إنكسارات الظل

الشاعر: خلف دلف الحديثي · البحر: الخفيف

«إنكسارات الظل» من شعر خلف دلف الحديثي، وتقع في 98 بيتًا. نُظمت على بحر الخفيف، ورويّها حرف اللام.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

إبنُ أخي عبدالله شرخ في جدار قامتي وجرح في سويداء القلب : — خذني إلى درب الزمان دليلا

ليجئ شعري حافلا ليقولا — خذني شظايا أدمع مجهولة

نزلت على خدّ السماء سيولا — واكتب بزخّات العبير قصائدا

حتى تطاول بالشموخ نخيلا — وافرش عباءات القريض بظلّها

كي تحتسي لغة القلوب شمولا — وتلمس الجرح الخضيب خلالها

سترى فؤادي بينها محمولا — واسمع غناء معازفي لو رتّلت

وجع اليتامى بالتنهّد قيلا — ألقت علي من الشجا زخاتها

نطقا تحفّز أنفسا وعقولا — خذني وفاوِضْ أدمعي وعوالمي

ستزيد ويلاتُ الجراح ميولا — واكسر بسيف العاديات سلاسلا

وتشعّبت بمدادها تضليلا — جاءت تشاققني وتنكر ضحكتي

وتعيد في تأويلها التأويلا — مطر تنزّلَ في غيوم مجرّتي

وجرى برشّاتِ الحنين قَبُولا — أنا واحة الأحزان بلّلها الأسى

ملأت مساحات الربيع وحولا — خذني المرايا كي أراك بمقلتي

شكلا وترسمني العيون بديلا — أنا من ملأتُ سلال خيري بالدما

وجنيت من أوجاعي المحصولا — ومعي تنوح على الممات حمامة

لتبثَّ آيات المصاب أصيلا — ناحت على غصن الزمان طريدة

فبكى النسيم بفيئهِ معلولا — يا أنت شرع القاتلين بقتلهم

دجل يجئ بفعلهم ممطولا — غصّت بحلقومي شكاية صارخ

عظمت وما روّت لديّ غليلا — آهات كل المتعبين بدفتري

سطرت وقمت على الطلول طويلا — جاءت ترمّمني ويجبر كفّها

كسري وتحفرُ بالضلوع مسيلا — خذني احتراقا كُفَّ برْدَ مواسمي

فلقد شبعت مآتما وعويلا — فجّرْ شراييني وفلسِفْ أحرفي

لتطيل شمسُك في السطور مُثولا — فكنِ الدّما دفقاً وأشعل نارها

وأطل بصحراء الضياع رحيلا — واطوِ المسافات التي تنأى بنا

لا لن تريد إلى الوصول وصولا — أسعفْ حروفي كي تجئ رسالة

حمّلتها عبئاً أراه ثقيلا — في يوم موتك شيّعتني دمعة

فهوَت تفتّح في دمي المجهولا — يا أنت يا ابن الأكرمين فوارعا

نأبى نكون إلى الدخيل ذيولا — طارحتك الشوق القديم مضرّجا

بدم الشعور وقد أجاد مقولا — قل لي بربّك كوْنَ قلبك لم يزلْ

غِرّاً وجنحك لم يزلْ زُغلولا — ماذا جنيت وأيّ ذنبٍ جئته

حتى غدا رشقُ الرصاص مهولا — ألهمتني غرراً تصدّ مصاعبا

وبها سأشعل في الحشود فتيلا — منك ابتكرت بلا غرور ترنّمي

ونثرته بيدِ الجمال حقولا — للشعب أنزفُ ما استطعت منافحاً

عمّا يدور وأطعن الضلّيلا — لكنْ وَثقْ للظلم يوماً دولة

وعليهمُ بعظامِها لَتَدُولا — للشعب أكتب شاعرا ولأمتي

ما قد يُرادُ ولو سقطت قتيلا — فلأجله أردُ الحِمَامَ من الظما

وأجوبُ عُرضَ بلادنا والطولا — ولأيِّ أيِّ مهجّرٍ ومشرّدٍ

عاش الحياة وما يزالُ ذليلا — يا ضوء هذا العمر قلبي لا يرى

إلا الضياء يسامرُ القنديلا — فشعاع أمسك ما أزال بنوره

أمشي ويلهمني الشجا الترتيلا — أنا مثلما قد كنت أعقد خيمتي

وأشدّ في أوتادها المأمولا — للأمس نفسي كم تجوسُ عوالماً

وأجيل طرفي في فضاه فضولا — ما زلت تثلجني روائح زهوها

وبحقلها تنمو الرجال فسيلا — جبت الحياة مسائلا عن وجهتي

فوجدت قلبي عن فمي مفصولا — يستنطقُ الآهات في أتراحها

ثغري ويحرقُ دمعُه المنديلا — ووجدت ثغري ناطقا بمآتمي

ويداي تظفر بالدّما الإكليلا — هذي حراحاتي وتلك رسومها

جاءت تقول من الحنين شكولا — يملأن روحي بالأذى وتسفني

أوجاعها وتزيدني تغليلا — لا تبصر الدرب الغريب بصائري

ومسافتي رمل يتوه ظليلا — أشكو خطاي وتشتكي لي خطوتي

وأعود أشكو العالم المرذولا — وجع الرزايا والذبول يحوطها

والبحر يحمل سرّها المخذولا — وجهي غريق الأمنيات وعالمي

قلقٌ وقد منح الحياة ذبولا — خَلْفَ السواحل قد تناءى موجنا

ورمى بوادي التائهين سدولا — صوتي به الأشباح تعلن موتها

لتذيع ميلاد الصبا المقتولا — صاحت بي الدنيا وقالت مُدّ لي

جسراً لنبغي للمسير حلولا — يقتادُني وهْمٌ ويحمل جثتي

طينُ الطريق لنقتفيه سبيلا — أنا في غياباتي اقترفت جريرتي

وحدي وعلَّمْتُ الفؤاد فصولا — ودّعت وجهي وازدريت ملامحي

وبحثتُ عن بعضي أريد خليلا — منّي اختفى صوْت ابتهالي واختفى

شبحُ السكوت وظلّ في كليلا — أمسي منحت خيوطه صرخاتنا

وبه طويت نعيمه الموصولا — آهٍ عليّ بلا ضفاف شواطئي

ومراكبي تبغي الفراتَ مقيلا — أنّى ومائي لا يلمُّ هديرَه

جرفٌ وزاد على الهطول هطولا — يأسي احتواني حيرة في داخلي

ويباسُ روحي صاح فيّ ملولا — حدّثت عني كلّ درب جئته

وطوى الندا رجع الصدى المنحولا — فمشيت قدامي رجعت إلى الورا

فوجدت بابي وحده مقفولا — فبكيت أشلائي وصمت جوارحي

لأرى لروحي في الكهوف بديلا — قتلوك يا صوتا تشظّى همُّهُ

وبقى يرتّلُ بالأسى ترتيلا — وجعي تهاوى عند قاع أضالعي

وسبى الشبابَ وحلمه المعسولا — عنّي سأبحث في مواقد جمرتي

عن جذر عمري مذ نويت رحيلا — وحدي أنازع رمل جرحي متعبا

لتدقّ ساعاتُ الغياب طبولا — فلقد أضعنا أرضنا وأصولها

وجذورها وغدا الجمال طلولا — أفياء عمري غادرت إغفاءها

ونعى الجحيم رياضها تنكيلا — فيها أقام وما يزال معابدا

للموت يذبح للحَمامِ هديلا — فجيوش حزني عسكرت بمحاجري

والسهد يقرأ للتقى الإنجيلا — غاب الضمير فمَن يواسي أضلعا

حملت خناجر صبرها تعليلا — غضبى أعاصيري وأرضي بؤسها

قد صار في نار الردى مشعولا — هي هكذا تلغي الرجولة غيظها

لتزيدَ في قصر العناء حُمولا — فالحرب هوجاءٌ جيوشُ دمارها

هبّتْ لتبصرَ موتها المثكولا — نادتك من طرق السماء عجاجة

وأتتْ تزيد بقيدها تكبيلا — وبوجهك اغتصبت سنين براءة

ودمٌ غدا فوق الثرى مطلولا — والآن يا جسدي ألوذ من الأسى

وحدي وصرت إلى الشقاء نزيلا — وطن يضيع وتستباح حقوقه

ونغضُّ بالطرف الكليل قُبُولا — نشقى وخير شبابنا طعم الردى

لبس الفناء بعرسه تبجيلا — هدّئْ سواحل أضلعي كي تنجلي

سحبُ الجنون وتُكثرُ التبتيلا — إنّا أضعنا دربنا وأضاعنا

مَنْ باتَ عن أحوالنا مسؤولا — تهنا وهجّرنا الدمار بعسفه

والموت صارَ بأرضنا مبذولا — ماذا سنصنع والسلام مدافع

برعودها تفنى الوجود نُزولا — أو ما شبعْت وذي الرحاب تكوّمتْ

حنقاً لترسم للألى الترحيلا — فأعد لأرضي هيبة قدسيّة

واحملْ بكفّك للهدى التنزيلا — ستثور قارعة ويشرق ضوؤها

وغداً سنقلعُ حكمك المهزولا — وتعود تنبت في الذرى عزماتنا

ونذود عن شرف البلاد فحولا — ستجئ من شرق البلاد وغربها

وتجوب عجلى أنجدا وسهولا — خير القوافل تمتطي صهواتها

بشموخها يبقى العلى مجبولا — هي أزمة وتمرّ في ويلاتها

وغدا سنطلق للسما التهليلا — خبّئْ بأشداق العويل عويلها

إن شئت وافتحْ وعدك المجهولا — وافتح مرايا الحلم واكسر لونها

وانسجْ نعاسك ثوبك المنحولا — لأصيح في وادي الضياع من الصّدا

خذني إلى درب الوداع زميلا — شكراً لكم يا سادتي وأحبتي

شكراً على ذبحِ الجمالِ جزيلا — ***

البحر والقافية

القصيدة على بحر الخفيف. من أعذب البحور وأكثرها شيوعًا بعد الطويل والكامل، خفيف على السمع يصلح لأغراض كثيرة.

تفعيلاته: فاعلاتن مستفعِ لن فاعلاتن.

القافية: رويّها حرف اللام — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • الخضيب: الخَضِيب : المخضوب؛ امرأة خضيب / بنان خضيب / الكف الخضيب، هو نجمٌ.
  • الشجا: شجا: الشَّجْوُ: الهَمُّ والحُزْنُ، وَقَدْ شَجاني يَشْجُوني شَجْواً إِذَا حَزَنَه، وأَشْجَاني، وَقِيلَ: شَجَانِي طَرَّبَني وهَيَّجَني. التَّهْذِيبُ: شَجَانِي تَذَكُّرُ إلفِي أَي طَرَّبَني وهَيَّجَني. وشَجَاهُ الغِناءُ إِذ …
  • بالتنهد: تنَهَّدَ يَتَنَهَّدُ تنَهُّدًا : أخرج نَفَسَه بعد مَدِّه ألمًا أو حزنًا؛ يحاول إخفاءَ حزنه فيفضحه تنهُّدُه/ تَنَهَّدَ عن كبدٍ حرَّى.
  • بالشموخ: الشَّمُوخُ : الشَّمَخُ أي البعيد؛ مغارَةٌ شَموخٌ.
  • تطاول: تَطَاوَلَ يَتَطَاوَلُ تَطَاوُلاً : امتدَّ فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ. - إليه: مَدَّ عنقه ليراه. - عليه: اعتدى عليه؛ تطاول عليه ضرباًً. - وا: تبارَوْا في الطول؛ تطاولت الفتياتُ / تطاولوا في البنيان.

قصائد ذات صلة

  • أنا لا إليك
  • ظلان أنت
  • أوجاع يوسفية
  • إليّ ولا أحد
  • قاتل
  • لو مرة حاولت
  • لأنك إنّي
  • بهار الصبح