على من سأبكي
الشاعر: خلف دلف الحديثي · البحر: البسيط · الغرض: قصيدة حزينة
«على من سأبكي» من شعر خلف دلف الحديثي، وتقع في 71 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف الدال، وغرضها قصيدة حزينة.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
ألغيْتُ صمْتَ فمي والنارُ في جسدي — وعدْتُ أسقي جفافَ العمْرِ بالصَّرَدِ
ومزَّقتْ رئتي الأحزانُ مُعلنةً — أنّي اكتَهلْتُ وكفّي حضّرتْ لَحِدي
والقلبُ رشْقَ نواعيرٍ مُحمّلةٍ — بالحزنِ تسْكبُ ماءَ الجمْرِ فوقَ يدي
غِلِّي من الويْلِ ترْتجُّ العروقُ به — وتنْحني قامَتي للقيدِ والزّرَدِ
مُذْ كنْتُ وحْدي بلا ظلّ يؤانسُني — وأجّلَ الموْتُ موْتي عندَ مُحتشدي
كأنّ ما كنْتُ تَطوي البيدَ قافلتي — نحْو السّرابِ وغيرُ الوَهْمِ لمِ تَلِدِ
كأنّما عنْ مواني الأمْسِ قد رحلَتْ — أحلى الفناراتِ عن دوّارةِ السّندِ
مَذْهولةٌ شفتي والقرْعُ يُرْبِكُها — مشْبوكةُ الكَسْرِ فيها أطبقَتْ وَتدي
خَوْفي يُلاوي اللظى سَعْفاتِ نخْلتِنا — وتهْصُرُ الرِّيحُ غُصْنَ الحُلْمِ باللَّدَدِ
خرَجْتُ مِنْ زَمني والمَاءُ يتْبَعُني — لكنّني لمْ أجِدْ في قِرْبَتي مَدَدي
ترَكْتُ زادي على بابي وراحِلتي — وعندما عدْتُ لمْ أعْثرْ على جَسدي
صرَخْتُ كانَ احْتراقي لا يُطاقُ أذىً — أبْكي لبغدادَ لا أبكي على أحَدِ
أبْكي الجنائنَ ضيّعْنا أُنوثَتَها — وَشَيَّعَ الدّمُّ عرْسَ الحُبِّ للأبدِ
وقفْتُ وحْدي أزيزُ الطلقِ يسْلِبُني — صبْري ونثّرَتِ الطلَقَاتُ لي عَضُدي
أبْكي العروبةَ ضاعَتْ حينَ ودّعَنا — صوْتُ الصّهيلِ وماتَ السّيْفُ بالغَمَدِ
أبْكي لأنّيَ لمْ أُبْصرْ شُعاعَ غدٍ — يلوحُ بين كَهوفِ الموْتِ والنُّجُدِ
أبكي لشاهدةٍ ظلّتْ تُحَاوِرُنا — وألفُ عيْنٍ مضَتْ للسِّجْنْ لم تَعُدِ
أصْغي ويسألني الإلْحاحُ أسْئلةً — عَمّا سيأتي وما يأتي وراءَ غَدي
هذي دمَشْقُ وذي بيروتُ في قلَقٍ — يُولوِلُ الصُّبْحُ فيها مُرْهقَ الجَلَدِ
ماذا أقولُ وقدْ دُكَّتْ شوَاهِقُها — وصارَتِ القمَمُ الشَّماءُ كالبَدَدِ
اللهَ يا شامُ كمْ مرَّتْ وَما عَبرَتْ — نيرانُ أزْمنةٍ مرْصودةُ الرّصَدِ
وكمْ وقفْتِ بسَاحِ العِزِّ ذائدةً — كي لا يَطالَ البِلى أرْجوحةَ المَيَدِ
وكمْ بعَثْتِ بمَيْتٍ رُوحَ نهضتِهِ — وقاوَمَ الذَّبْحَ مذبوحٌ بلا عُدَدِ
شَابَ انتظاري على ميناءِ غربَتِنا — أرْجو لرَكبي وصولاً وهوَ لمْ يَعُدِ
تناوشَتْنا خطوبُ الغدْرِ مُسْجَرَةً — ونحْنُ نُوغلُ بالشّكوى وبالفَنَدِ
هذا فُراتُ النّدى فاضَتْ سواحلُهُ — بألفِ نزْفٍ يُحَنّي كَفَّ مُضْطَهِدي
كؤوسُهُمْ من دمِ الثوّارِ مُتْرعةٌ — ونحْنُ ننفُثُ للآتينَ بالعُقَدِ
أُولاءِ أهْلي تنادَوا يا رُبى انْتفضي — إلى التحرّرِ لمْ ترْكَعْ ولمْ تَحِدِ
ماذا يُريدونَ رقراقُ الضُّحى عبرَتْ — عنّا رؤاهُ وغابَتْ ضحكةُ الغيَدِ
هذي الليالي على أحداقِنا ضرَبَتْ — سُوراً فأطبَقَتْ الظلماءُ في الرَّأدِ
وتلكَ مِصْرُ سَعَتْ تحْمي لجُثّتِها — وَيْلٌ يُرَاوِدُها في زُحْمَةِ النّكَدِ
فيها اسْبطرّتْ عصاباتٌ مُؤجّرَةٌ — تبيعُ لحْمَ الهوى في ساحةِ الأسدِ
ساخَتْ ببحْرِ اللظى عُمْقا قوائمُها — وجرّحتْها يدُ الطاغوتِ بالمسَدِ
جُرّتْ لهاويةٍ واستسْعَرَتْ زُمَرٌ — حتّى يضيعَ الذي ما ضاعَ في بلدي
تركْتُ خلفي بقايا جرْحِ أزْمنتي — فطوَّحَتْ غِضبةُ التّابوتِ في السّعَدِ
وجئْتُ أملأ مائي منْ مصادرِهِ — وأجرَحُ الغيمَ حتى يرتوي ثمَدي
كنْتُ المُدانَ إداناتي بي ازْدَحمَتْ — وكلّ ذنبي أنا أشعَلْتُ للوَقدِ
وكانَ حُبّي إلى أرضي يُجرّمني — وصوْتُ حقٍّ ينادي في دمِ الهُمُدِ
وكانَ حتّى اعترافي في عروبَتِنا — جريمةً في عُصورِ الزَّيْفِ والكيَدِ
حدَّقْتُ حدّقُتُ فيمَنْ زرْتهُ وجِلاً — وبينَهم فتَّشَتْ كفّاي عن كبِدي
وكلّ وجْهٍ به السّحَناتُ قد طبِعَتْ — منْ سومرٍ جُبِلتْ طيناً ومِنْ أكدِ
فما وجدْتُ سوى أصداءَ ولوَلةٍ — عليَّ تبكي فأبكاني أذى القَودِ
فودّعَ الليْلُ مأسوراً بحارتِهِ — درْبَ الصباح فنامَ الوَهْمُ في خلَدي
ضربْتُ راحاً على راحٍ على وجَعٍ — فهَدَّ سهْمُ اشتعالِ الرِّيحِ لي جَلَدي
ودّعْتُ نفْسي على أبوابِ خارطتي — وكانَ بعْضُ دمي في الدّرْبِ مُتّسَدي
تآكلَ الرّمْلُ في ثكناتِ أوْديتي — وعادَ يقْطنُ جَفناً شِيبَ بالرَّمَدِ
مُمزَّقٌ ثوبُ أنفاسي وترْمُقني — شزْراً قوانينُ غاباتي على حَرَدِ
والليلُ نائحةٌ يلْهو بنرْجِستي — وصوْتُ روحي ينادي خطْوَ مُبتعدِ
مشيْتُ والأرضُ تمشي عندَ دائرتي — وقطْبُ شمْسي بضوءِ الشمْسِ لم يَفدِ
ومرْجلُ الغضَبِ الموتورِ جانبُهُ — أضاع في الفيءِ مطعونَ الذُّرى رَشدي
أنا حمَلْتُ هَوى الأوطانِ مُحْترساً — من حضرموتَ إلى يافا على كَتِدي
لأرْضِ طنْجةَ داسوا نارَ نخوَتِهِمْ — وعندما حُوصِرَتْ كفّي انتهى سَنَدي
تعمْلقوا بالتآخي أصبحوا جسداً — وكلّما ارْعدَتْ صاحوا بها ارْتعدي
إنّا انتهيْنا ومِتْنا في تخاذلِنا — ونحْنُ نرْجَمُ والحكّامُ في صَدَدِ
مُنصّبونَ وفاضَ البحْرُ تحْتهُمُ — على الكراسي وتاهَ العدُّ بالعَدَدِ
للآن منذ احتراقِ الطفِّ في دمِنا — ونحْنُ نبحَثُ عن رأسٍ فلمْ نَجِدِ
ومنذ أنْ طاحَ صاحَتْ كلّ أنمُلةٍ — هذا الذي طاحَ رُغمَ الموْتِ لم يَبدِ
جفَّ الفراتُ وعينُ النّفطِ ما برِحَتَ — للآنَ تُعطي بما يحلو لمزْدَردي
فصارَ نفطي سلاحاً فيه يَقتلُنا — وطاردَ القصْفُ صوْتَ الطائرِ الغردِ
مُحاصرٌ وطني العربيُّ مذ خُصِفَتْ — له المآسي ودارَ الموْتُ في الصُّعُدِ
قامتْ قيامةُ هذي الأرضِ وانتفضَتْ — أقوامُ هابيلَ تبْغي الثارَ عن عَمَدِ
أولاءِ عادوا على أكتافِ جُبِّهُمُ — ويوسفُ الحسْنِ بين النّارِ والبَرَدِ
يا غارةَ اللهِ جُدّي واحْبلي بطلاً — ويا نساءُ لِدِي للفارسِ النّجِدِ
ومن جديدٍ خذي للعابرينَ يداً — وحَطّمي جُدُرِ الطّاغوتِ واتَّحِدي
ضَعي رجالاً فهذي الأرضُ ما عَقُمَتْ — وما نزالُ نصوغُ النّصْرَ منْ أُحُدِ
لمْ يبْقَ شيءٌ فوَجْهي عُدْتُ أعْرِفُهُ — وأعْرفُ الدّرْبَ إنْ أطرُقْهُ يَحْتشِدِ
كلّ المسافاتِ تُطوى في توَقّدنا — ويرْجفُ الكوْنُ لو صِحْنا بها انعَقِدي
لها جماجمُنا تُفدى برمَّتِها — كي لا يَطالَ الرُّبى غازٍ ولم يَكِدِ
هو الطريقُ رسمْنا فيهِ خطْوَتَنا — منَ العراقِ لأرضِ الشّامِ للصّفدِ
هذي الملايينُ ترجو مِنكُمُ أملاً — لتبزغَ الشمْسُ في أثْوابِها الجُدُدِ
فدونكِ الموتُ يا روحي ولا تَهِني — وغيرُ ماءِ العُلا والعزِّ لا ترِدِي
البحر والقافية
القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.
تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.
القافية: رويّها حرف الدال — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- الويل: وَيَلَ: وَيْلٌ: كَلِمَةٌ مِثْلَ وَيْحٍ إِلَّا أَنها كَلِمَةُ عَذاب. يُقَالُ: وَيْلَهُ ووَيْلَكَ ووَيْلي، وَفِي النُّدْبةِ: وَيْلاهُ؛ قَالَ الأَعشى: قالتْ هُرَيْرَةُ لَمَّا جئتُ زائرَها: ... وَيْلِي عليكَ، ووَيْلِي منكَ ي …
- بالحزن: حزن: الحُزْنُ والحَزَنُ: نقيضُ الفرَح، وَهُوَ خلافُ السُّرور. قَالَ الأَخفش: وَالْمِثَالَانِ يَعْتَقِبان هَذَا الضَّرْبَ باطِّرادٍ، والجمعُ أَحْزانٌ، لَا يكسَّر عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ حَزِنَ، بِالْكَسْرِ، حَزَناً وت …
- بالصرد: صرد: الصَّرْدُ والصَّرَدُ: البَرْدُ، وَقِيلَ: شِدَّتُهُ، صَرِدَ، بِالْكَسْرِ، يَصْرَدُ صَرَداً، فَهُوَ صَرِدٌ، مِنْ قَوْمٍ صَرْدَى. اللَّيْثُ: الصَّرَدُ مَصْدَرُ الصَّرِدِ مِنَ الْبَرْدِ. قَالَ: وَالِاسْمُ الصَّرْد مَجْز …
- تلد: تلد: التَّالِدُ: الْمَالُ الْقَدِيمُ الأَصلِيُّ الَّذِي وُلد عِنْدَكَ، وَهُوَ نَقِيضُ الطَّارِفِ. ابْنُ سِيدَهْ: التَّلْدُ والتُّلْدُ والتِّلادُ والتَّلِيدُ والإِتْلادُ كالإِسْنامِ والمُتْلَدُ، الأَخيرة عَنِ ابْنِ جِنِّي …