حــي البيـــان

الشاعر: محمود غنيم · البحر: الكامل

«حــي البيـــان» من شعر محمود غنيم، من العصر الحديث، وتقع في 54 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف الباء.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

حَيِّ البيانَ، وقفْ بِسُدَّةِ بابه — واخشَعْ أمام الصِّيد من حُجَّابه!

يا عصبةَ الأدب الحديث، أنا امرؤُ — أهوى البيانَ ولَسْتُ من أربابه

آلتْ سَدَانَتُه إليكم، فاسمحوا — ليّ بالوقوف ولوْ على أعْتَابه

إن لم يكونوا سادنيه، فأنتُمُو — رهبانه النُّسَّاكُ في محرابه

أنتم صَيَارِفَةٌ إذا اختلطت على — لُبِّ اللَّبيبِ قُشُورُهُ بلُبَابه

والدافعون لِوَاءَهُ في عالَم — نخر القَرَى كالسوس في آدابه

لا وزن للأرواح فيه؛ وإِنما — ذهب الحُطَامُ وحُبُّه بصوابه

يبنون بالفضل السلامَ، ولَيْتَهُم — بالروح قد عَلمُوا على استتبابه!

إن رُمْتَ للشعب الحياة فَغَذِّه — بالفنِّ، قبل طعامه، وشرابه

الفنُّ إنْ يأخُذُ بساعد أُمَّة — نهضت، وتذهبُ رِيحُها بذهابه

كم نال شاعر أُمَّةٍ بربابة — ما لم ينَلْهُ كمِيها بِجِرَابه

ليتَ الحياة جميعَها شِعْرًا؛ إذن — لم يَشْكُ هذا الكونُ طولَ عَذَّابِه!

وسمعت تَحنان الحَمَام بأيكه — بدَل الذئاب العاويات بغابه

ورأيت وجه العيش غَضًّا ناعمًا — فيه ملامِحُ من وجوه كِعَابه

لا غارقًا في الدمع، أو مُتَخَضِّبًا — بدم الحروب يَرُوعُ لونُ خِضَابه

عصر تَمَشَّى الضعفُ مثلَ الداءَ في — شُعرائه، وسرى إلى كُتَّابه

وإذا أُصيب الشعب في آدابه — عَزَّ العزاءُ أمامَ هوْل مُصَابه

حتَّامَ يشكو الشعرَ من مُتَمَسِّحٍ — فيه يُشيِّدُ نفسَه بخرابه؟

نَفَرٌ رأى التجديد في إعجامِهِ — لما أحسَّ العجْزَ عن إعْرَابه

يبنون أنفسهم على أشلائه — وعلى حساب النَّيْل من أقطابه

وأمَسُّ ما يلقى الكريم إهَانَةً — تأتيه مِمَّنْ ليس من أضْرابه

يا رُبَّ داعِية يبوِّئُ نَفْسَهُ — عَرْشَ القريض، وغَيْرُه أولى به

ولَرب أُسْتَاذ لهُ مُتَفَرِّغٍ — أحْرَى به لو عُدَّ من طُلاَّبه!

فَحْلٌ ينال النصرَ في ميدانه — وسواه يُستولي على أسْلابه

ما كل ذي صوت يَطنُّ بِطَائرٍ — غَرِد، هَزَارُ الرَّوض غَيْرُ ذُبَابه

والشعر منه: مُخلَّدٌ، ومعَمَّرٌ — ومكفَّنٌ في مهْدهِ بِثيابه

أعددتُ للنُّقَّادِ صَدْرًا لم يضقْ — يومًا بمنتقِدٍ فسيحُ رحابه

أجدى على الفنَّان من إطْرَائه — نَقْدٌ يبصِّرُهُ بموضع عَابِه

إن تَنْقُدِ الفنانَ، تُرْهفْ حسَّهُ — وإذا أردتَ له الكَلاَل، فَحَسابِه

ولقد أُفضِّلُ ناقدًا متحاملاً — عن جاهل يَشْتطُّ في إعجابه

والنقد يَجْني ورده من شوكه — غَضًّا، ويعصر شهْدَهُ من صَابه

يَعْيا به من يَسْتَريبُ بنفسه — ويسيغُه طَبّعُ الأديبِ النَّابِه

مَنْ يَبْنِ بالصُّفَّاح صَرْحًا، لم يخفْ — عَصْفَ الرياح الهُوج حولَ قِبابه

ما سار ركبُ الفنِّ في ملكوتِهِ — إلا وسارَ النقدُ خلفُ رِكابه

ما أحرز الفنُّ الرفيعُ تقدمًا — إلا وكان النَّقْدُ من أسبابه

وأحقُّ نَقَّادِ بصفعِ قَذَالِهِ — من راح يخلطُ نَقْدَهُ بِسبَابِه

قُلْ للأُلى أَثْنَوْا عليك بفضلهمْ — -والفضل مَرْدُودٌ إلى أصحابه-:

أضْفَيْتمُو حُلَلَ الثناء على امرئ — ليس الثناءُ وَحُبُّه من دَأبه

ما سار وانيةً خُطَاه؛ وإِنما — حَدَّت دواعي العيش من إخْصابه

شاهَتْ أضابيرُ المكاتبِ؛ ما سَمَتْ — بالفنِّ؛ بل عملتْ على إجْدَابه

أقضي الحياةَ هناكَ يوَمًا واحدًا — مُتكرِّرًا، في منظرٍ متشابه

أكداسُ أوراقٍ يغيبُ الشِّعْرُ في — طَيَّاتها، ويطُول عهدُ غيابه

ويَفِرُّ شيطانُ القوافي هارِبًا — منها هروبَ الكَبْش من قَصَّابِه

والفنُّ يطلب راهبًا متفرِّغًا — ووددتُّ أني كنت من رُهَّابه

وإذنْ لَطِرْتُ إلى الفَضاءَ محلِّقًا — في لمح كوكبه، ورمش شهابه

وأتيتُ من سحرِ البيان بمعْجِزٍ — لم يَرْوِه الرَّاوُونَ من أعْرابه

ومن الحروفِ المُعْجَمَات عصرتُ ما — لا يعصر الخَمَّارُ من أعْنَابه

شعرٌ بهِ ينسى المُحِبُّ حبيبَهُ — والغائب المشتاقُ يومَ إيابه

يا عصبة الأدبِ الحديثِ، سَلِمْتِ منْ — ظُفر الزمانِ على الأديبِ ونَابه

كما عفَّت الدنيا أديبًا قَارِحًا — فأصاب في نَاديك حُسْنَ ثوابه

سيروا مع الأيام بالأدب الذي — كرَّسْتُمو أيامكم لحسابه

لا يشكُ عَصْرُكُمُو قماءةَ ثوبه — بل أَظْهروا العملاق في جلبابه

عصرُ الحضارة والضياءِ أظلَّكُمْ — حاشاه يُغرقكم بِفيْض عبابه!

قد بات يغشى النَّجْمَ في صاروخه — من كان يَرْصْدُهُ بإصْطِرلابه

البحر والقافية

القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.

تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.

القافية: رويّها حرف الباء — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • استتبابه: [ت ب ب]. (مصدر اِسْتَتَبَّ). "اِسْتِتْبَابُ النِّظَامِ": اِسْتِقْرَارُهُ.
  • الحطام: الحُطَامُ :- من كل شيءٍ : ما تكسّر منه؛ لم يبق من السفينة الغارقة إلا حُطَامُها.- من النبات: يبيسُهُ المتناثر ثُمّ يَهِيجُ فَتَراهُ مصْفَرًّا ثمّ يَكونُ حُطَاماً.- من الدنيا: متاعها الفاني؛ ما زُخْرف الدُّنيا وزبربج أهله …
  • النساك: نسأ: نُسِئَتِ المرأَةُ تُنْسَأُ نَسْأً: تأَخَّر حَيْضُها عَنْ وقتِه، وبَدَأَ حَمْلُها، فَهِيَ نَسْءٌ ونَسِيءٌ، وَالْجَمْعُ أَنْسَاءٌ ونُسُوءٌ، وَقَدْ يُقَالُ: نِساءٌ نَسْءٌ، عَلَى الصِّفَةِ بِالْمَصْدَرِ. يُقَالُ للمرأَة …
  • بالوقوف: [و ق ف]. (مصدر وَقَفَ). 1."مَكَانُ وُقُوفِ السَّيَّارَاتِ" : مَكَانُ تَوَقُّفِهَا. 2."وُقُوفاً يَا رِجَالُ" : قِيَاماً مِنْ جُلُوسٍ. 3."رَغِبَ فِي الوُقُوفِ إِلَى جاَنِبِهِ لِتَدْعِيمِ آرَائِهِ" : أَيْ أَنْ يَكُونَ حَاضِ …
  • بصوابه: الصُّؤَابَةُ : بيضَة القمل/ وصِئْبَانُ الجليد، هي حبّاته الشبيهة باللؤلؤ ج صُؤَبٌ وصِئْبانٌ.
  • بلبابه: اللُّبَابُ :- من كل شىءٍ : المختارُ الخالصُ؛ هو لُبابُ قومه/ حَسبٌث لُبابٌ.- اللَّوْزِ أو الجَوْزِ: الثمرة التي تؤكل تحت القشرة.- من الطحين: المرقَّق.
  • حجابه: الحِجَابَةُ : مهنة الحاجب.

قصائد ذات صلة

  • قصيدة
  • أنــا وابناي
  • ســــباق
  • فقيد القنـــاة
  • منصب زائف
  • تحية مولود
  • المصور الشمسي
  • تحيــة وتقدير