إذا كان مدح فالنسيب المقدم
الشاعر: المتنبي · البحر: الطويل · الغرض: قصيدة مدح
«إذا كان مدح فالنسيب المقدم» من شعر المتنبي، من العصر العباسي، وتقع في 42 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الميم، وغرضها قصيدة مدح.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
إِذا كانَ مَدحٌ فَالنَسيبُ المُقَدَّمُ ... أَكُلُّ فَصيحٍ قالَ شِعرًا مُتَيَّمُ
لَحُبُّ ابنِ عَبدِ اللهِ أَولى فَإِنَّهُ ... بِهِ يُبدَءُ الذِكرُ الجَميلُ وَيُختَمُ
أَطَعتُ الغَواني قَبلَ مَطمَحِ ناظِري ... إِلى مَنظَرٍ يَصغُرنَ عَنهُ وَيَعظُمُ
تَعَرَّضَ سَيفُ الدَولَةِ الدَهرَ كُلَّهُ ... يُطَبِّقُ في أَوصالِهِ وَيُصَمِّمُ
فَجازَ لَهُ حَتّى عَلى الشَمسِ حُكمُهُ ... وَبانَ لَهُ حَتّى عَلى البَدرِ مَيسَمُ
كَأَنَّ العِدا في أَرضِهِمْ خُلَفاؤهُ ... فَإِن شاءَ حازوها وَإِن شاءَ سَلَّموا
وَلا كُتبَ إِلا المَشرَفِيَّةُ عِندَهُ ... وَلا رُسُلٌ إِلا الخَميسُ العَرَمرَمُ
فَلَم يَخلُ مِن نَصرٍ لَهُ مَن لَهُ يَدٌ ... وَلَم يَخلُ مِن شُكرٍ لَهُ مَن لَهُ فَمُ
وَلَم يَخلُ مِن أَسمائِهِ عودُ مِنبَرٍ ... وَلَم يَخلُ دينارٌ وَلَم يَخلُ دِرهَمُ
ضُروبٌ وَما بَينَ الحُسامَينِ ضَيِّقٌ ... بَصيرٌ وَما بَينَ الشُجاعَينِ مُظلِمُ
تُباري نُجومَ القَذفِ في كُلِّ لَيلَةٍ ... نُجومٌ لَهُ مِنهُنَّ وَردٌ وَأَدهَمُ
يَطَأنَ مِنَ الأَبطالِ مَن لا حَمَلنَهُ ... وَمِن قِصَدِ المَرّانِ ما لا يُقَوَّمُ
فَهُنَّ مَعَ السيدانِ في البَرِّ عُسَّلٌ ... وَهُنَّ مَعَ النينانِ في الماءِ عُوَّمُ
وَهُنَّ مَعَ الغِزلانِ في الوادِ كُمَّنٌ ... وَهُنَّ مَعَ العِقبانِ في النيقِ حُوَّمُ
إِذا جَلَبَ الناسُ الوَشيجَ فَإِنَّهُ ... بِهِنَّ وَفي لَبّاتِهِنَّ يُحَطَّمُ
بِغُرَّتِهِ في الحَربِ وَالسِلمِ وَالحِجا ... وَبَذلِ اللُها وَالحَمدِ وَالمَجدِ مُعلِمُ
يُقِرُّ لَهُ بِالفَضلِ مَن لا يَوَدُّهُ ... وَيَقضي لَهُ بِالسَعدِ مَن لا يُنَجِّمُ
أَجارَ عَلى الأَيّامِ حَتّى ظَنَنتُهُ ... تُطالِبُهُ بِالرَدِّ عادٌ وَجُرهُمُ
ضَلالاً لِهَذي الريحِ ماذا تُريدُهُ ... وَهَديًا لِهَذا السَيلِ ماذا يُؤَمِّمُ
أَلَم يَسأَلِ الوَبلُ الَّذي رامَ ثَنيَنا ... فَيُخبِرَهُ عَنكَ الحَديدُ المُثَلَّمُ
وَلَمّا تَلَقّاكَ السَحابُ بِصَوبِهِ ... تَلَقّاهُ أَعلى مِنهُ كَعبًا وَأَكرَمُ
فَباشَرَ وَجهًا طالَما باشَرَ القَنا ... وَبَلَّ ثِيابًا طالَما بَلَّها الدَمُ
تَلاكَ وَبَعضُ الغَيثِ يَتبَعُ بَعضَهُ ... مِنَ الشَأمِ يَتلو الحاذِقَ المُتَعَلِّمُ
فَزارَ الَّتي زارَتْ بِكَ الخَيلُ قَبرَها ... وَجَشَّمَهُ الشَوقُ الَّذي تَتَجَشَّمُ
وَلَمّا عَرَضتَ الجَيشَ كانَ بَهاؤُهُ ... عَلى الفارِسِ المُرخى الذُؤابَةَ مِنهُمُ
حَوالَيهِ بَحرٌ لِلتَجافيفِ مائِجٌ ... يَسيرُ بِهِ طَردٌ مِنَ الخَيلِ أَيهَمُ
تَساوَت بِهِ الأَقطارُ حَتّى كَأَنَّهُ ... يُجَمِّعُ أَشتاتَ الجِبالِ وَيَنظِمُ
وَكُلُّ فَتىً لِلحَربِ فَوقَ جَبينِهِ ... مِنَ الضَربِ سَطرٌ بِالأَسِنَّةِ مُعجَمُ
يَمُدُّ يَديهِ في المُفاضَةِ ضَيغَمٌ ... وَعَينَيهِ مِن تَحتِ التَريكَةِ أَرقَمُ
كَأَجناسِها راياتُها وَشِعارُها ... وَما لَبِسَتهُ وَالسِلاحُ المُسَمَّمُ
وَأَدَّبَها طولُ القِتالِ فَطَرفُهُ ... يُشيرُ إِلَيها مِن بَعيدٍ فَتَفهَمُ
تُجاوِبُهُ فِعلاً وَما تَعرِفُ الوَحى ... وَيُسمِعُها لَحظًا وَما يَتَكَلَّمُ
تَجانَفُ عَن ذاتِ اليَمينِ كَأَنَّها ... تَرِقُّ لِمِيّافارِقينَ وَتَرحَمُ
وَلَو زَحَمَتها بِالمَناكِبِ زَحمَةً ... دَرَت أَيُّ سورَينا الضَعيفُ المُهَدَّمُ
عَلى كُلِّ طاوٍ تَحتَ طاوٍ كَأَنَّهُ ... مِنَ الدَّمِ يُسقى أَو مِنَ اللَحمِ يُطعَمُ
لَها في الوَغى زِيُّ الفَوارِسِ فَوقَها ... فَكُلُّ حِصانٍ دارِعٌ مُتَلَثِّمُ
وَما ذاكَ بُخلاً بِالنُفوسِ عَلى القَنا ... وَلَكِنَّ صَدمَ الشَرِّ بالشَرِّ أَحزَمُ
أَتَحسِبُ بيضُ الهِندِ أَصلَكَ أَصلَها ... وَأَنَّكَ مِنها ساءَ ما تَتَوَهَّمُ
إِذا نَحنُ سَمَّيناكَ خِلنا سُيوفَنا ... مِنَ التيهِ في أَغمادِها تَتَبَسَّمُ
وَلَم نَرَ مَلكًا قَطُّ يُدعى بِدونِهِ ... فَيَرضى وَلَكِن يَجهَلونَ وَتَحلُمُ
أَخَذتَ عَلى الأَعداءِ كُلَّ ثَنِيَّةٍ ... مِنَ العَيشِ تُعطي مَن تَشاءُ وَتَحرِمُ
فَلا مَوتَ إِلا مِن سِنانِكَ يُتَّقى ... وَلا رِزقَ إِلا مِن يَمينِكَ يُقسَمُ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الميم، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، الصحاح:
- المقدم: قدم: فِي أَسماء اللَّهِ تَعَالَى المُقَدِّم: هُوَ الَّذِي يُقَدِّم الأَشياءَ وَيَضَعُهَا فِي مَوَاضِعِهَا، فَمَنِ اسْتَحَقَّ التَّقديم قدَّمه. والقَدِيم، عَلَى الإِطلاق: اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. والقِدَمُ: العِتْقُ مَصْدَر … (لسان العرب)
- سلموا: سلم: السَّلامُ والسَّلامَةُ: الْبَرَاءَةُ. وتَسَلَّمَ مِنْهُ: تَبَرَّأَ. وَقَالَ ابْنُ الأَعرابي: السَّلامة الْعَافِيَةُ، والسَّلامةُ شَجَرَةٌ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً، مَعْنَاه … (لسان العرب)
- فالنسيب: سيب: السَّيْبُ: العَطاءُ، والعُرْفُ، والنافِلةُ. وَفِي حَدِيثِ الاستسقاءِ: واجْعَلْه سَيْباً نافِعاً أَي عَطاءً، وَيَجُوزُ أَن يُرِيدَ مَطَراً سَائِبًا أَي جَارِيًا. والسُّيُوبُ: الرِّكاز، لأَنها مِنْ سَيْبِ اللهِ وَعَطَ … (لسان العرب)
- فجاز: جأز: الجَأْزُ، بِالتَّسْكِينِ: الغَصَصُ فِي الصَّدْرِ، وَقِيلَ: هُوَ الغَصَصُ بِالْمَاءِ؛ قَالَ رُؤْبَةُ: يَسْقِي العِدَى غَيْظاً طَوِيلَ الجأْزِ أَي طَوِيلُ الغَصَصِ لأَنه ثَابِتٌ فِي حُلُوقِهِمْ. وجَئِزَ بِالْمَاءِ يَج … (لسان العرب)
- فصيح: صيح: الصِّياحُ: الصوتُ؛ وَفِي التَّهْذِيبِ: صوتُ كُلِّ شَيْءٍ إِذا اشْتَدَّ. صاحَ يَصِيحُ صَيْحة وصِياحاً وصُياحاً، بِالضَّمِّ، وصَيْحاً وصَيَحاناً، بِالتَّحْرِيكِ، وصَيَّحَ: صَوَّتَ بأَقصى طَاقَتِهِ، يَكُونُ ذَلِكَ فِي … (لسان العرب)
- لحب: اللحْبُ: الطريق الواضح، واللاحب مثله، وهو فاعل بمعنى مفعول، أي مَلْحوب. تقول منه: لَحَبَهُ يَلْحَبُهُ لَحْباً، إذا وطئه ومرَّ فيه. ويقال أيضا: لحب، إذا مرَّ مرًّا مستقيماً. قال ذو الرمّة: فانصاع جانِبُه الوحشيُّ وانكَدَر … (الصحاح)