أما في الناس من رجلِ رشيدِ

الشاعر: علي شوقي · البحر: الوافر

«أما في الناس من رجلِ رشيدِ» من شعر علي شوقي، من العصر الحديث، وتقع في 45 بيتًا. نُظمت على بحر الوافر، ورويّها حرف الدال.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

أما في الناس من رجلِ رشيدِ — يَمد القوامَ بالرأي السديدِ

فقد عميتْ بَصائرهم وَضلوا — سبيل الرشد من زمنٍ بعيدِ

وشبّتْ بينهم حربٌ ضَروسِ — شبوباً غير مرجوِّ الخمودِ

ويوشكُ أن يطيرَ لها شَرارُ — يطيحَ بكلِ حيٍّ في الوجودِ

وَعمَّ البؤسُ أهلَ الأرضِ طُرّا — وزالت نعمة العيشِ الرغيدِ

وتخشى منهم الدنيا رزايا — تشيب لهن ناصيةُ الوليدِ

فلا رفع الأله لهم لواءً — ولا حَياهمو أبدَ الأبيدِ

وصبَّ عليهم اللعناتِ صبًّا — كما صبَّ العذابَ على ثمودِ

فما من أمّةِ منهنَّ إلا — وقد سيستْ بجبّارٍ عَنيدِ

قضَى لهم الزمانَ بِأَنْ يسودوا — بلا شرفٍ ولا خُلق حميدِ

ولو جرتْ الأمورُ إلى مَداها — لبانَ التّبرُ من خبثِ الحديدِ

لهم في السّلم أخلاقَ البغايا — وفي الأزماتِ أخلاقَ العبيدِ

إذا عضتهم الحربُ استغاثوا — بأهل الأرض من بيضٍ وسودِ

وزادوا أجَّةَ النارِ اشتعالاً — وراحوا يبحثونَ عن الوقودِ

كدأبهمو غداةَ تألّفونا — وغَروّنا بمعسولِ الوعودِ

وما لبثوا أن انتقضوا علينا — وخاسوا بالوعودِ وبالعهودِ

ولم نرَ قبلَ ذاك ولا سمعنا — بوعدٍ قد تكشّف عن وَعيدِ

ولا عهد تقلْصَ من قريبِ — تقلّصَ رُقعةِ الظلِّ المديدِ

ولو رجَعوا إلى الإنصافِ كنّا — أحقَّ بكلِ إكرامِ وجودِ

ألم نمدُدْهمو برجالِ صدقٍ — وفتيانٍ أولى بأسٍ شديدِ

ألم تَكُ أرضُنا لهمو مَراحاً — وملهى مستطاباً للجنودِ

ألم نؤثْرهمو بالزادِ جَمْا — ونقنع منه بالنزْرِ الزهيدِ

ولكن شِقوة كتبت عليهمُ — وكم غلبَ الشقاءُ على الجدودِ

وعادوا للنفاق فذكرونا — بنكران الصنائع والجحودِ

وما كنا وإن كانوا دُهاةً — لنأمنهُم على غَدرٍ جديدِ

وسوفَ يَرونَ أَنْا قد بَرِمْنا — بما يُبدي الأحبةَ من صدودِ

وآنَ لنا الغداةَ وقد رقدنا — طويلاً أن نملُ منَ الرقودِ

ولم تَعُدْ المطامعُ تزدهينا — فيسلمنا الركوعَ إلى السجودِ

وإنّا لن تلين لنا قَناةٌ — فنقعدَ عن مضاعفةِ الجهودِ

وإنّا لا نملُ من التقاضي — إذا ما الأمرُ جَلَّ عن الوعيدِ

وإنّا لا نشقُّ الجيبَ حُزناً — ولا نذري الدموعَ على شهيدِ

أقاموا مجلساً للأمن يدعو — إلى السّلمِ المكبلِ بالقيودِ

تَولّى كِبْرَهُ السفهاءُ منهم — وغُصَّ بكلِ شيطانٍ مَريدِ

إذا اجتمعنوا على أمرِ مرِيجٍ — تواصَوْا بالضغائنِ والحقودِ

وليس السّلم بُغيتهمُ ولكن — دَهتْهُمُ صولةُ الخصمِ اللدودِ

وهم من قبل ذلك في شقاقٍ — على رغم المواثقِ والعقودِ

يفرق بينهم حَسدٌ وبغضٌ — وهل تُرجى المودّةُ من حَسودِ

ويخدعُ بعضهم بعضاً ليحظى — بما يبغي ويطمعُ في المزيدِ

وكم لهموا هنالكَ من دنايا — روائحها تطير مع البريدِ

وهل أبقى العدوُ لهم نصيباً — من الدنيا سوى لطم الخدودِ

وكانت ضيعة لبنى أبيهم — توارثها البنون عن الجدودِ

إذا ما الليث أثخن في الضحايا — تناحرت الذئابُ على الجلودِ

وقد مُسخوا قروداً بل يهوداً — وهل خلقٌ أحطُ من اليهودِ

تولوهم على ما كان منهمُ — من الشنآنِ والبغضِ الشديدِ

ومن كان اليهودُ له وليّاً — فبشِّرْهُ بخذلانٍ أكيدِ

البحر والقافية

القصيدة على بحر الوافر. بحر موسيقيّ متدفّق يصلح للحماسة والفخر والغزل، سُمّي وافرًا لوفور حركاته.

تفعيلاته: مفاعلتن مفاعلتن فعولن.

القافية: رويّها حرف الدال — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • الخمود: الخُمُودُ : مصـ. -: السُّكونُ والسُّكوتُ؛ خُمودُ النّار / خمودُ الصوت / خمودُ المَرض.
  • الرغيد: الرَّغِيدُ : - من العيشِ: الرَّاغِدُ الكثير الواسع؛ يعيش بين أهله عيشاً رغيدًا.
  • السديد: السَّديدُ : الصائِبُ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً.
  • رشيد: الرَّشِيدُ : من أَسماء الله الحُسْنَي. ــ: ذو الرُّشْدِ والحَسَنُ التقديرأَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رشِيدٌ . ــ: المرْشِد.-: من بلغَ سِنَّ الرُّشْد.

قصائد ذات صلة

  • قصيدة
  • عدتْك كرائمُ الديَمُ الغوادي
  • افي كلِ يومٍ سورةٌ للنوائبِ
  • ما زالً بي الحزنُ حتى كادَ يَفنيني
  • ألا لله دَركَ من خليلِ
  • ذات طوقٍ سجعت في فَنَنِ
  • لقد زَرَفْتَ على الخمسينِ سني
  • إنَّ الأحِّبةَ سَوّفوك إلى غَدِ