أبى
الشاعر: عبد المجيد عيد محمود · البحر: الرجز
«أبى» من شعر عبد المجيد عيد محمود، وتقع في 100 بيتًا. نُظمت على بحر الرجز، ورويّها حرف الفاء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
البدر مُقعٍ فى جحيم يخسِفُ — والشمس ولهَى فى حدادٍ تكسِفُ
والغصنُ واهٍ باخعٌ متقصِّفُ — والزهر ساهٍ خاشعٌ يتأسفُ
ويلاهُ فالأرزاءُ تترَى ما لها — سكنتْ قليلا ثم عادَتْ تجرُفُ
كالنار لا تخبو وهاجَ ضِرامُها — كالسيل لا يرتدُّ لا يتوقَّفُ
تثنى معاطفَها الفجائعُ ويحها — وبكل قبحٍ غيظُها متكشفُ
يا ليت شعرى والمآسى جمةٌ — جهمٌ عبوسٌ وجهُها متغطرفُ
”نارُ الأسى مشبوبة ٌفى أضلعى“ — وأُوارُها يمضى حثيثًا ينقُفُ
مِن صابِها مرًا شربْتُ ولوعةً — مثل الحميم يسُورُ لا يتلطفُ
فالخطبُ أعظمُ من سخينٍ موجِعٍ — ذا بحرُ غمٍ مزبدٌ لا يُنزَفُ
طافت بعقلى ظِنةٌ أيقنتُها — وعتتْ مخاوفُ فى فؤادى تَلقَفُ
واجتث نفسى من منابتها أبى — شكِّى أهذا الموت آتٍ يشرفُ
بيديْهِ يبطشُ لا يلينُ لعاتبِ — تبًا لهُ عند المكيل يطففُ
عهدى به ما كان يوما مخلفا — ما ضرَّ لو يلوِى العِنانَ ويصدفُ
قدْ مِتُّ لما أنْ سمعتُ نعِيَّكم — هيهات ، لو كان النعِىُّ يصَحِّفُ
ويح المنية كبَّلتْ واستحكمتْ — لم يُثْنها شىءٌ تُبيرُ وتردفُ
قدرٌ مضَىى هاض الجَناحَ وقصَّصَ — ربَّاهُ ! لو تُركَ الجناحُ يرفرفُ
إنَّ الجحيم بقلبنا قد سُعِّرتْ — عصفتْ بنا ريحٌ سمومٌ ترجفُ
وتربصتْ كل المزالق حولنا — هوجاءَ جُنَّ سعيرُها المتعجرفُ
ومضتْ تفرق شملنا أيدى سبا — أَوَ كل حينٍ ثمَّ نفسًا تُتلفُ
دُكتْ قواعدُ حصننا وتصدَّعتْ — أركانُنا آهٍ وخرَّتْ أسقفُ
فكأننا أعجاز نخل خاويه — أخنَى علينا هاتفٌ متصلفُ
إنَّ المنايا لا تطيش سهامُها — وسلِ الحنايا كيف باتتْ تُنسَفُ
ما نافعٌ فى الموت درعٌ سابغه — أَنَّى وفى يمناه سيفٌ مرهفُ
شُدَّ الوثاقُ التاع قلبى مثخنا — عثراتهُ لا تستقالُ ستعكفُ
فُتقَ الفؤادُ وليس يُرتَقُ فتقُه — كيف التوقِّى والمنايا تذعَفُ
بعدَ الطلاقة عابسٌ متجهمٌ — وجهى وظهرى بالمكاره يعقفُ
قد شيَّبتْ منى البلايا مفرقى — والوهنُ يسرى فى الفؤاد ويوجفُ
أبكى فلا عينى القريحةُ دمعُها — يرقا ولا جفنى المسهَّدُ يَطْرِفُ
ودجتْ بنا ظُلَمُ الفناء تحسُّنا — لا نجمَ فيها راحمٌ متعطِّفُ
حطمتْ قواىَ وكسَّرتْ عظمى وقا — لتْ ”لا لعًا“ سأظلُ أطعنُ أقصِفُ
والروحُ رهن نوازلٍ لا تنقضى — ويبَ النوازل .. ويحها لا تعزفُ
آهى تعهَّدَّها العذابُ كأنها — بركانُ فجعٍ كلَّ غمٍ يقذفُ
”تلك الرزية لا رزية مثلها“ — قلبى يئن ونبضه يتوقفُ
لو كان من صخرٍ لبات مصدَّعا — جيشٌ عرمرمُ بالمجانق يقذفُ
لو كان من زُبَرِ الحديد أذابهُ — دمعٌ أسيفٌ بالدماء مدوَّفُ
لا تسألَّنى كيف صرتُ مُنكَّسا — فالموتُ مَنْ يلقاهُ حتمًا يَضعفُ
جُرِّعتُ بعدكَ كأسَ همٍ صاردٍ — وفراق كل أبٍ شبيهك يقصفُ
والله ما وَنَتِ المدامع لحظة — سلْ ماءها ينبيكَ عما يتلفُ
تنقادُ طيعةً بغير تلفتٍ — نفسى وفى لجج الضياع تجدِّفُ
لما أشار لنا الطبيبُ:استودعوا — نفِدَ التصبُّرُ حلَّ ما لا يُصرَفُ
نيران فقدك فى القلوب ذكية — وفجائعٌ وقواصمٌ وعواصفُ
واضيعتى من بعد موتك يا أبى — فى غير ذى زرع أنا أتكففُ
غشَّى صفاءَ العيش بعدك كُدرةٌ — والماء رنَّقَ والأمانى تصدفُ
وتقطعتْ سبلٌ بنا وتمزقتْ — والريحُ تعوى فى جحيمٍ تعصفُ
فنِىَ الهناءُ تصرَّمتْ أيامهُ — وأتى الشقاءُ مروِّعًا يتحسَّفُ
خمسون من عمرى مضتْ لم ألقَ في — ها غير فقدان الأحبة يعقفُ
كانت سرابًا مثل برقٍ خُلَّبٍ — لو جئتهُ وحسبتَ ماءً يخلفُ
ما بال شعرى لا يطيق خواطرى — أبياتهُ بَكْما تلعثمُ تهرفُ
وىْ للقوافى زُلزِلتْ واسَّاقطتْ — تلقَى الخريف وريحُهُ تتعنَّفُ
أبتاهُ تذكر يوم جئتَ تعودنى — فإذا عيونك يا فديتك تذرفُ
يا أيها الطود المُنيفُ وما هوى — لكنْ هوى ما كان فىَّ يُسوَّفُ
أنا غرس كفك لو تمهَّلُ ساعة — بعسى وليت ولو يؤوب ويخلفُ
أنت الخليل ذبحتنى وفديتنى — واليوم لا فادٍ ولا متعطفُ
أنا فى غياهبَ فى مهامهَ ساهمٌ — أنا فى طلولٍ فى قيودٍ أرسفُ
فى عَوْلَةٍ قلبى يروحُ ويغتدى — فالدار بعدك بلقعٌ لا تولفُ
كم بتُّ فى نعمائكم متقلبا — أَوَهكذا فى لحظة تُتَخطَّفُ
كنا نعيشُ بصوبكم وغمامكم — تذوى الغصون وظِلُ غصنِك مورفُ
قد كنتَ ”عيدًا“ بالسعادة عائدًا — يهمى كمثل المزن بل هو أوكفُ
وندىً تكاثف فى الشدائد والمحن — لا شىءَ أحفل من نداكَ وأَكثفُ
يا أيها الثاوى على قنن الندى — ” كل الندى إلا نداك تكلفُ“
يسخو بكفك للهناءة مرفأ — والبِشرُ فى عينيكَ لا يتكنفُ
تربتْ يداكَ عهدْتُها مبسوطة — فى كل خير ثمَّ مال تتلفُ
كم كرب ليلٍ مطبقٍ فرَّجتَهُ — فأتى الصباح عليه وهْو مكشَّفُ
يا كوثرًا وسلوا العفاة الغارمي — ن متى اعتراهُ تبلُدٌ وتخلُفُ
فى كل نازلة له سيف يصو — لُ وألف كفٍ لا تهابُ وتلقفُ
فى كل غاشية له أعظم به — رأى كحدِّ السيف بل هو أرهفُ
فى كل نائبة له متصرَّفُ — رأىٌ حصيفٌ أو يدٌ أو موقفُ
لم يثنِ تيها بالمكارم عِطفه — لم يدْنُ منه تكبُّرٌ وتصلفُ
وإذا تراه محكما فى محفل — فتراه يصدع بالتى هى أعرفُ
وإذا تراه محدثًا فهو الصَّدو — قُ هو البليغ المِصْقَع المتصرِّفُ
وهو الرؤوف هو الرحيم بأهله — مثل النبى وقد تواضع يخصفُ
وكم اهتدينا فى الظلام بوجهه — أجبينُه أم ذاك برقٌ يخطِفُ
عفُّ الشمائل قسورىٌ قلبهُ — أسنى من العلياء بل هو أشرفُ
رعتَ القلوب مهابة وملأتَها — حبًا وعطفًا منه صارت تؤلفُ
وأتاك مجدٌ لا يلين لطالبٍ — متبخترٌ ذا تالدٌ ذا مطرفُ
عدد النجوم مآثرًا ومكارمًا — من أىَّ نبعٍ للمعالى تغرفُ
عن كل خائنةٍ تَغَافلُ مُعرضا — وتقىً يزينُ وطاعة وتعففُ
بتلاوة القرآن عشتَ موكلا — وبكل قراء الزمان تشنفُ
بالليل يتلو والنهار، أَوِرْدُهُ — عشرون جزءًا أَم تُراه ينيِّفُ؟!
فى لهفة رباهُ أَسمعُ ها يحنْ — نُ إلى بنانكَ فى الهزيع المصحفُ
دانتْ لكَ النغمات وهى عزيزةٌ — وافتكَ طبعًا ليس فيه تكلفُ
ما كان أتقنَ ما تجوِّدُ مبدعا — وبحُسن آيات القران تزخرفُ
الصبح يسفر فى الوجود بنورها — ويد الزمان بمدحهن تصنفُ
كم ختمة قد بحتَ لى بجلالها — غرِدًا ترجعُ بالفؤاد وتعزفُ
كاللؤلؤ المنثور تتلو آيها — وعلى وشاح من حريرٍ ترصفُ
متجاوزًا فى ”النجم“ أبواب السما — فإذا الجنانُ مسَلِّماتٍ تزلفُ
و”الانفطار“قرأتَها بمدامع — فتزلزل القلب الشقى الأغلفُ
فى ”الكهف“ جئتَ بكل فن ساحر — وأتيت فى ”ق“ بما لا يوصفُ
يا أيها الغِرِّيد حسبك فى الدجى — ” أشكو إليك “ بدمع قلب يشعفُ
و”اللهُ أكبرُ“فى جلالٍ سامق — متعاظمٍ تُبرِى القلوب وتسعفُ
أأخو ”بلالٍ“؟! فيك منهُ أنينهُ — وحنينهُ ، وبلونِه تتشرَّفُ
محرابُ جامعنا القديم تشوقَ — ومنارة كانت بصوتك تزخفُ
وهفتْ إليك منابرٌ وتشوفتْ — كم كنتَ فيها بالمحامد تهتفُ
وبكى خطاكَ الليلُ نحو مساجدٍ — ونعاكَ : أين الأبلجُ المتصوفُ؟
وتلفتَ الأصحاب لما طوَّفوا — وتسمعوا ”لبيك“ لما عرَّفوا
وتهنَّفوا عند الصفا وبمروةٍ — وتذكروك بدمعهم إذ خيَّفوا
الآن أمسى فى المقابر ثاويًا — هذا الشهابُ السمهرىُّ الأشرفُ
فدعِ الأمانى إنها غرَّارةٌ — أنيابُها غيظًا تصرُّ وتصرفُ
ختارةٌ ختالةٌ خوانةٌ — خراصةٌ خداعةٌ تتحيَّفُ
وإلى فناءٍ كل شىءٍ سائرٌ — زورٌ هى الدنيا سرابٌ زخرفُ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الرجز. يُلقّب بـ«حمار الشعراء» لسهولته، ويُستعمل في المنظومات العلمية والارتجال.
تفعيلاته: مستفعلن مستفعلن مستفعلن.
القافية: رويّها حرف الفاء — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- باخع: البَاخِعُ : فا-: المقطِّع نفسَه غمًّا وحزنًا فَلَعَلَّكَ بَاخِغٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ.
- تخبو: [خ ب أ]. (مصدر تَخَبَّأَ). "التَّخَبُّؤُ فِي الكَهْفِ": الاخْتِفَاءُ وَالتَّسَتُّرُ فِيهِ .
- جحيم: الجَحِيمُ : اسم من أسماء جهنّم وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ.-: النّار المتأجَّجة بشدَّة؛ هذا الحَرُّ أصبحَ جحيماً لا يطاق.
- جهم: جهم: الجَهْمُ والجَهِيمُ[[. قوله [والجهيم] كذا بالأصل والمحكم بوزن أمير، وفي القاموس الجهم وككتف]]. مِنَ الْوُجُوهِ: الْغَلِيظُ الْمُجْتَمِعُ فِي سَماجة، وَقَدْ جَهُم جُهُومةً وجَهامةً. وجَهَمَه يَجْهَمُه: اسْتَقْبَلَهُ …