لا وقت للوقت
الشاعر: خلف دلف الحديثي · البحر: الكامل · الغرض: قصيدة وطنية
«لا وقت للوقت» من شعر خلف دلف الحديثي، وتقع في 88 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف النون، وغرضها قصيدة وطنية.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
لا وقتَ للوقتِ فالوقتُ الثمينُ يُعاني — وأنا أعاني غربةَ الأوطانِ
ودمٌ مباحٌ في شوارعِ وقتِنا — نهشَتْ كلابُ الحيّ من جُثماني
لا وقتَ فالوقتُ المضيَّعُ ضائعٌ — ومهجَّرٌ في لوحةِ النسيانِ
فحكايةُ الزمنِ اليتيمِ دميعةٌ — غصَّتْ بها مبهورةً عينانِ
والوقتُ مقتولٌ بساحةِ عرْينا — والحزْنُ خاطَ من الدِّما أكفاني
أنا ما خسرْتُ أنا جراحٌ أشعلتْ — ناراً وإنّي قد حصدْتُ رهاني
المسرحيةُ عنكبوتُ مُهرِّجٍ — ملأتْ صراخَ الصمْتِ للآذانِ
سادَ اللصوصُ ووقتهم في قاتِهمْ — يَقضى الضياعَ ممسرحَ الأردانِ
الوقتُ لا وقتٌ لديْهِ لقصةٍ — مملوءةٍ بتوافهِ الغلمانِ
شبعٌ ولكن بالهُراء تقيّحتْ — أنفاسُنا وتقيَّأتْ ألحاني
نسيتْ رؤى هذي السنين زمانَها — وزمانُها قد صارَ للخصيان
فأباح كل الشيء لا شيء لنا — إلا احتباس الدمع في الأجفان
زمن خرافي كمثل حياتنا — ينساق للأفيون كالحملان
فالوقت منفلت بكل فضوله — وبه يحاصر وقته سجاني
الوقت ميت كالمشاعر عندنا — سلخوه فوق شراشف البهتان
والوقت مذبوح بكل سفاهة — قد بعثروه بلهوهم إخواني
لا شيء يعني عندنا فجميعنا — في قتله نسعى بلا إيمان
والوقت منسيٌّ على أبوابنا — فلقد يقومُ بواجبِ الإحسانِ
صنعوه تمثالا يمر ببطئه — بعقارب الساعات باطمئنانِ
خجلا ويلعننا ويبصق فوقنا — يا كم أضعنا العمر بالهذيان
جرحي كبير والمسافة بيننا — كمسافة الربان والشطان
من قال إن الوقت يقتل لاهيا — متمردا عن وقته متواني
فالبعض موتى لا يحس بموته — والبعض جنس للحضارة ثاني
أنا ما خسرت وبين موتي والمدى — خيط يشد الروح للغثيان
جرحي مسافات الزمان ولادة — للحرف يفتح لي طريق دخاني
والوقت مسرحة اللصوص تريدني — لصا ليسرق وقته بثواني
لا وقت للتفكير إني متعب — أفرغت في أعبائه فنجاني
لا وقت للفرح الربيعيِّ الذي — سأراه مندهش الرؤى ويراني
فأنا جراحات ألفُّ دماءها — وأعيشُ فرْطَ الحزن في توَهانِ
لا وقت كي أهوى وأعشق أو أرى — أو أشبع التفكير بالنسوانِ
قلقي كبير أي جرح اشتكي — وأنا سكاكيني تلص بناني
أغمضت عيني برهة ومنحتها — حقّ اللجوءِ لدولةِ الأحزانِ
حطمت فرشاتي بكل رعونة — كي لا ترى موت الأنا حيتاني
فالوقت مسالة تعيش بداخلي — ويعيش في وقت الفراغ كياني
لا وقت فالزمن المسافر نخلة — ماتت على جرف الهوى الصديان
ظمأ تسلحف في عذوق ثمارها — فتفتتت من جوعها قيعاني
وتهدلت سعفاتها وتجذرت — أحلامها وغفت في جمرها أفناني
رحلت عن الأوزان كل قصائدي — وذبحت في أوزانها أوزاني
الحرف مذبوحُ النشيد كموطني — ويموت شنقا في يد الفنان
قبري يراوغُ باحثاً عن جثتي — وأتيهُ في التفكير والدوران
من جثة أمشي لأخرى جرني — قبري لقبرٍ يا طريقي الثاني
فأتيه في عد القبور أغور في — صمتي واغرق ساعة الغثيان
الوقت يأخذني بكل جنونه — وأنا به مجنونة عيداني
يقتات بي دود الضياع ويرتوي — من حزن هذا الدم في شرياني
مسلوبة شهقت بكل عذابها — فوق الحجارة جثتي لعيان
وطن أنا قد كنت فيه عراقة — فتشرذمَتْ (يا مجلس الأعيان)
وطني وأوشك أن أراه مقسما — بخرائط المولى إلى أوطان
هذا لذاك بلى وذاك لهذه — ويصير كل الكل للساسان
وطني هو المنفى يضم بسجنه — أهلي ومنفى امة القران
جسدي المسجى في دروب توجعي — كم باء بالأحزان والحرمان
ويدي معلقة تحيلُ صراخَها — ما بين هَمِّ الخبزِ والدّخَّان
جسر عليه أمر مشلول الخطى — سعيا وراء نوازع الشيطان
واشد خطوي في خطاي تشدني — نحوي وتسبقني لها سيقاني
الوقت منفلت وسجني سجنه — وأنا أعيش بقمقم الكثبان
العمر رشفة قهوة عربية — هرقت بباب سعادة السلطان
ترف ولكن باللقاح تلقحوا — في مدية السافاك والعجمان
شعب تحمل كل صمت فراغه — ليعيش مذبوحا على الحيطان
والوقت سيف قد تكسر حده — وعليه صلت دورة الأزمان
والوقت منسيٌّ لدى حكّامنا — لم تلق غير معربد في الحان
نسي الزمان زمانه في بابنا — وكما نستها أمتي بغداني
ذبحوا على لهواتهم أفراحنا — وتراقصوا في خفة النشوان
والوقت فيه تثاءبت أحزاننا — كتثائب الساعات في الجدران
كابوسه يحيا بأفق ضياعنا — وخطيئتي درب إلى الغفران
ناري مقدّسة تصادفُ مرّة — إني شعرت بميتةِ الألوانِ
نسي الزمان على رصيف توجعي — وقتي وذاقَ المرّ طعمُ لساني
لا شيء عندي كل وقتي ضائع — كضياع إنسان بلا عنوان
وطني يهجر في بلاد عروبتي — ما بين مصر إلى ذرى تطوان
وحكومة الخضراء أينع زرعها — فحصاده آت بلا استئذان
آت وتعرفني دروب مدينتي — لأعيد قوس النصر للأذهان
الوقت يمنحهم بقايا فرصة — ليغادروا في جبة الرهبان
إني عراقي بمحض إرادتي — وإرادتي معقودة بجناني
الوقت لا يكفي لسحق متاجر — ببلاده في ساحة العبدان
احتاج فوق زماننا زمن له — حتى يكون لموته موتان
ما كان يكفيني لهم تكفينهم — لو كان يكفيني لقلت كفاني
فمتى سأشهدُ أو أشاهدُ حرْقَهم — لمّا تصيحُ بهولِها نيراني
فلقد أذاقونا الممات مجازرا — ما زلت منه وما انتهيت أعاني
كم مرة متنا وعدنا مرة — ما بين جلاد وآخر زاني
أنا ما خسرت ولم أزل نجم السرى — والبدر لا يحتاج للتبيان
أنا ذلك التيار ضد مساره — وأنا الذي سيرته سفاني
قاومت فيها الإخطبوط بمفردي — ومعي أنا كانت يد الرحمن
من شك في أمري يكذب نفسه — فيما أراد وشكَّ في الدبران
أنا لم أزل ذاك العراق بطوله — وبعرضه والشاطئ الهيمان
أنا ما ركعت لكل وقت زائف — أو قبلت شفتي يدَيْ دفّاني
إنّي عراقٌ ما أشدّ عراقتي — ولتسقط التيجانُ بالتيجان
آت زمان الفوضوية وليعد — فجر الرجال وصولة الفرسان
هي صولة ونصولها وسينتهي — زمن اللصوص وزمرة الطغيان
أيامهم محسوبة كدقائقي — والوقت وقتي والزمان زماني
***
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف النون — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- الثمين: الثمِينُ : النفيس أو الغالي الثمن؛ هواية هذا الثريِّ اقتناءُ التُّحفِ الثمينة. -: الثُّمُنُ ج أَثْمانٌ.
- اللصوص: صوص: رَجُلٌ صُوصٌ: بَخِيل. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: ناقةٌ أَصُوصٌ عَلَيْهَا صُوصٌ أَي كَرِيمَةٌ عَلَيْهَا بَخِيلٌ. والصُّوصُ: المنفردُ بِطَعَامِهِ لَا يُؤاكلُ أَحداً. ابْنُ الأَعرابي: الصُّوص هُوَ الرَّجُلُ اللَّئِيمُ الَّذِ …
- اليتيم: اليَتِيمُ : الصغيرُ الفاقد الأبِ من الإنسان والأمّ من الحيوان فأمّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ.-: كل فرد يَعِزُّ نظيرهُ؛ بيت من الشِّعر يَتيمٌ ج أَيْتَامْ ويَتَامَى وَيتَمَة وَيتَائِمُ وميتمة.
- جثماني: الجُثمَانِيُّ : المنسوب إلى الجثمان.
- خاط: الخَاطُّ : فا. -: كلّ من يرسم خطًّا: الساحر؛ ما رسم الخاطُّ على الرمل لا يغيِّر شيئاً من مشيئة الأقْدار.