يا ساكب الروح

الشاعر: جميل حسين الساعدي · البحر: البسيط

«يا ساكب الروح» من شعر جميل حسين الساعدي، وتقع في 52 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف الدال.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

يا ساكـب الروح ألحانــا لمـــن وردوا — ومسرجَ العقــلِ مصباحا لمن قصدوا

أشرفْ من الغيبِ لحنا وابتعثْ ضرما — فإنّ منْ حملوا نارَ الهوى خمــــدوا

جفّتْ فمــا نقعتْ تلك الرياض ظمـا — ولا ترنّـــم منْ أطيارهـا غَــــرِد ُ

وأسرعتْ تملأُ الآفاق غائمــــــةُ — وضاق صدرٌ رحيـب بالذي يجد ُ

إقبالُ يا نغمات الروح ثائـــــــرة ً — يمدّها بـــرواء السحر مُعْتقــــــد ُ

يا باعث الفكر في أعماق مُظلمــة ٍ — مصابحا من سناها الشمس ترتعد ُ

ما زال يطربُ هذا الشرقَ قافيـــة ٌ — غنيَّتها مــنْ فؤاد بالهدى يقــــــــد ُ

جلّتْ نفوسٌ جبين الشمــس غايتها — ما قصّرَ الخطوَ منها الجهدُ والسَهد ُ

إذا تغيـــّب منها كوكـــب ألــــِقٌ — لاحتْ لهــا في الأعالي أنجـمٌ جدد ُ

*** — يا صادق الحرْف وهو الروحُ لاهبةٌ

والروحُ تفعلُ مـا لا يفعــلُ الجسد ُ — رددت حرفك في روحي فأيُّ صدى

يمرّ مخترقــا روحـي ويطّــرد ُ — وأيّ ذكــرى سرتْ نحــــوي تظللني

من أمسِ قـد راح مفتونا بها خَلـَدُ — تلكَ الأناشيدُ ما زالتْ مُسطّـــــرة ً

علـى القلوبِ بهــا الأرواحُ تبتـــرد ُ — سكبتها كضيــاءِ الصبـــح طاهرة ً

ما دنّسَ اللفظ منهــا خاطر نَكِـد ُ — ضمّنتــها كلّ معنىً خالد فعلـــــى

حروفها صورُ الإيمـــان تحتشـدُ — أسرجتها من لظى الأعمـــاق ثائرة ً

فحلّقتْ كشعـــاع الشمس تتّقــــد ُ — طوّفت حيث تسامــــتْ للعلى قِمم ٌ

وظلَّ غيركَ تُغري خطـوهُ الوهُـد ُ — ما كنت بالممتطي جُنح الخيال ولا

كنت المُضلّلَ لا يصحو لهُ رَشـَـد ُ — بلْ فطنة أدركتْ لُبّ الحيــاة ولــمْ

يكُنْ ليشغلـــها الأصدافُ والزَبَــد ُ — ***

يا بلبل الدوحــــــة العليا ويا لغـة ً — من السمـــاء لها قد صفّق َالأبـــد ُ

أبثّك الألــم الموروث مِنْ زمــن ٍ — فإن في البثَ تخفيفا لما أجــــــد ُ

إنْ كان راعك أنْ تلقــى عمادَ سنى — يهوي ففي يومنا قد ضوعف العدد ُ

أمستْ فلمْ تُعْطِ للإنســـان بغيتـــهُ — هـذي الحضارةُ خصما كلّـه لدَد ُ(1)

عاد ابن آدم منهــا دونمــا أمــل ٍ — ممزَقــا تترامى نفسه العُقـُـــــــــدُ

من بعد أنْ جنّبتـــه القصْــد آلهةٌ — قامت لخدمة مَـنْ في الأرضِ قد فسدوا

العلْم حُـوّل وهْـوَ النورُ قنبلة ً — خرســاء تبتلـــع ُالدنيـــــــا وتزدرد ُ

ولاح للعين مُلءَ الأفْق جامعــةٌ — راحتْ عليــها ظلالُ الموت تنعقـــد ُ

يزيدها شرفا في المُنجزات بأنْ — تُحضّر الموت يطوي كلّ مَنْ وَجدوا

وأنْ تُخرّج للتضليــل نابغـــة ً — يســعى لخلقِ أباطيـــل ويجتهـــــــد ُ

تنافسُ القوّة الرعنـــاء ما برحتْ — تُحييــه أنظمـــةٌ كبرى وتعتفـــد ُ(2)

أضحى مشاغلَ أذهــانٍ وأفئـــــدة — فالمالُ والجهْــدُ فـــي إذكــائه بَــــدَدُ

في حين راحتْ ملايين مشـــرّدة ً — نفوسُــها مِنْ لظى الحرْمــان تُفْتأد ُ

يا ويح أدمغة راحت مُحمَــــــلة ً — علما عليـــه صروحُ الظلم تعْتمدُ

خيرٌ مِن العلْم لمْ يُذهبْ مخاوفنــا — بكلّ ما قدْ أتى جهلُ الألى سعــــدوا

إقبالُ هذي جراحي وهْي فائــرة ٌ — يلفّـــــها الصمتُ لا يدري بها احد ُ

حملت آلام منْ عاشوا وإنَّ على — عينيَّ قدْ رُسِمَتْ آلامُ مَنْ لـُـحــدوا

خلعتُ أمسِ ثياب الحزْن عن جسدي — واليوم أصبحَ ثوبا للأسـى جَـسَـد ُ

إنّــي أنــــا النغــمُ الباكـــــي يرتّلـــهُ — نايٌ عليـم بأنّــات الأسى حَـــرِد ُ

ألقى همـــومي أشتاتا مشتّــــــــــة ً — لكنها في صميــــم القلب تتّحـــد ُ

كأنّ حبْــــلَ وداد بينها أبـــــــــدا ً — فالهمُّ لــــمْ يألُ جنْب الهمَ ينتضـد ُ

هذي قوافيَّ قد حمّلتـــــها وَهجــا ً — والشعرُ ما زالَ مِنْ حرّاقـــة يَرِدُ

بعضُ النفوسِ على الآلام قدْ جُبلـَــتْ — وربّمـــا كانِ شرّا عيشةٌ رَغَـــــد ُ

عزفتُ عنْ باردِ الأفيــاء مرتضيا ً — جمْـــر الهجيرة مُلتذا بما أجـــدُ

وعفتُ خلفــي أصنامـــــا ومقبرة ً — ورحتُ بالألــم الخلاّقِ أنفـــرد ُ

*** — يا صاحب القلم المعطاء قدْ شحَبَتْ

أقلامُنا وغدا يجري بهـنَّ دَد ُ(3) — تصامم القومُ عنْ صوت الحقيقة إذْ

بار الضميرُ وراج الزيْفُ والفند ُ(4) — وطالعوا الكون معكوسا فماوجـــدوا

سعادة واكتفوا غُنْمـا بما حصدوا — أغراهم انّ صوتَ الشرّ مُرتفـــع ٌ

وأنّ صوت دعاةِ الحقّ مُفْتَقَــــــــد ُ — وما دروا انّ في الظلمــــاءِ مُـنْبعَثا ً

للفجرِ واليوم إقرارا يليه غد ُ — وقيل قبلا بأن الدرب أوّلــــــه ُ

خطْوٌ بتكراره يُسْتَشـــــرَفُ الأمـد ُ

البحر والقافية

القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.

تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.

القافية: رويّها حرف الدال — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • باعث: البَاعِثُ : فا.-: من أسماء اللَّه الحسنى.-: السبب الموجب؛ ما الباعث على التمرد؟.-: المرسِلُ؛ إني باعثٌ لك رسالةً تصلك غدًا.
  • برواء: روأ: روَّأَ فِي الأَمرِ تَرْوِئةً وتَرْوِيئاً: نَظَرَ فِيهِ وتَعَقَّبه وَلَمْ يَعْجَلْ بِجَواب. وَهِيَ الرَّوِيئةُ، وَقِيلَ إِنما هِيَ الرَّوِيَّةُ بِغَيْرِ هَمْزٍ، ثُمَّ قَالُوا رَوَّأَ، فَهَمَزُوهُ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ …
  • ترنم: تَرَنَّمَ يَتَرَنَّمُ تَرَنُّماً : رَنَّمَ، أي طرَّب بصوته وغنّى؛ بدا عليه السرور وهو يترنم بقصيدة غَزَلية.
  • رحيب: الرَّحِيبُ : المتّسع؛ مكان رحيبٌ/ رحيبُ الباع، أي سَخِيٌّ/ رحيبُ البطن، أي أكولٌ/ الرحيبُ الصّدْر، هو الصبور؛ حَرِيٌّ برئيس القوم أن يكونَ حليماً رحيبَ الصَّدر ج رُحُبٌ مؤ رَحِيبَةٌ ج رَحَائِبُ.
  • ساكب: السَّاكِبُ : فا.-: المُنْصَبُّ أو السائل؛ ماء ٌ ساكِبٌ، أي جارٍ على وجه الأَرض من غير حَفْرٍ/ دمع ساكبٌ.

قصائد ذات صلة

  • مقاطع مسرحية(فاوست)للشاعر الألماني غوته
  • حنين واشتياق
  • ترنيمة الحرية
  • النسيان
  • حديث العشق
  • الأميرة الغجرية
  • أنا وأنت والمستحيل
  • صور من الريف