أم البروق

الشاعر: بدر شاكر السياب · البحر: الطويل

«أم البروق» من شعر بدر شاكر السياب، من العصر الحديث، وتقع في 35 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الياء.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

رأيت قوافل الأحياء ترحل عن مغانيها — تطاردها وراء الليل أشباح الفوانيس

سمعت نشيج باكيها — و صرخة طفلها و ثغاء صاد مواشيها

وفي وهج الظهيرة صارخا يا حادي العيس — على ألم مغنيها

و لكن لم أر الأموات يطردهن حفار — من الحفر العتاق و يترع الأطفان عنها أو يغطيها

و لكن لم أر الأموات قبل ثراك يجليها — مجون مدينة و غناء راقصة و خمّار

يقول رفيقي السكران دعها تأكل الموتى — مدينتا لتكبر تحضن الأحياء تسقينا

شرابا من حدائق برسفون تعلّنا حتى — تدور جماجم الأموات من سكر مشى فينا

مدينتنا منازلنا رحى و دروبها نار — لهامن لحمنا المعروك خبز فهو يكفيها

علام تمد للأموات أيديها و تختار — تلوك ضلوعها و تقيئها للريح تسفيها

تسلّل ظلها الناريّ من سجن و مستشفى — ومن مبغى و من خمارة من كل ما فيها

و سار على سلالم نومنا زحفا — ليهبط في سكينة روحنا ألما فيبكيها

و كانت إذ يطلّ الفجر تأتيك العصافير — تساقط كالثمار على القبور تنقّر الصمتا

فتحلم أعين الموتى — بكركرة الضياء و بالتلال يرشّها النور

و تسمع ضجة الأطفال أمّ ثلاثة ضاعوا — يتامى في رحبا الأرض إن عطشوا و إن جاعوا

فلا ساق و لا من مطعم في الكوخ ظلو و اعتلى النعش — رؤوس ألقوم و الاكتاف ..أفئدة و أسماع

و لا عين ترى الأمّ التي منها خلا العشّ — و في الليل

إذا ما ذرذر الأنوار في أبد من الظلمة — ودبّت طفلة الكفّين عارية الخطى نسمة

تلمّ من المدينة كالمحار و كالحصى من شاطيء رمل — نثار غنائها و بكائها لم تترك العتمة

سوى زبد من الأضواء منثور — يذوب على القبور كأنه اللبنات في سور

يباعد عالم الأموات عن دنيا من الذلّ — من الأغلال و البوقات و الآهات و الزّحمة

و أوقدت المدينة نارها في ظلّة الموت — تقلّع أعين الأموات ثم تدسّ في الحفر

بذور شقائق النعمان تزرع حبة الصمت — لتثمر بالرنين من النقود و ضجّة السفر

و قهقهة البغايا و السكارى في ملاهيها — و عصّرت الدفين من النهود بكل أيديها

تمزّقهن بالعجلات و الرقصات و الزمر — و تركلهنّ كالأكر

تفجرها الرياح على المدارج في حواشيها — و حيث تلاشت الرعشات و و الأشواق و الوجد

و عاد الحب ملمس دودة و أنين أعصار — تثاءبت المدينة عن هوى كتوقد النار

تموت بحرها ورمادها و دخانها الهاري — و يا لغة على الأموات أخفى مندجى الغابة

ترددها المقاهي ذلك الدلال جاء يريد أتعابه — إذا سمعوك رن كأنه الجرس الجديد يرن في السحر

صدى من غمغمات الريف حول مواقد السمر — إذا ما هزت الأنسام مهد السنبل الغافي

و سال أنين مجداف — كأن الزورق الأسيان منه يسيل في حلم

عصرت يديّ من ألم — فأين زوارق العشاق من سيارة تعدو

ببنت هوى ؟ و أين موائد الخمار من سهل يمد موائد القمر ؟ — على أمواتك المتناثرين بكل منحدر

سلام جال فيه الدمع و الآهات و الوجد — على المتبدلات لحودهم و الغاديات قبورهم طرقا

و طيب رقادهم أرقا — يحنّ إلى النشور و يحسب العجلات في الدرب

و يرقب موعد الربّ

البحر والقافية

القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.

تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.

القافية: رويّها حرف الياء — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • الحفر: حفر: حَفَرَ الشيءَ يَحْفِرُه حَفْراً واحْتَفَرَهُ: نَقَّاهُ كَمَا تُحْفَرُ الأَرض بِالْحَدِيدَةِ، وَاسْمُ المُحْتَفَرِ الحُفْرَةُ. واسْتَحْفَرَ النَّهْرُ: حانَ لَهُ أَن يُحْفَرَ. والحَفِيرَةُ والحَفَرُ والحَفِيرُ: الْبِئ …
  • السكران: السَّكَرَانُ : نباتٌ مُعمّر من الفصيلة الباذنجانيّة، ينبت في الصّحارى المصريّة والهند، له أغصان كثيرة تخرج من أصل واحد، أوراقه عصيريّة، وأزهارُهُ بنفسجيّة، يُستعمل في الطّبّ.
  • تسقينا: تَسَقَّى يَتَسَقَّى تَسَقَّ تَسَقِّياً [سقي]: قبل السقي وتروّى؛ تَسَقَّت الأَرضُ جيّداً بالأَمطار.

قصائد ذات صلة

  • أنشودة المطر
  • سفر ايوب
  • هل كان حبا
  • عينان زرقاوان
  • لن نفترق
  • المسيح بعد الصلب
  • لأني غريب
  • قصيدة