مشـــاعر الآبــــاء!
الشاعر: محمود غنيم · البحر: الخفيف
«مشـــاعر الآبــــاء!» من شعر محمود غنيم، من العصر الحديث، وتقع في 57 بيتًا. نُظمت على بحر الخفيف، ورويّها حرف الهمزة.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
هُمْ جميعًا في الحبِّ عندي سواءُ — لا امتيازٌ كلاّ، ولا استثناءُ
عِقْدهم كلُّ حبَّة فيه -مهما — كثُر الحبُّ- دُرُّةٌ عصماءُ
ليس عندي وسيمُهم بأَثيرٍ — لا، ولا مَيَّز الذكِيَّ الذكاءُ
وعيون الآباءِ حَوْلاءُ؛ فيها — يستوي الخاملون والنُّبَهَاءُ
غيرَ أن الصغير منهم أثِيرٌ — وأَثيرٌ من بات يَعْرُوه داءُ
وأثيرٌ من بات عنِّي بعيدًا — وكثيرٌ أَولاديَ الغرباءُ
أنا فيهم أرى استقامة ظهري — من جَديد إن آد ظهرِي انْحناءُ
لستُ أدري: بنيتُهم، أم بَنَوْني — أم من الجانِبَيْن كان البناءُ؟
لستُ أدري: أمِنْ حُشَاشة قلبي — قِطعٌ هؤلاء، أَم أبناءُ؟
أبدًا ما أُحسُّ جِسْمِيَ إِلاَّ — أَنهمْ في كيَانه أعْضاءُ
من شَغَافِ القلوب، من حَدَق الأَعْـ — ـيُن صيغ الحَرْفان: هَمْزٌ، وَبَاءُ
*** — عاطفٌ، عادلٌ، عزيزٌ، وعزمي
عِصْمَةٌ، عاصمٌ، عِمَادٌ، علاءُ — ما عرفت الحنان والحبَّ إلاَّ
يوم جاءُوا، أنْعِمْ بهم يوم جاءُوا! — لست أبغي منهم على العطف أَجْرًا
لهم الحُسْنى، أحسنوا أَم أَساءُوا — وذنوب الأَبناء للصَّفْح والغُفْـ
ـران؛ مهما جَنوْا فهم أبرياءُ — وعيوب الأبناء غيرُ عيوبٍ
مُقْلةُ الحبِّ مقلةٌ عمياءُ — ***
القَمِيءُ الكَظيمُ عند أبيه — فارعُ الطُّول، عينُه حَوْراءُ
رُبَّ شَوْهَاءَ لا ترى الأُم فيها — غيرَ حسناءَ لم تَلِدْها النساءُ
إِنَّ عَطْفي دِثار إذا ما — كَلِبَ البردُ، واستبدَّ الشتاءُ
وإذا مسَّتْهمْ حرارة صيفٍ — فحناني النَّسيمُ، والأَنْدَاءُ
وإذا شَحَّ الزادُ، والماءُ يومًا — فلهمْ مِنْ هَوَايَ: زادٌ، وماءُ
ورضائي عنهم بغير حدود — ولقد ينفع البنينَ الرضاءُ
*** — لم يَدعْ حبُّهم مكانًا لحبٍّ
في فؤادي تحتلُّه حسناءُ — ما تمنيت أَن يكون لحيّ
غيْرِ نجلي فوق ارتقائي ارتقاءُ — إِن تنَلْهُم سرَّاءُ، هزَّت كيانِي
من بعيدٍ بخمرها السَّرَّاءُ — أو يُصابوا -ولا أُصيبوا- فَإِنِّي
من قريب لمن أُصيبَ الفداءُ — أنا أخشى عليهمُ الشَّوْكَ في الور
دة، والذّرَّ إذ يَهُبُّ الهواءُ — غير أني أَرُوضُهمْ أَن يُعَانوا
عَنَتَ العيش؛ فالحياةُ عَنَاءُ — ***
لا، لعمري، ما كل عيشٍ نسيمٌ — إنما الريحُ: زَعْزَعُ، وَرُخَاءُ
ويكونُ النَّجاحُ حِلْفًا لهمْ في — كلِّ خطو، وهُمْ لهُ حلفاءُ
ليتني أسقيهِمْ تجاربَ عُمْري — في إِنَاء! وأين هذا الإِناءُ؟
أو أُذيبُ العلومَ في كأسِ ماءٍ — وأقول: اشربوا، هنًا، وشِفاءُ
ليتنا كُلَّما نُسَمِّي وليدا — وَهْو في المَهْد تَصْدُق الأسماءُ!
ليتنا نُورتُ البنينَ من الفِطْ — ـنَةِ، والنُّبْل، والنُهَى ما نشاءُ!
*** — أنا أرجو ألاَّ يخيبَ لَهُمْ مَسْـ
ـعىً، وألاَّ يطيشَ فيهم رجاءُ — كم سَأَلْتُ السَّماءُ عَطْفًا عليهم
ليت شِعْري: هل تستجيب السماءُ؟ — ودعاءُ الآباء أثْمَنُ كنزٍ
حينما يُخْطِئُ البنينَ الثَّراءُ — ليس كلُّ التُّراثِ بَيْتًا وحقْلاً
خير ما وُرِّث البَنُون الدعاءُ — أنا من أجْلهم أُريدُ حياةً
تَغْمُر الكونَ ليس فيها شقاءُ — لم يَشِنْهَا على المتاع صِرَاعٌ
أو تُشَوِّهُ جمالَها الشحناءُ — ***
ليس فيها داءٌ يُخَامِرُ جسما — ساغَ، أو مَرَّ في الحُلُوق الدواءُ
لم يكدِّرْ صفاءَها ثُكْل أُمٍّ — ليس فيها على عزيز بكاءُ
تضحياتُ الآباءِ شَتَّى، ولكن — بَسْمَةٌ من طفلٍ عليها جَزَاءُ
لَثَغاتُ الصغير -إن حَاوَل النطـ — ـقَ- نَشيدٌ، موقَّعٌ، وأداءُ
وصياحُ الأطفال -والأَبُ غَافٍ- — نَغَمَاتٌ شجيَّة وغنَاءُ
وخطابٌ يأتيك من نجلك الثَّا — ني قميصٌ جاءَت به البُشَراءُ
*** — يُكْسِبُ المرءَ في الحياةِ سُرُورًا
بل غُرُورًا أَبناؤُه النُّجبَاءُ — واهمٌ من يقول: لي بعد أُمي
وأبي مُخْلِصون، أو أصْفِيَاءُ — أصدقُ الأَصدقاء في هذه الدُّنْـ
ـيا همُ الأُمَّهات والآباءُ — وسواءٌ في ذلك الحبِّ: حيٌّ
ناطقٌ، أو بَهيمَةٌ عَجْمَاءُ — هِرَّةُ البيت إِن يَطْفْ بِبَنِيها
طائِفُ السُّوءِ حَيَّةٌ رَقْطَاءُ — ذاك سرُّ البقاء، لولا حنان الـ
أَبِ والأَمِّ ما تسنَّى البقاءُ — ولأَمرٍ مَا يخلُفُ ابنٌ أَباه
كي تدومَ الحياةُ والأحياءُ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الخفيف. من أعذب البحور وأكثرها شيوعًا بعد الطويل والكامل، خفيف على السمع يصلح لأغراض كثيرة.
تفعيلاته: فاعلاتن مستفعِ لن فاعلاتن.
القافية: رويّها حرف الهمزة — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- استثناء: [ث ن ي]. (مصدر اِسْتَثْنَى). 1."القَاعِدَةُ وَالاسْتِثْنَاءُ": "الحَالَةُ التِي تَخْرُجُ مِنَ الحُكْمِ أَوِ القَاعِدَةِ العَامَّةِ". حَضَرَ الجَمِيعُ بِاسْتِثْنَاءِ وَاحِدٍ" : إلاَّ وَاحِداً. 2."اِسْتَدْعَى جَمِيعَ أَصْد …
- الذكاء: ذكا: ذَكَتِ النارُ تَذْكُو ذُكُوّاً وَذَكًا، مَقْصُورٌ، واسْتَذْكَتْ، كُلُّه: اشْتَدَّ لهَبُها واشْتَعلت، ونارٌ ذكِيَّةٌ عَلَى النَّسب؛ أَنشد ابْنُ الأَعرابي: يَنْفَحْنَ مِنْهُ لهَباً مَنْفُوحَا ... لَمْعاً يُرى، لَا ذَك …
- الذكي: الذَّكِيُّ [ذكو]: ذو الفطنة؛ الطّالبُ الذَّكيّ يحلٌ المسائل الرّياضيّة بسرعة ج أَذْكِيَاءُ. -: السّاطعُ الرّائحة من المسك ونحوه؛ مسك ذكيُّ.
- امتياز: الامْتِيازُ : مصــ.-: الانفصال والانعزال؛ لا بدَّ من امتياز المريض ذي المرض المعدي.-: تخويلٌ من الحكومة لشخصٍ بالقيام بعملٍ ما أو بيع سلعة معيَّنة دون سواها؛ نالت الشركةُ امتيازاً ببيع هذا النوع من الحصّادات.-: الرّخصة؛ …
- انحناء: [ح ن و]. (مصدر اِنْحَنَى). 1."اِنْحِنَاءُ شَجَرَةٍ": مَيْلُهَا، اِعْوِجَاجُهَا. 2."اِنْحِناءُ الرَّأْسِ" : طَأْطَأَتُهُ.