قاريء الدم
الشاعر: بدر شاكر السياب · البحر: المجتث
«قاريء الدم» من شعر بدر شاكر السياب، من العصر الحديث، وتقع في 35 بيتًا. نُظمت على بحر المجتث، ورويّها حرف الألف.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
أنا أيها الطاغوت مقتحم الرتاج على الغيوب ... أبصرت يومك و هو يأزف
هذه سحب الغروب ... يتوهج الدم في حفافيها و تنثر في الدروب
شفق البنفسج و الورود و لون أردية الضحايا ... فتشع أعمدة عوابس و الرصيف من الصبايا
و النسوة المتهامسات كحقل قمح و السطوح ... كأن بابل أودعتها من جنائنها بقايا
لو أن غرسا كان بشر و أسمع من يصيح ... هو ذا يساق إلى الحساب كأن أعراق المغيب
قطعت فصاح كأن صوتا على لظى حملته ريح ... من كل أودية الجحيم هواه
إني شهدت سواك ينسفه اختناق للصدور ... بغيظها وسمعت قفقفة الضحايا في القبور
و دم الحوامل و هو تشربه الأجنحة في دجاها ... فسمعت وقع خطاك خائرة تجر إلى السعير
حطام جسمك و السعير مدى تراها ... تحتز من قصبات صدرك ثأر كل دم العصور
إني أكلت مع الضحايا في صحاف من دماء ... و شربت ما ترك الفم المسلول منه على الوعاء
و شمعت ما سلخ الجذام من الجلود على ردائي ... و نشقت ماء جوارب السجناء في نفس الهواء
فشممت فيه دخان دارك و احتراق بنيك فيها ... و شواء لحم بنيك لولا أن شيمة محرقيها
ألا يذوق الأبرياء جزاء غير الأبرياء ... إني شببت مع الجياع مع الملايين الفقيرة
فعرفت أسرارا كثيرة ... كل اختلاجات القلوب و كل ألوان الدعاء
إغضاءة المقل الضريره ... يتطلع الدم في ظلام جفونهنّ إلى الضياء
و الحاملات نذورهن إلى قبور الأولياء ... ألموقدات شموعهن تلق ألسنها الكثيرة
كسر الرغيف و يعتصرن دم الثدي إلى الدماء ... و تأوه المستنقعات وزفة البرديّ فيها
و طنين أجنحة البعوض كأن غرقي ساكنيها ... يتنفسون من القرار و يضرعون إلى السماء
أن ينجو الأطفال من غرق وحمّى في الهواء ... و ملالة الأكواخ تشرب كل أمطار الشتاء
حتى تغص بها فللقصب النقيع بكل ماء ... شهقات محتضر يغر و إن تقيأ بالدواء
و تنهد الأشجار عطشى يابسات في الظهيرة ... تنكسر الورقات فيها و المناقير الصغيرة
فكأن مقبرة الهجيرة ... تمتص من رحم الحياة لتسفي الموتى عصيره
أنا قاريء الدم لا تراه و أنت أنت المست بيح ... أفلست تجرؤ أن تحدق فيه علك تستريح
من ازدياد دم تذر على جفونك منه نار ... لزج يسل مع الرقاد كأن بؤبؤك الذبيح
قابيل حدق في دماء أخيه أمس ... و أنت يأخذك الدوار
من رؤية الدم و هو ينزف ثم يركد فالغبار ... من تحته كفم الرضيع له اختلاج و افترار
أتخاف أن تطأ النبؤة مقلتيك هو الدمار ... أتخاف منها أن تفرّ كأن سرب قطا يثار
فأنت مع هلع تخض إلى المشاش هو الدمار ... إني خبرت الجوع يعصر من دمي و يمصّ مائي
و عرفت ما قلق الطريد يكاد كل فم ورائي ... يعوي ب ها هو ذا و توشك كل عين ألتقيها
أن يومض اسمي في قرارتها و جهلي بالدروب ... و لست أسأل عابريها عن بعيد عن قريب
من منتهاها و اكتئابي و الحنين مع الغروب ... و توقع المتعقبين خطاي أحسست في صداها
وقع الخطى و أكاد ألتفت التفاتة مستريب ... ألا تشد يد على كتفي و أوشك أن أرها
أعرفت ذاك ؟ فسوف تعرف منه دنيا في مداها ... تصطف أعمدة عوابس ثم تسمع من يصيح
هوو ذا يساق إلى الحساب كأنما اطرحت رداها ... جثت القبور كأن صوتا من لظى حملته ريح
من كل أدوية الجحيم هوا..ه
البحر والقافية
القصيدة على بحر المجتث. بحر قصير قليل الاستعمال، سُمّي مجتثًّا لاجتثاث أجزائه (اقتطاعها).
تفعيلاته: مستفعِ لن فاعلاتن.
القافية: رويّها حرف الألف، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- البنفسج: فسج: الفاسِجُ مِنَ الإِبل: اللَّاقِحُ، وَقِيلَ: اللاقحُ مَعَ سِمَنٍ، وَقِيلَ: هِيَ الحائِل السَّمِينَةُ، وَالْجَمْعُ فَواسِجُ وفُسَّجٌ؛ قَالَ: والبَكَراتِ الفُسَّجَ العَطامِسا والفاسِجَةُ مِنَ الإِبل: الَّتِي ضَرَبَها ال … (لسان العرب)
- الرتاج: رتج: الرَّتَجُ والرِّتاجُ: البابُ الْعَظِيمُ؛ وَقِيلَ: هُوَ الْبَابُ المُغْلَقُ. وَقَدْ أَرْتَجَ البابَ إِذا أَغلقه إِغلاقاً وَثِيقًا؛ وأَنشد: أَلم تَرَني عاهَدْتُ رَبِّي، وإِنَّني ... لَبَيْنَ رِتَاجٍ مُقْفَلٍ ومَقَامِ … (لسان العرب)
- الرصيف: رصف: الرَّصْفُ: ضَمُّ الشَّيْءُ بعضِه إِلَى بَعْضٍ ونَظْمُه، رَصَفَه يَرْصُفُه رَصْفاً فارْتَصَفَ وتَرَصَّفَ وتَراصَفَ. قَالَ اللَّيْثُ: يُقَالُ لِلْقَائِمِ إِذَا صَفَّ قَدَمَيْهِ رَصَفَ قَدَمَيْهِ، وَذَلِكَ إِذَا ضَمَّ … (لسان العرب)
- السطوح: سطح: سَطَحَ الرجلَ وغيره يَسطَحه، فهو مسْطوحٌ وسَطِيح: أَضْجَعَه وصرعه فبسطه على الأَرض. ورجل مَسْطُوحٌ وسَطِيحٌ: قَتيلٌ منبَسِطٌ؛ قال الليث: السَّطِيحُ المَسْطُوحُ هو القتيل: وأَنشد: حتى يَراه وَجْهها سَطِيحا والسَّطِيح … (لسان العرب)