افي كلِ يومٍ سورةٌ للنوائبِ
الشاعر: علي شوقي · البحر: الطويل
«افي كلِ يومٍ سورةٌ للنوائبِ» من شعر علي شوقي، من العصر الحديث، وتقع في 44 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الباء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
افي كلِ يومٍ سورةٌ للنوائبِ — تكدّر صفوَ العيش بين الحبائبِ
وفي كل حين تنتحيني بَغتة — مصائبَ تُنسيني قديمَ المصائبِ
ولولا أضاليلَ المنى وخداعها — لأصبحت قد سُدّتْ عليَّ مذاهبي
ولولا اعتصامي بالأسى وتجلدي — لأسلمت نفسي للزمان المحاربِ
فما زال قلبي يستضيء بحكمتي — إلى أن جلت عنهُ جيوشَ الغياهبِ
وبتُّ كأني ناعمُ البالِ هانىء — وإن كنتَ ذا قلب من الحزنِ واجبِ
فمالي وقد مارستُ كلَّ عظيمةً — أعلل نفسي بالأماني الكواذبِ
ألست من القوم الذين سيوفهم — معوَّدة ضربَ الطُّلَى والغواربِ
يمانيَّةٌ أغمادُها لا تُطيقها — فتغمد ما بين اللّهَى والترائبِ
نخافُ عليها من شديدِ ظمائها — فنروي صَداها بالدماءِ السواربِ
كأَن نحور القومِ بين سوفنا — بروج لهاتيك النجومِ الثواقبِ
لنا كلُّ سهم أشعفَ الرأس صائبِ — يفيضَ بنوءٍ من دَمِ الخصمِ صائبِ
إذا ما القتينا بالعدُوِّ فما بهِ — نهوضَ لكابٍ أو نجاةِ لهاربِ
بكل حَديدِ العزمِ سمحٍ بنفسهِ — يعدُّ ظهورَ الخيل أسمى المراتبِ
فمن مقبلٍ والموتِ مِلءُ قِرابهُ — يجودُ بهِ سَمْحاً على كلِ طالبِ
ومن حائمٍ كالصقرِ في حلبةِ الوغى — يعود حليفَ النصرِ دامي المخالبِ
وليس لنا إلا النفوسَ مغانمٌ — لأنا نعدّ الأسر فعلةَ سالبِ
فمن تُلْقِهِ الأطماعِ بين سيوفنا — رأَى خطراتِ الموتِ من كل جانبِ
إذا ما أثرنا نقعها حدَّثَتهْمو — صِحاحُ العوالي عن وخيم العواقبِ
فمن مبلغ عنى طرابلس أنني — مَشُوقٌ إلى تلكَ الرُّبى والهواضبِ
تجيشُ بصدري همةٌ عربية — وشَوقٌ إلى حَملِ القَنا والقواضبِ
ولولا شجونَ حُلْنَ بَيني وبينها — لكانَ مسيري في صدورِ الكتائبِ
فيا غيضة الآسادِ تَفديكَ أنفسٌ — تُعيذكَ أن تضحى مَدبَّ العقاربِ
سُقيتِ دماءَ الخصم صِرفاً فأنني — أجلّلكِ أن تُسقَىْ بغُزرِ السحائبِ
ويا أمةً ما سامها الدهر مرةً — بخسفٍ ولم ترجع بصفقةِ خائبِ
هلموا إلى حرب العدوّ فإِنها — لفرضٌ على شبانكم والأَشايبِ
ولا تَثِقوا بالوعد من أيّ دولةٍ — فهنَّ الأعادي في سماتِ الحبائبِ
رِدَا بِي حياضَ اليأسِ فالصبرُ لم يُجْدِ — لعلّي أَرى في اليأس عوناً على وَجدي
وعُوداً لِنُصحي طالما قد نَصحتما — عشيةَ كان النصح يقصرُ عن رَدّي
ولُوماً ولا تَثريبَ فيه عليكما — فلستُ أرى عن سمعيَ اللومَ مِنْ بُدِّ
وإلا فصبراً منكُما تُسْديانهِ — إليَّ فإِنَّي قد تصَرْم ما عندي
ليَهْنِ الليالي الموهناتِ عزائمي — شكاتيَ مَن أهوى لأعدائي اللُّدِ
على حينَ بانتْ مِن حنيني إليهمُو — بوادرُ قد سوَّلنَ للعين أَن تُندي
هيا عينُ قد أصبحت عونَ صبابتي — وعُنوانَ ما أُخفى وبُرهانَ ما أُبدي
لكَ اللهُ من مرهومَةِ الجفنِ بالحَيا — سَكوبٍ لمثلِ المَهلِ تكوِي بهِ خدي
تُراقب مَسْرى الطيفَ ليلاً وإِنها — لفي شغُل عن لذَّةِ الحُلمِ بالسهدِ
ولي قلبُ ثكلى قد أطلتْ عَزاءَه — ويأبَى ضَلالاَ أَن يثوبَ إلى الرشدِ
عميدُ هوَى جمٍ إليه نزاعَهُ — خَفوقٌ على الحالينِ في القرب والبُعدِ
ولم أَرَ مثلي متعَبَ القلبِ في الهوى — حليفَ أسَى مُستَرعفَ العين والكبِ
ألا في سبيل المجد نسلُ أكابرٍ — إذا ما التقوا غُصّتْ بهم سُبلِ المحدِ
فتَى أَيِّدٌ شابت أمانيه في العلى — ولم يتخطَ الشيبُ منه إلى الفَوْدِ
أمراضُ قلوبِ خالياتٍ من الهوى — بهن عمىً عن مِلاءٌ من الحقدِ
يمارونني فيما أقولُ سفاهةً — وما عَلِموا أن السفاهة قد تُردِي
رويدَكُمو لا تزجروني ضلة — فما نفسكم نفسي ولا وجدكمُ وجدي
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الباء — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- اعتصامي: الاعْتِصَامُ : مصـ.- بالله: اللجوء إليه. - بالصمت: السكوت.-: الامتناع عن العمل أو الدراسة يَعمد إليه العمّال أو الطلاّب لتحقيق مطالب لهم.
- تكدر: تَكَدّرَ يَتَكَدَّرُ تَكَدُّراً : لم يعد صافياً؛ تكدّر الماء/ تكدّر عيشُه، أي تنغّص.