يا أخت عموريْة!
الشاعر: محمود غنيم · البحر: الكامل
«يا أخت عموريْة!» من شعر محمود غنيم، من العصر الحديث، وتقع في 50 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف اللام.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
قُلْنَا، وأصْغَى السامعون طويلا — خلُّوا المنابر للسيوف قليلاَ
سُقْنَا الأدلَّةَ كالصباح لهم؛ فما — أَغنَتْ عن الحق الصُّراحِ فَتيلا
مَنْ يستدِلَّ على الحقوق، فلن يَرَى — مثلَ الحسامِ على الحقوق دليلا
إِن صَمَّت الآذانُ، لن تَسمعْ سوى — قَصْفِ المدافع منطِقًا معقولا
لغةُ الخصومِ من الرجوم حروفها — فلْيَقْرَءُوا منها الغداةَ فصولا
لما أََبَوْا أَنْ يفهمُوا إلاَّ بها — رُحْنَا نرتِّلُها لهم ترتيلا
أَدَّتْ رسالتها المنابرُ، وانبرى — حدُّ السلاح بدوره ليقولا
ولقد بحثْتُ عن السلام، فلم أجد — كإراقةِ الدّمِ بالسلام كفيلا
يا آلَ إسرائيلَ، أين المُلْكُ؟ هل — مضَت الرياحُ بمُلْك إسرائيلا؟
أَتحقَّقتْ آمالُكم في دولةٍ — تمتَدُّ عَرْضًا في البلاد وطولا؟
خَدَعَتْكم الأحلامُ في سِنَة الكرى — ما أكذبَ الأحلامَ والتأويلا!
يا بانيًا بالرمل حائطَ مُلكِهِ — فوقَ العُبابِ، أرى البناء مهيلا
هي بِنْيَةٌ قامتْ بغير دعامةٍ — هي دولة قد أنْشِئَتْ لتزولا
لمَّا استهلَّتْ راح يطلب أهلُها — مهدًا فكان النَّعْشُ منه بديلا
طلَبُوا القوابل إذ دنا ميلادها — فتلقَّفَتْها كفُّ عِزْرائيلا
قل للأُلَى نفخوا بها من روحهِم: — هيهاتَ قد وُلدَ الجنينُ قتيلا!
لو أنَّ عيسى جاء يُحييه لما — وَجَدَ الجنينُ إلى الحياةِ سبيلا
ليس الثَّرَى للشاردين بمسكنٍ — رحْبٍ ولا للمُتْعَبينَ مَقِيلا
ولقد يَصِيرُ لناب ليثٍ طُعْمَةً — مَنْ باتَ في غاب الليوثِ نزيلا
«حَيْفَا» فديتُك! ما لجفِنك ساهدًا — ولِلَحْنكِ الشادي استحال عويلا؟
ما بالُ أهلك شُرِّدُوا، وشرَاكِ قد — أمسى بغير لُيُوثِهِ مأهولا؟
أعززْ على أبناءِ يعرُبِ أن يَرَوْا — عَلَمًا يرفُّ على حماك دخيلا!
الْجَوُّ يرقُبُ خَفْقَهُ مستنكرًا — والطيرُ ينظر نـحوه مذهولا
لأجاده الغيثُ الهتونُ، ولا هفا — ليلاً برقعته النسيمُ عليلا
يا أختَ «عمُّوريَّةٍ»، لبَّيكِ! قد — دقَّتْ حُماتُك للحروبِ طبولا
ناديتِ «مُعتصمًا»؛ فكان غياثُهُ — جيشًا شَرُوبًا للدماء، أكولا
ما كان بالألفاظ جرسُ جوابهِ — بل كان قَعْقَعةً، وكان صليلا
وأزيزَ أسرابٍ تَصبُّ شُواظَها — فوق الحصون، فتستحيلُ طلُولا
لن يغفرَ العرَبُ الأُباةُ لغادر — هتك الحرائرَ والدَّمَ المطلولا
غَضِبَ الأباةُ لعرضهم فتخضَّبي — يا أرضُ، واجري يا دماءُ سُيُولا
إِنَّا لقَوم ليسَ يُمْحَى عارهُم — حتى يُرَى بدمائهم مغسولا
إِنَّا جعلنا أرضنا للمعتدي — قبرًا، وظِلاٍّ للنزيل ظليلا
فَلْتَطُلب الأوطانُ ما شاءته من — دمنا، تجدْهُ مُرْخَصًا مبذولا
وليشهَد التاريخُ «لليَرْمُوك»، أو — «ذي قارَ» في العصر الحديث مثيلا
وليعلَمِ الثَّقلانِ: أنَّا لم نَزَلَ — نَحْمِي، كما حَمَتِ الجدودُ الغِيلا
الصارمُ العَضْبُ الذي فتحَ الورى — مازال في يدِ أهله مسلولا
النيل لا يرضى هَوَانَ أخ، ولو — أجرى الدماءَ بكلِّ قطر نيلا
لما رأيتُ النيل عبَّأَ جيشَهُ — أتْبَعْتُه التكبيرَ والتهليلا
وذكرتُ «ركنَ الدين» في حَمَلاتِه — إذْ كان يحدو الجيش والأسطولا
فلطالما دكّ القلاع بعزمه — ولطالما ردَّ الجيوش فُلولا
جيشُ الصلاحيِّين سار، كأنني — أبصرت بين صفوفه جبريلا
وكأنني «بابن الوليد»، «وطارقٍ» — «وأبي عبيدة» يركبون خيولا
قلبت طرفي في الجنود؛ فلم أجد — إلا فروعًا يتْبعون أصولا
يتسابقون إلى اللقاء، كأنما — هُوَ نزهةٌ بين الرياض أصيلا
ويُسارعون إلى الحِمامِ، كأنهم — يجدون مُرَّ مذاقِهِ معسولا
الطعنة النجلاءُ تحكي عندهم — طَرْفًا غضيضًا جفنُهُ مكحولا
ويكادُ يحسبُها الجريحُ بجسمه — ثَغرًا؛ فيومئُ نـحوَها تقبيلا
يا مصرُ، جيشُكِ جال في ساح الوغى — لا واهنًا عزمًا، ولا مخذولا
داوَي جراحَ الشرق حدُّ سلاحِهِ — وحمى الذِّمارَ، وحقَّقَ المأمولا
ولا زلتِ حصنًا للعروبة شامخًا — يرتدُّ طرْفُ الدهر عنه كليلاَ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف اللام — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- الصراح: الصُّرَاحُ والصِّرَاحُ :- من الشيءِ: الخالصُ الصريحُ ولا يشوبه شيءٌ؛ نسبٌ صُراح/ خمرٌ صِراح/ كلامٌ صُراح، أي واضح جليّ.