بين عهـــدين
الشاعر: محمود غنيم · البحر: البسيط
«بين عهـــدين» من شعر محمود غنيم، من العصر الحديث، وتقع في 61 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف النون.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
لا مصرُ مصرُ، ولا السُّكَّانُ سكانُ — واد جديدٌ، وقومٌ غيرُ من كانوا!
عهدان: هذا عزيزٌ ملْؤُهُ رَغَدٌ — وذاك طابَعُه ذُلُّ وحرمان!
ثلاثَ عَشْرَةَ مَّرتْ لم تَدَعْ حجرًا — إلا تناوله نقْص وبنيان
خُطَا الشعوب وئيداتٌ، فكيف بنا — مرَّتْ علينا الليالي وَهْيَ أزمان؟
يكاد ينكر طَرْفي ما أشاهدهُ — كأَنَّ طرفيَ يرنُو وَهْو وسْنان
إذا مشيتُ بِسِيف النيل أنكرُهُ — وربما أنكرَتْنِي منه شُطْآن
قد كان يجري ذليلَ الماءِ مكتئبًا — ما بَاله اليوم يجري وَهْو نَشْوان؟
على المَجَرَّة جرَّ الذيل مفتخرًا — أما ترى الموجَ فيه وَهْو مَيْسان؟
من للمجرة بالسَّدِّ الذي رفعتُ — أسوارَه فوق ماء النيل أسْوان؟
أين العميد بشَطِّ النيل يملكهُ — طُرًّا، كما ملك الدنيا سليمان؟
وأين سُدَّتُه تَعْنُو الوجوهُ لها — وتنحني فوقها هَامٌ وأذقان؟
والنيل يعصر للمحتَلِّ كرمتَهُ — وسادةُ النيل للمحتل عُبْدان؟
لا يُعجَبنَّ ذَليلاً حُسْنُ بِزَّتهِ — بعض الثِّياب على الأحياء أكفان!!
اليوم ينساب ماءُ النيل منطلقًا — خَرِيرُهُ نَغَمٌ شاج، وألحان
يا رب عصر مضى لا النيل مُرْتَجزٌ — ولا تحس خريرَ النيل آذان
يطيب للغاصب المحتل سَلْسًلُه — وابْنُ البلادِ بماءِ النيل غَصَّان!
لا يُرْجعُ الله عهدًا دال دائلهُ — سادَ السَّوادَ به جورٌ، وطغيان
كلُّ امرئٍ عاكف فيه على وَثَن — والمالكون زمامَ الأمرِ أوثان
كُنَّا وكانت به أهدافنا سِلعًا — لهُنَّ في مصر أسواقٌ، وأثْمَان
يلي الزَّعامةَ فيهِ كلُّ مُتَّجِر — يريد ربحًا، وحظُّ الشعب خُسران
من كان صائغ أقوالٍ مُنَمقَّة — كأنه في مجال القول سَحْبان
على المناصب بين القوم معركةٌ — كبرى لها ألْفُ ميدان، وميدانُ
والأجنبي يدير الحربَ عن كَثَب — في مصرَ، وهْوَ قريرُ العين جذلان
كانوا نَعَامًا إذا نارُ الوغى اتَّقَدتْ — لكنهم إذ يَسُود السِّلمُ فُرسان
كم أنكرتْ عهدَ الاستعمار شرذمةٌ — هُمْ -لا سِوَاهُمْ- للاستعمار أعوان
زعامةٌ كان الاستقلال في يَدهَا — عصماءِ يعرضها في السوق دِهْقَان
ما كان في يدها استعمارُ مصر سوى — قميصِ عُثْمَانَ لمَّا مات عثمان
تَمُّوزُ بالثورة البيضاء تاه على — كل الشهور؛ فَغَضَّ الطَّرْفَ نيسان
شتَّان بينهما: هذا يَفُوح به — زهْرٌ، وذاك ليوم النصر إبَّان
أنعم بها ثورةً باتتْ تسير على — مِشْكَاتها أممٌ شتى، وبلدان!
أثارها عربيُّ السَّمْت، أسْمَرُ من — صميم مصر، بماء النيل ريَّان
في عصبة مِنْ بَنى الأهرام شامخةٍ — بِنَا هُمُو، لَوْ يلين الصخْرُ ما لانوا
مُبرَّئين من الآراب؛ ما علقَتْ — بما عليهم من الأثواب أدران
غَذَا همو من ثمار النيلِ يانُعها — ومن حَرَائر وادي النيل ألبان
على أكفِّهمو أرواحُهمْ هِبَةٌ — منهم لتحْرير واديهم وقُربان
لهم قلوبٌ على الأوطان سائلةٌ — من رِقَّةٍ، وَهْي يوم الروع صفوان
لم يُولَدُوا في قصور العزِّ شامخةً — تزين أبهاءَها حورٌ وولدان
بل أنَبَتَتْهم عصورٌ كُلُّها محنٌ — للظلم فيها -كما للطيَّف- ألوان
والشعب يُصْلحُه أبناء جلْدَته — هيهات يأسُو جراحَ الشاء ذوبان!
لا يحسم القولُ عدوانًا على وطنٍ — وإنما يحسم العدوانَ عدوان
لا يطفئُ الماءُ نيرانَ العدوِّ إذا — ما فار؛ بل تطفئُ النيرانَ نيرانَ
ثلاثَ عشرةَ ما شاب الشبابُ بها — ولا تجاوز سِنَّ الرشْد غلمان
قد حقَّقَتْ معجزات لا يحققها — لمصرَ في عالم الأَحلام إنسان
ولا تنبَّأَ رملُ الضَّاربين بها — إذا تنبَّأَ بالأشرار كُهَّان
ولا تدورُ لشعر في مُخَيِّلَة — والشعر تَدْنُو له الشِّعْرَى وَكِيوان
أنَّى اتجهنا، رأينا نهضةً عَمَمًا — لها أساسان: إنصاف وعُمْران
يا ليت شِعْرِي: أعهد السحر قد رَجَعَتْ — فيه العصا، وهْيَ فوق الأرض ثعبان؟
كلا، لعمري، ما السِّحْرُ المُبينُ سوى — عزمٍ شديدِ القُوى، يَحْدُوه إيمان
عهدُ الخواقين قد طَاحَ الزمان بهِ — ما عاد يُزْهَى بتاج الملك خاقان
قد حطَّم الماردُ العملاقُ قُمْقُمَه — فما لغير سَوَاد الشعب سلطان
والملكُ عبءٌ، يؤُود الظهرَ محملُهُ — لا هامة عاطلٌ بالتاج تَزْدان
ليستْ ملوكُ الورى أنصافَ آلهة — ولا رعايَا، هُمُو في الأرض قُطْعان
بالأمسِ كان لنا عرشٌ أُقِيمَ على — غيرِ الولاء؛ فلم يَصْلُحْ له شان
والعرش عِزَّتُه من عِزِّ أمته — إن هان شعبٌ على حُكَّامه هانوا
هيهات يثبتُ عرشُ الملك إن هو لم — تسْنِدْهُ من شعبه المحكومِ أركان!
تَمُّوزُ، ذكَّرتَنِي ما لَسْتُ ناسيَه — والذكرياتُ: مَسَرَّاتُ، وأحزان!
ذكَّرْتَنِي القصرَ إذ كان الجنودُ به — وربُّه عن صروف الدهر غفلان
صريع كأسٍ، غريقٌ في مباذله — يا ليت شعري: أقَصْرٌ ذاك أم حَان؟
الشعب كان سجينًا عند مالكه — فباتَ وَهْوَ لِرَبِّ التَّاج سجَّان
قضى شريدًا، فما أدمى القلوب، ولا — سالتْ عليه من الأجفان غُدران!
والدهرُ قاضٍ؛ إذا جارَ القضاةُ على — حقً، ففي يده للعدلِ ميزان
البحر والقافية
القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.
تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.
القافية: رويّها حرف النون — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- السكان: السَّكَّانُ : صانِعُ السَّكَاكين؛ أصبحت السّكاكين تُصنَعُ آليّاً فَكَسَدَ إِنتاج سَكّانِ القَريَةِ.
- باله: البَالَةُ : حزمة المتاع الضخمة--: زجاجة الطِّيب.
- تناوله: تَنَاوَلَ يتنَاوَلُ تَنَاوُلاً - الشيء: أخذه وتعاطاه؛ تناول منه الهدية شاكرًا.- ت بنا الرِّكَاب مكان كذا: بلغت بنا إليه؛ تناولت بنا السيارة قِمَّة الجبل.- المسيحي تقَبَّلَ القربان المقدس.
- ذليل: الذَّلِيلُ : الضَّعيفُ المُهان / البيتُ الذليل، هو القريب السقف من الأرضِ / الرُمحُ الذليلُ، هو القصيرج أذِلاّءُ وأَذِلَّةٌ وذِلاَلٌ.
- رغد: رغد: عَيْشٌ رغْد: كَثِيرٌ. وَعَيْشٌ رَغَد ورَغِدٌ ورغِيد وراغِد وأَرغدُ؛ الأَخيرة عَنِ اللِّحْيَانِيِّ: مُخْصِبٌ رفِيهٌ غَزِيرٌ. قَالَ أَبو بَكْرٍ: فِي الرَّغْد لُغَتَانِ: رَغْد ورَغَد؛ وأَنشد: فَيَا ظَبْيُ كُلْ رَغْداً …
- سكان: السَّكَّانُ : صانِعُ السَّكَاكين؛ أصبحت السّكاكين تُصنَعُ آليّاً فَكَسَدَ إِنتاج سَكّانِ القَريَةِ.
- طابعه: الطَّابَع ُ : ما يُطبعُ به أو يُختَم، الخاتَمِ.-: ما يطبع به، أي يتَّصف به؛ إِنَّ على حديثك طابَعَ الثَّقافةِ الحَقَّةِ.-: الخُلُق الغالب؛ عليه طابع الجدِّ/ طابَعُ البريد، هو بطافةٌ صغيرةٌ ذات رسمٍ تحدِّدُ الدولةُ سعرَها …