يا صاحب العمران
الشاعر: ظافر بن علي القرني · البحر: الكامل
«يا صاحب العمران» من شعر ظافر بن علي القرني، وتقع في 106 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف النون.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
يا صاحب العمران — هل في العلـوم قصـائدٌ شـعريّة
تسـتـقطب الأنظـار للنظريّة — أم أن قول الشِّـعر محصورٌ على
وصف النسـيم ولوحـةٍ ورديّة — الشّـعـر معنىً فـي كلامٍ مفعـمٍ
بالمفـردات وبالـرؤى الفكريّة — والشعر أسمى عند من يسـمو به
من حكـمـةٍ بـعـبارةٍ نـثريّة — ولقـد وصفت به المسـاحة كلَّها
إحدى الفنـون الثَّـرة العلمـيّة — فدنا إلى تلك المعـارف عـازفٌ
عنها وأضحت خطـةً مـرْضيّة — يا صاحب التصحيح هذي صيحةٌ
في عـالم التعليم تصـحيـحيّة — ما أوهن التـعـليم إلاَّ فصلنا
(م) الـدُّنـيـا إلى علـمية أدبـيّة — وبناؤنا أعتى الحـواجز بـيـنها
بالجهل والإمعـان في القطعيّة — حتى إذا مـا فُتِّحـت أبصـارنا
ومـضت علـينا السّنة الأزليّة — وتطوَّرت سـبل الحـياة وفهمها
وتـقاربت في النهـج والآلـيّة — فـإذا براعي الجانب العلميِّ (م)
تلزمه شـؤون الجملة اللغـويّة — وإذا براعي الجانب الأدبـيِّ (م)
يحسـبها فتـأتي عـنده ملويّة — لا ذاك أدرك مـا يريـد بنهجه
أبدًا ولا هـذا حمى العـربيّة — عد للرموز السَّـابقـين وعلمهم
تـجـد الجهـود الفـذَّة الذَّاتيّة — مثل ابن سـينا والفراهيدي (م)
وكالخيـام في وثـبـاتـنا الذهنيّة — هل فرَّقوا بين المعـارف مثلنا؟
لو كان ما كُتبـت لهـم فرضيّة — يا أيُّها السَّاعي إلى فهم الورى
إنَّ المعارف جـملةٌ نـصـيّـة — ضعها إذا ما شئتها في الحاسب
(م) الآلي هناك بصيغـةٍ رقـميّة — ثمَّ اصنع الآلات وفق نظـامها
فإذا بها تـسـتعـبد الـبشريّة — فاسـتقطب الدّنيا إلى تبريرها
فــإذا بـها تهوي بتلقائـيـّة — من أجل هذا قلتُ قولاً موجزًا
عن فكر هندسـةٍ هي "القـيميّة" — عصر التكامل في العلوم يقول لا
تبـغِ الفـلاح بـنظرة فـرديّة — ما شـتت الإنجاز إلاّ سعـينا
مـتـفرقين لـكلِّ فـردٍ نـيّة — وتجنُّب الإبـداع حتى يُجـتبى
في الخاملين وتَغلب النَّمطـيّة — وتنافـر المتحمسـين لصنعةٍ
ضاعـت بوادي الكيـد والنِّديّة — ومحـبة التهـويل من أفعالنا
والسّـعي في الدُّنـيا بعشوائيّة — فترى المساكن لا مواقف حولها
للمركبات وتلك جـدُّ قضـيـّة — وتـراك إمَّا خانـقًا مـتـمكنًا
أو أنـت مخنوقٌ وتـلك رزيّة — ولقد يطول الانتـظـار وتُبتلى
بـمُهذَّبٍ ما فـيه إنـسـانـيّة — وترى الشَّوارع لا مجال لجعلها
تـسـتـوعب الآلات والذُّريّة — إنَّا نخطط للقريب ولا نخطط (م)
للبـعـيـد فـنـنـتـهي بـأذيّة — وهناك في سبل الرُّقي مصاعبٌ
تأبى عـلى التعـداد والحصريّة — أخـطـاءُ تخطيطيةٌ سـميتها
أو سـمَّـها أخطاءَ تـصميميّة — يا صاحب العمران لا تطمس(م)
حـضارةَ أمةٍ وظروفها البيئيّة — فـتـحاولـنَّ بـبـيئـةٍ بحريةٍ
تبـني حضـارةً بـيئةٍ جبليـّة — أو تُـنشـئنَّ بـبـيـئةٍ جـبليّةٍ
تهوى الصخور حضارة بحريّة — أو تجلبنَّ لشـرقنا وهـو عامرٌ
بالمعطيـات مـؤونة غربـيّة — أو تنزعنَّ النَّـاس مـن بلدانها
وتـلفهـا بـرفاهةٍ وقـتـيّة — وتود لو تنسى حياةً عـاشـها
من عاشها في غبطةٍ نفسـيّة — يا صاحب الأحلام لا تعبث بنا
لا لـيس ثمّ حضارةٌ منسـيّة — أومـا ترانا رغـم ما نحيا به
يـرنو الكثير لـبيئـةٍ بدويّة — فترى القصور الشامخات غنيّةً
بالعنـكبـوت وبالغبـار غنيّة — وهناك في أحدى الزوايا خيمةٌ
فـيها تُدار القـهـوة العـربيّة — لا تـعمر الأفراح إلاَّ عندهـا
أمّا البـناء فكـتلةٌ صـخـريّة — ويزيد من إغـرائها لو حولها
غُرسـت فجـادت نخلةٌ برحيّة — ولربَّ قصرٍ فـيه أكبرُ واحةٍ
تثني الرِّقاب بروجه العـلويّة — وبه الذي لو خـيَّروه جفا له
واختـار عنه الواحـة الرَّمليّة — والمرء مجبولٌ على حب الذي
فُتحـت عليه عيـونه العسليّة — لو قلت لي هذي السفائن في البحـار
(م) تعبـها في غدوة وعـشـيّة — أو قلت لي هذي القصور المصمتات
(م) بنـاؤهـا في قمـة المدنيّة — أو قلت لي هذي الخيام وقبلك
(م) البـر الفسـيح فعـش بذي البريّة — لأجبت دعني من مغبة ما ترى
أنا مُغرمٌ بالـبيـئة الحجريّة — فيها عرفت الشَّمس والإنسان
(م) والسَّـاحات والأشـجار والحريّة — رغم التَّرحل في البسـيطة كلّها
والأخذ من ثمراتها المرويّة — ما زلت أهبط في المدائن معجبًا
فأرى الوجـود بأعيـنٍ قرنيّة — يا صاحب العمران قد ذهب (م)
المتــاع وذاب من أخطـائنا الفنيّة — من قال إنّا سـوف نبقى دائمًا
بـيـن الخـلائق أمةً نفطيّة — لا يذكـر الإنسان في بلدانـنا
شـيئًا كذكر الفقر والأمـيّة — أنعـود فيها بعدما عَمرت بنا
هذي العلـوم وزانت العقـليّة؟ — يا صاحب العمران تعـلم أنّنا
عـفنا قياس الشـيء بالكميّة — ونود منك قيـاسـه بطرائقٍ
سميتَـها في علمك النـوعيّة — نوعيةُ الشيء التي نزهو بها
لا نحتـفي بمـظاهرٍ شـكليّة — لـو أنَّهـا بالشَّكل كانت أُمَّةٌ
منَّا تـقود العالمـين قـويـّة — يا صاحب العمران نحن بحاجةٍ
ليـدٍ من الإتقـان تنظيميّة — تستصحب العلم الذي درسته في
سـنواتها فعـلومها عمليّة — إِنّا سـئمنا من معارف ما ترى
إلاّ على ألواح تـنظيريّة — لكنّها مـا جَرَّبت يومًا حمى (م)
الميـدان حتى تُعرف الكـيفيّة — وإذا أتاك الحلُّ ممن لم يعـش
كرباتـنا زاد البلاء بـليّة — فلربما رفع الصروح جميلـةً
لكنَّـه ترك الجروح طريّة — إنَّا نفضـلُها صروحًا تحتوي
وتفي بجلِّ شؤوننا اليوميّة — فـلنا عوائدنا لنا تأريـخـنا
حيًّا وثـمَّ روابـط أُسريّة — لا تكبتوا الإنسان في جحرٍ ولو
ضمَّ الرُّخام وشمعةً ضوئيّة — يا صاحب العمران في فلواتنا
أين الفضا والطَّاقة الشَّمسيّة — بعض المنازلِ عندنا مكبوتـةٌ
وكأنّـهـا فـي بـيئةٍ ثلجيّة — والبعض منها من رداءة نوعهِ
يُنمِي لدى الإنـسان عدوانيّة — أولم يقل أهـل الدِّراســة: لا (م)
تؤسـس معلمًا لوظيفةٍ وهميّة — فلـم التَّخبُّط والتَّوهم أن من
دلفوا لهم لمـسـات تنويريّة؟ — وبأنّ كلَّ المـقبـلين نوابغٌ
والقاطـنين نَوازلٌ قـمعـيّة؟ — يا أيُّها النجباء لا ترموا بنا
في كفِّ من أهدافه مــاليـّة — وتلمَّسوا سبل الرَّشاد وقاربوا
وتدرَّعوا بالصـبر والجـديـّة — وتعهدوا الإبداع في أوطانه
فالخير آتٍ والعـقـول ثريّة — وتجنَّبوا سـبل الخداع فإنّها
تُدمـي القلوب بعلـةٍ أبـديـّة — لا باركَ الرحمن فيمن يقتني
حقَّ العباد بـخـطَّةٍ عـبـثيّة — أو يظلم الأوطان كي تسعى له
دنيا الرَّدى بغنيمةٍ شـخصيّة — أوما درى أن الذي سيصيبها
سـيصـيبه باللَّوثة العصبيّة؟ — يا أنت هل تسعى سوى بدروبها
وترى سوى نزلاتها الأثريّة — وتشـارك الإنسان في بركاتها
دومًا وفي نكباتها الدَّوريّة — يا أيّها النجـباء سيروا واعملوا
وتعمَّقوا في الخطة البحثيّة — ودعوا التَّعنت في أمورٍ سـهلةٍ
فلقد يكون الحلُّ في العفويّة — وأمـانةٌ حملتموهـا حـقُّـها
بذل الجهود لتصدق الوطنيّة — إنَّا لمسـؤولون عن أعـمالنا
ومن الذي من غير مسؤوليّة؟ — ثمَّ اعلموا أَنَّ الأمور تكشَّـفت
ما عـاد في الأفعال من سريّة — ما كان يأخذُ ربع قرنٍ كي يُرى
أضحى يُرى في ومضةٍ لحظيّة — أولم يقـل من نقتـفي آثارهم
إنَّا نعـيـش بـقريةٍ كونيـّة — ذا بعض ما يحوي الفؤاد بسطته
لذوي الـبراعة دونما رمزيّة — بعض الكلام يسـدنا عن بعضه
ولذا سكتُّ عن الرؤى الفرعيّة — لو شئت زدتُ على القصيدة مثلها
فالفكر يزهر في الرُّبى النَّجديّة — وأنـا الذي لمَّا يزل مـتطلِّعـًا
لـحضارةٍ وطنيةٍ عصريـّة — لا أجهل الماضي ولا أزري بـه
وأُقابل الآتي بـإشـراقـيّـة — والبحـث لا ألقى الرِّضى إلاَّ به
حتى ولو جعل الحياة شـقيّة — وأطلَّ منـه الفقـر فهو متيَّـمٌ
بالبـاحثيـن لعـلةٍ فطـريّة — والشعر إن لم تُصلِحوا من حالنا
حـَّولـته من قابـلٍ مرثـيّة — أ. د. ظافر بن علي القرني
أضيفت يوم — 16/9/1428هـ
28/9/2007/
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف النون — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- التصحيح: [ص ح ح]. (مصدر صَحَّحَ). 1."قُدِّمَتْ أَوْراقُ الامْتِحَانِ للتَّصْحِيحِ" : لِمُرَاجَعَتِهَا وَالوُقُوفِ عَلَى أَخْطَائِهَا. 2."أَعَادَ تَصْحِيحَ فَاتُورَةِ الحِسَابِ" : مُرَاجَعَتُهَا وَتَعْدِيلُهَا. 3." أَشْرَفَ عَلَى …
- التعليم: [ع ل م]. (مصدر عَلَّمَ). 1."وِزَارَةُ التَّعْلِيمِ وَالتَّرْبِيَةِ" : الوِزَارَةُ الْمَسْؤُولَةُ عَنْ تَلْقِينِ أَبْنَاءِ الشَّعْبِ الْمَعَارِفَ وَمَبَادِئَ العُلُومِ فِي الْمَدَارِسِ الابْتِدَائِيَّةِ وَالثَّانَوِيَّةِ …
- العمران: العُمْرَان : البنيان، ما يُعْمَر به البلد ويحسن حاله، بكثرة السكان ونمو الصناعة والتجارة والبناء؛ نما العمرانُ في هذا البلد بعد أن كان صغيرا/ العدل أساس العُمران /علم العمران عند ابن خلدون، هو علم الاجتماع.
- الفنون: جمع فَنّ. [ف ن ن]. 1."الْفُنُونُ الْجَمِيلَةُ" : كُلُّ الإِبْدَاعَاتِ الْفَنِّيَّةِ الَّتِي تَرْتَقِي إِلَى الْكَمَالِ وَالْجَمَالِ، وَتَسْمُو بِالْخَيَالِ إِلَى الْخَلْقِ وَالإِبْدَاعِ كَالشِّعْرِ وَالْمُوسِيقَى وَالرَّ …
- بالمفردات: المُفْرَدَاتُ : [بصيغة الجمع].- الأَصَابعِ: رتبة حيوانات تشمل ثلاث فَصائل، الخليليات والكركدنيّات والتابيريّات.
- عازف: العَازِفُ :- فا.-: من يلعب على آلة موسيقية؛ عازف الكمان أو عازف العود.-: عن الشيءِ: المنصرف عنه، لا يشتهيه؛ هو عازفٌ عن اللهو.
- فدنا: دنا: دَنا الشيءُ مِنَ الشيءِ دُنُوّاً ودَناوَةً: قَرُبَ. وَفِي حَدِيثِ الإِيمان: ادْنُهْ؛ هُوَ أَمْرٌ بالدُّنُوِّ والقُرْبِ، وَالْهَاءُ فِيهِ لِلسَّكْتِ، وجيءَ بِهَا لِبَيَانِ الْحَرَكَةِ. وَبَيْنَهُمَا دَنَاوَة أَي قَرا …