك في زمنٍ — سهرتَ فيه، وكان الكل وسنانا
حتى إذا غبتَ عنها، ودَّعَتْ رجلاً — قد كان أَرفعَ من أهرامها شانا
وغسَّلتك بصَوبٍ من مدامعها — مصرُ البريئةُ ترجو منك غُفْرانا!
يا شاربَ السُّمِّ من كفٍّ ملوَّثةٍ — هل تشربُ الآنَ من إبريقِ رضْوانا؟
لقد تحدَّيْتَ في القبر الفَناءَ، فهل — خلتَ الفناءَ على البُسْفور سُلطانا؟
والحرُّ يُنصفُهُ تاريخهُ، وكفى — بالذِّكْر خُلدًا، وبالتاريخ مِيزَانا!
أَبناءَ يَعْرُبَ، لا كانتْ عرُوبتُنا — إن لم تُثِر عزمَنا ذكرى ضحايانا
يا قومٍ، تاهتْ لنا في النجم مملكَةٌ — قوموا نطالبْ بها الشِّعرَى وكيوانا
مُلْكٌ بنَتْهُ بحدِّ السيفِ مُنْصلتًا — أيدي الأوائلِ من أَبناءِ مَرْوَانا
بَنَي بنوهُ بأَيدي العُرب دولتَهم — فاشتدَّ بنيانُها أُسًّا وأَركانا
ما هجَّنوا بموالي الروم نسبتَها — أو أَيَّدُوها بجنُد من خُراسانا
لم يرفعْ الصّوتَ يُومًا في جوانبها — مستعجمٌ، أو يَمُدَّ الكفَّ قُرصانا
أَبناءَ يعربَ، هذا اليومُ يومُكمو — هيا بنا نستعيدُ الماضيَ الآنا
نُقيمُها دولةُ شمَّاءَ باذخةً — يعنو لها الدهرُ تسليمًا وإذعانا
تَبْني الحضارةَ بُنيانًا على أُسُسٍ — وتَزْرَعُ السِّلمَ فوق الأرض بستانا
وتَحفظُ الشَّرقَ إنْ شرٌّ أُريدَ به — ممَّنْ يظُنُّون أَهل الشرقِ قُطَعانا
تُزلزلُ البرَّ فُرسانًا وأَسلحةً — وتَزْحَمُ البحرَ -بعد البر- حِيتانا
وتملأ الجوَّ أسرابًا محلَّقةً — تبثُّ في الأرض تدميرًا وعُمرانا
إذا صَحَا الجوُّ، طارت في جوانبِهِ — وُرْقًا، وإنْ غامَ طارتْ فيه عِقْبَانا
إنِّي أَظنُّ -وظني ليس يكذِبُني- — أنّ الزمانَ الذي نرجوه واتانا
اليومَ ما عاد يشكو النيلُ من رَتَقٍ — أو يشتكي بَرَدَى المعسولُ أَدْرانا
يا طاَلما جَرَبا شُهْدًا لمغتصِبٍ — وابنُ الحمى بهما قد بات غصّانا
لا يعرفُ الضيمُ شعبًا كان مغفَرُهُ — وسيفُه في الوغى: صبرًا، وإيمانا
إن الأُلى غَصَبوا سُورْيا ومصرَ معًا — زاروا القناةَ، فكانوا بعضَ صرعانا
أَبناءَ يعرُبَ، لا كنَّا إذا دَلِفَتْ — بنا خُطانا إلى العلياء وَحْدانا
بَغْدَادُ، كم لك في قلب العروبة من — قَدْرٍ، إذا هانت الأقدارُ ما هانا
إخوانَنا في ظلال الكَرْخ، ويحكمو — لقد أَصبْتُم لنا في الكَرخ إخوانا!
يا أهلَ بغدانَ، راعوا الله في رحِمٍ — موصولةٍ قُطِعَتْ، يا أَهل بغدانا
ماذا نقولُ؟ أَمَنْ صِحْنا به مَلَكًا — بالأمس ندعُوهُ هذا اليومَ شيطانا؟
هيهاتَ تَقطعُ ما الرحمنُ واصلُهُ — يدُ المفرِّق! لا كانت ولا كانا!
إن العروبةَ قد باتَتْ موحَّدَةً: — حسٍّا، وعاطفةً؛ أرضًا وسكَّانا
ما عاد يجرَحُ أُذْنَ الضاد جارحةٌ — من ذكر لُبنانَ، أو من ذكر عَمَّانا
اللهُ أكبرُ! ساد الوعيُ، واندمَجَتْ — تلك الحدود وصار الكلُّ عُربانا
قد سارت الفُلْكُ، عين الله تكلَؤُها — فهلَّلَ البحر أمواجًا وشُطآنا
سِرْ، يا جمالُ، إلى شطِّ السلامِ — قد اصطفاك لها الرحمنُ رُبَّانا!
البحر والقافية
القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.
تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.
القافية: رويّها حرف النون — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- الدوار: الدُّوَارُ : حالة تظهر فيها الأشياءُ وكأنّها تدور وصاحبها يدور هو نفسه؛ أخذه دُوارٌ مفاجىء فاستند إلى الجدار.
- تربك: ترب: التُّرْبُ والتُّرابُ والتَّرْباءُ والتُّرَباءُ والتَّوْرَبُ والتَّيْرَبُ والتَّوْرابُ والتَّيْرابُ والتِّرْيَبُ والتَّرِيبُ، الأَخيرة عَنْ كُرَاعٍ، كُلُّهُ وَاحِدٌ، وجَمْعُ التُّرابِ أَتْرِبةٌ وتِرْبانٌ، عَنِ اللِّح …
- حصباءه: الحَصْبَاءُ : الحِجَارةُ الصغيرة؛ أثار الفرسُ في عَدْوه الحصْباءَ.