الموقف الرهيب
الشاعر: عبد الله بن علي الخليلي · البحر: الكامل
«الموقف الرهيب» من شعر عبد الله بن علي الخليلي، وتقع في 83 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف القاف.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
إلهي تدارك أمتى أن تفرقا ... ونحلتها البيضاء أن تتمزقا
إلهي حطها أن يداس عرينها ... فقد كاد ما بالكيد أن يتحققا
إلهي ما للكون مادت صروحه ... وماجت به الآفاق غرباً ومشرقا
إلهي ما للأرض تهوي بأهلها ... تكاد على بحر العفا أن تزلقا
إلهي ما للعرش والفرش والسما ... يذبن على حر المصاب تحرُقا
إلهي أنت الله تفضي كما تشا ... وتحكم مختاراً وتعدل متقى
قضيت ولم تظلم إلهي فحسبنا ... جميل العزا والصبر فيك تخلُّقا
أتغلبنا الجلّى على الصبر والعزا ... وعروتنا في الله ما كان أوثقا
ولله في القلب الموفق طالع ... من النور إن تدجُ الطبيعة أشرقا
سلوا نكبات الدهر هل بتن ليلة ... على ترة إلا وأصبحن طرّقا
سلوهن كم أردين من عهد آدم ... عوالم لا تحصى وغودرن سبقا
أدرن على المختار كأساً مريرة ... وما كدن أن يفعلن شيئاً مصدقا
ولكنه التصريف لله والقضا ... فسبحانه رباً تفرد بالبقا
أتين عليه بعدما اختار قربه ... من الله واشتاق المقام المشوقا
فما مات لما بات بالرمس جسمه ... ولكنه أحيى وحيّ وحققا
وتلكم سبيل الله في كل خلقه ... فأجدر بذي مرضية أن يوفقا
خليلي ما لي لا أقول مصرحا ... وخير مقال المرء ما كان أصدقا
لموتُ إمام المسلمين محمد ... مصاب على الدين الحنيفي والتقى
وما كان قيس هلكه هلك واحـ ... ـد ولكنه بنيان قوم تفلقا
أعزريل من أبقيت بعد محمد ... لموهبة تبقى وشعواء تتقى
وللأمن والإيمان والجد والجدا ... وللعرف والعرفان إن جاد أغدقا
أتيت على نفس زكت وتقدست ... وما كدت ترعى الشان أن يتمزقا
تجرعها كأساً على الناس سكرها ... كأنك تسقيها الزمان وما سقى
إمام الهدى ما لي أراك مزملا ... يحثك داعي الله شوقاً إلى اللقا
كأنك والأيدي بنعشك شرع ... سنا بارق في متن أطلس مُودقا
رأيتك والحمى بجسمك حرها ... وأنت كما قد كنت بالا ومنطقا
كأنك لم تخلق هلوعاً ولم تكن ... جزوعاً ولكن كنت جلداً موفقا
كأن المنايا منية لك كلما ... دنت منك أولتك الرحيق المعتقا
ترى حولها ما لا نرى من بشائر ... فتغدو عليها أن تخطاّك مشفقا
تسر بما تلقى ونحزن عنده ... فلله من حالين معنى تفرقا
هنيئاً خلفت المصطفى في سبيله ... وهمت إلى اللقيا به متشوقا
ففزت من الفردوس بالرتب العـ ... ـلى لديه فدم في غبطة متفنقا
يزورك جبريل وكل مقرب ... بها ولفيف الأنبياء تشوقا
وتلقاك فيها الحور بالبشر والهنا ... كما يتلقى عاشق من تعشقا
هنيئا إمام المسلمين فإنها ... مقامة إحدى الحسنين فأخلقا
نشرت لواء الحق حتى تحققت ... حواليه آمال الجلال تحققا
تطوف به الآفاق يخفق في يدي ... أخي ظفر ما شن غاراً فأخفقا
تخلقت بالخلق العظيم تأسيا ... بأحمد لما شئت أن تتخلقا
إذا أغلقت أبواب كسرى وقيصر ... فبابك دون الناس لم يُلف مغلقا
وإن ساد بالسلطان والعنف معشر ... فبالعدل والإحسان قد سدت مطلقا
حلمت فلم تترك لذي الحلم موضعاً ... وطلت فلم تترك لذي الطول مرتقى
وصُلت فلم تترك على الأرض آمنا ... وجدت فلم تترك من الناس مملقا
ورضت فذللت الخطوب وكيدها ... وقلت فبرزت الحقيقة مُفلقا
وألبست من نسج التواضع حلة ... وكنت بموضون الهدى متمنطقا
إذا الأمر أعيى الناس رأياً وخبرة ... سللت له من نير الفكر أبرقا
وإن ذاب من حر الوغى قلب ماجد ... فقلبك أقوى صخرة أن يفلقا
سلام على العلياء بعدك والندى ... على الفضل والحسنى على العز والبقا
على العلم والفتيا على الحلم والحجا ... على الحكم والإجلا على النسك والتقى
هنيئاً لأصحاب المقابر جيرة ... سقت دوحها التقوى فطال وأعذقا
هنيئا لأصحاب القبور فإنما ... يُهنأ بالجار التقيّ من اتقى
فيا لضريح ضم جرماً به الهدى ... ومعنى الهدى والعالم المتعمقا
ويا لضريح شق في القدس لحده ... فأشأم روح القدس منه وأعرقا
ويا لضريح نوره ملأ الفضا ... وفاح على الدنيا شذاه مخلقا
حنانيك لو كان القضا يقبل الفدا ... لما عز من تحت السماء ومن رقى
حنانيك لو كان القضا يقبل الرشا ... لعاد بما يبغي من المال مغدقا
حنانيك لو أن الدعا كان مجديا ... لما شمت إلا داعياً متعلقا
محمد حُمِّلت الخلافة إثرة ... عليك وإبقاء على الدين واتقا
محمد ما كنت الضليع بشأنها ... لتهنأ بها بل كي تكون لها الوقا
دعيت إليها بعد ما جد جدها ... وكادت عصا الإسلام أن تتشققا
فقمت لها مستحقب الصبر صامداً ... إلى الله فيها بالتقى متخلقا
وأعملت أنضاء القوى في سبيلها ... سرى فحمدت الحال صبحك مشرقا
وشيدت مبناها وحُطت كيانها ... وأسقيت مغناها فطاب وأورقا
وأنفقت فيها النفس لله جاهدا ... فلله من أضحى وللنفس منفقا
وجمعت شمل المسلمين بسوحها ... وكنت لشمل المال فيهم مفرقا
لقد أورثتك الفجر صرفاً أبوةُ ... كما ورثتك المال حلا مروقا
فقمت بذا في خدمة الله مخلصا ... إلى الله تسعى صادقاً ومصدقا
وقلدت من هذا الرقاب فلم تكد ... ترى في البرايا منه الا مطوقا
كأن رجال الدين في الأرض عالة ... عليك فتخشى أن يضيعوا تفرقا
تناول فيهم بلغة القوت راضيا ... بميسوره إذ كان في الله أخلقا
تبيت خميص البطن زهداً وتتقي ... برزقك بطن الدهر أن يتعمقا
أقمت لديهم ما أقمت تسوسهم ... بلطف وإحسان بهم مترفقا
تبث بهم روح الشريعة والهدى ... وتسعى بهم في حضرة القدس مطرقا
وتخدمهم والحال شيب وضعفة ... وسقم وتخشى أن ترى متزلقا
وتفنى حياء أن ترى الله عاتبا ... وليس سوى العتبى وقد جئت أصدقا
هو الدهر لا يُبقي مقيما على الوفا ... ولا غادراً بحْتاً ولا متملقا
وربة فان جسمه وهو خالد ... يعيش بنعماه الزمان مفنقا
يشيد بناء الدين حيا وميتا ... ويحفظ أمر الله أن يتفرقا
محمد أنت السيد الخالد الذي ... به الدين أضحى ناضر العود مورقا
وكيف وقد أنفقت فيه ثمينة ... حياتك جوداً كالزلال وفيلقا
تروم بما أنفقت في الله وحده ... وقاية دين الله أن يتمزقا
فثوبت من مولاك خير مثوبة ... غداة الجزا حول النبيين مرفقا
وهاك ولي الله مني تحية ... كأن كتبت بالنور خطاً منمقا
يفض ختام المسك حولك شوقها ... إليك وتسعى في رضاك لتشرقا
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف القاف، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- العزا: عزا: العَزَاءُ: الصَّبْرُ عَنْ كُلِّ مَا فَقَدْت، وَقِيلَ: حُسْنُه، عَزِيَ يَعْزَى عَزَاءً، مَمْدُودٌ، فَهُوَ عَزٍ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ لعَزِيٌّ صَبُورٌ إِذَا كَانَ حَسَنَ العَزَاء عَلَى المَصائِب. وعَزَّاه تَعْزِيَةً، عَ … (لسان العرب)
- العفا: عفا: فِي أَسماءِ اللَّهِ تَعَالَى: العَفُوُّ، وَهُوَ فَعُولٌ مِنَ العَفْوِ، وَهُوَ التَّجاوُزُ عَنِ الذَّنْبِ وتَرْكُ العِقابِ عَلَيْهِ، وأَصلُه المَحْوُ والطَّمْس، وَهُوَ مِنْ أَبْنِية المُبالَغةِ. يُقَالُ: عَفَا يَعْفُ … (لسان العرب)
- بالكيد: كيد: كَادَ يَفْعَل كَذَا كَيْداً: قارَب. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: قَالَ سِيبَوَيْهِ: لَمْ يَسْتَعْمِلُوا الِاسْمَ وَالْمَصْدَرَ اللَّذَيْنِ فِي مَوْضِعِهِمَا يَفْعَلُ فِي كَادَ وعَسَى، يَعْنِي أَنهم لَا يَقُولُونَ كادَ فاعِل … (لسان العرب)
- تدارك: درك: الدَّرَكُ: اللحَاق، وَقَدْ أَدركه. وَرَجُلٌ دَرَّاك: مُدْرِك كثير الإِدْراك، وقلما يَجِئْ فَعَّال مِنْ أَفْعَلَ يُفْعِل إِلَّا أَنهم قَدْ قَالُوا حَسَّاس دَرّاك، لُغَةٌ أَو ازْدِوَاجٌ، وَلَمْ يَجِئْ فَعَّال مِنْ أَف … (لسان العرب)