رسالة قاهرية إلى دمشق
الشاعر: عبدالرحمن الطويل · البحر: المديد
«رسالة قاهرية إلى دمشق» من شعر عبدالرحمن الطويل، وتقع في 117 بيتًا. نُظمت على بحر المديد، ورويّها حرف التاء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
(1) — رسالةٌ كَتبتُها
طيَّبتُها — ختَمتُها بقُبلَةِ الوفاءْ
فلا يفضُّها سِوَى التي إليها أُرسِلَتْ — بعثتُها إليكِ في الهواءْ
و إنَّهُ لأسرعُ البريدِ في السفَرْ — و أَكتمُ الرسولِ لِلخبَرْ
مُؤَمَّنُ الطريق مأمونُ الأداء — فطار يَقطعُ السما
مَهما بأثقالِ الغُيُومِ حُمِّلَتْ — حتَّى إليكِ ينتهي
مُسلِّمًا ما أشتَهي — فإن أتَاك حاملاً رسالتي
فأَكرميِهِ عِندَ الِاستلامْ — و أَقرئيهِ للتي تُحبُكِ السلامْ
(2) — رسالةٌ كتبتُها
كتبتُ في سُطورِها ألفَ رسالهْ — صوَّرتُ فيها بالمِداد الدمعِ
حُبًا بالغًا أحشاءَ لُبِّ الأرضِ تحتي — مُحْدِثًا فيه اشتعالَهْ
حُبًا لهُ في كل بيتٍ فيَّ نبضٌ — و اشتياقاتٌ رغيباتٌ
رهيباتُ الجلالهْ — حُبًا جسيمًا
بالغًا أعلى غلافي — مُسَيْطرًا عليَّ آسرًا
مِنِّي تراتيلَ هُجودي و اعتكافي — و العزمُ منّي خالدُ الصَّمتِ حيالَهْ
حُبًا عظيمًا — بعضُهُ كُلي
و بعضي كُنهُهُ — يستغرقُ الألفاظَ مِنِّي
وصفُهُ حقًا — و تفنَى فيه أفكارُ المقالَهْ
(3) — هلّا قرأتِ الشوقَ فيها
يُخاطبُ الشوارعْ — عن جَذوةِ الحنينِ في تَرائبِ الشوارعْ
عن الثّرى الظمآنِ في أرضي — يطيرُ في الرياحْ
و يستسيغُ الظَّعنَ في رِكابِها — لا يَذرفُ المَدامِعْ
لعلَّها تَحملُهُ إليكِ في الصباحْ — لِيلتقي فيكِ الثرى الحبيبا
قد خبَّروهُ أنَّهُ يَئنّ — فطارَ يبتغي يراهُ
و يُنزلَ الرياحَ في حِماهُ — لِيُشبِعَ الجِراحَ منهُ بلسمًا و طِيبا
مُعانِقًا ذرَّاتُهُ ذراتِهِ لِيطمئنّ — (4)
و ما على المُحبِّ مِن ملامْ — و ما على مدينةٍ تُحبُّ أُختَها
ذنبٌ إذا آلتْ لها ألا تنامْ — و مَسجِدٍ يُحبُّ مسجدًا
تبادلا قديمًا الشيوخَ و الدُّروسْ — فكُلُّ شيخٍ هاهُنا لهُ هناك ظِلْ
و كل عالمٍ هناكَ — رجعُ صوتِهِ هُنا
يُعادُ في مساجد الإسلامِ لا يُمَلْ — و ما على المآذِنِ العَليَّهْ
قد اشمخرَّتْ تَرقُبُ البعيدا — هل آنسَ الأمانَ
أم ما زال سِجنُ الخوفِ حولَهُ مَشيدا — هل لا يزالُ يشتكي الأغلالَ و القيودا
و يَجْمعُ الصَّداقَ للحُريَّهْ — مآذنُ المساجدِ المصريَّهْ
يطيرُ شوقُها الأسيفُ في السَّما يَجُوسْ — لِيطمئنَّ قلبُها على المآذنِ الشاميَّهْ
و ما تُراها أحدَثَتْ فيها العوادي — بأيادي هادمي اللذّاتِ
أعوانِ المَجُوسْ — شَوقٌ لطولونيَّةٍ مَلويَّهْ
مُصاحبًا في رَكْبِهِ — صبابةَ المنارةِ الغُوريَّهْ
و قد تفجَّرتْ — أشواقُها في الجوِّ مِن خمْسِ رءُوسْ
تَهفو إلى العَروسْ — (5)
فارْوِ الهوى يا كاتبَ القصيدهْ — عن الرسالةِ التي فُصولُها عقيدهْ
حقَّ الهوى — حقَّ الغرامِ في النَّوى
شأنَ مُحبٍّ مُسرفِ التمادي — يُصغي إليه النَّجمُ
حينَ يُنشدُ الأشعارَ — في هوى الحبيبةِ البعيدَهْ
يحفّها إيقاعُ نَبضِ قلبِهِ — و نَوحُهُ على مقاماتِ الهَوى الفريدهْ
و تُنصتُ الغيومُ للإنشادِ — حتَّى يخرَّ عزمُها
فتَذرفَ الدُّموعَ فوقَ كُلِّ بُقعةٍ — و تنصبَ السيولَ في البلادِ
ذاك المُحبُّ طائفٌ — مُسافرٌ فؤادُهُ
مِن بيتِهِ المُقيم في المعادي — إلى حبيبةٍ لَهُ مُقيمةٍ في المَزّهْ
قد علَّمتْهُ في رسائلِ الهَوَى — بمَنطقِ الغرامِ معنى العِزَّهْ
و علمتهُ من معاني المَجدِ — معنًى عِندَها
أنَّ الكرامةَ الحياةُ وَحدَها — و كُلَّ عيشٍ دُونَها
مَوتٌ مُقيمٌ بَعدَها — (6)
حبيبةٌ شاميَّةٌ — تُعلمُ الجمالْ
في عرشِهِ معنى الجمالْ — و تَلبَسُ الكمالْ
إن كانَ في الناس كمالْ — و تفضحُ الشموسَ
حينمَا يَبينُ خدُّها — مِن شُرفةٍ مُوارَبَهْ
و تَستَبِدُّ بالقُلوبِ — حينَ تَسْري في الهوا أنفاسُها
فيَسبقُ النسيمُ بعضَهُ — يُحاول المُصاحَبهْ
عرَفتُ حُسنِها بِحُسنِ أرضِها — و عِزةً في رُوحها
مِن عزةٍ تعيشُ في سُفوحِها — فإنَّ حُسنَ الناس في الشآمِ جِذرُهُ
و إن عِز العُرب في الشآم نصرُهُ — و إنَّ كُلَّ عِشقْ
عُنوانُهُ دِمشقْ — (7)
رسالةٌ كتبتُها — بِمُهجةٍ تكثَّفَتْ مِدادا
ليستْ تكُفُّ عن تأوُّه الذبيحِ — و لا تَمثُلِ الجُروحِ
حينَ يَخلُو جسمُها من الجُروحِ — ما دُمتِ حتى الآنَ
تصرُخينَ — تنزفينَ
تسألينَ الطبَّ و الضِّمادا — ليستْ تودُّ مُهجتي
شيئًا سِوى — لو أنَّها كانت معَكْ
فتُؤنِسُ السهادا — و تحرسُ الرقادا
و أن إصبعًا لها — يمتدُّ في خدّيْك يمحُو مدمعَكْ
فيُؤْمنُ الفؤادا — و يُثْبتُ العِمادا
و أنها دسَّتْ حُسامًا — في فؤادِ الليلِ
أرداهُ قتيلاً خاسئًا — و استنقذَتْ من أسرِهِ
فجرًا وسيمًا — طالَ منهُ الغيبُ حتى روَّعَكْ
فأحيَت الأعيادا — و ردَّت الأمجادا
أمنيَّةٌ حسناءُ قاهريَّةٌ — أن أقضيَ الشتاءَ و الصيفَ معَكْ
و يجمعَ اللقا بنا بغدادا — و تونسَ الخضراءَ و القُدسَ
و صنعاءَ و فاسًا و الشقيقاتِ البلادا — أمنيَّةٌ متينةُ التأصُّلِ
قد أوشَكَتْ لأعيُني أن تنجلي — فأبشري
بنصرِك الموعودِ — يمحُو كُلَّ ما قد أوجعَكْ
و وحدةٍ ستَجمَعُ الفُرادَى — (8)
دمشقُ يا أُمّ المُدنْ — يا أقدم البلادِ يا بِكرَ البسيطهْ
يا زهرةً — تُضفي أريجًا ساطعًا على الخريطهْ
يا ياسَمِينةً — أوراقُها الحِسانُ
ترسمُ ابتسامةَ الزمنْ — يا دارَ مَجْدِ العُربِ من أُميَّهْ
و منبعَ الفتوح — فائضًا بأنهار الهُدى على البريَّهْ
مالي أراكِ — تعتريكِ في الدُّجى كآبهْ
مالي أرى الكابوسَ — حطَّ في ديارِكِ اغترابَهْ
هل ذاكَ إلا عارضٌ على الزمانْ — هل ذاكَ إلا أجنبيٌّ
قاءهُ جوفُ المكانْ — ما ذاك إلا ماردٌ من الدُّخانْ
يُحاولُ الحياةَ تحتَ وابلٍ — تصبُّهُ ألفُ سحابهْ
و فوقَ نهرٍ ماؤُهُ من الجِنانْ — ما ذاكَ إلا ضرْبةٌ قويَّةٌ
لنخلةٍ شمَّاءَ — مِن كَفِّ ذُبابهْ
يا أُختَ ديني و اللسانْ — واللهِ أنتِ الظاهرهْ
واللهِ أنتِ الظافرَهْ — فيكِ الرجالُ الأُسْدُ
فيك العزَماتُ القادرهْ — يبنُونَ فيكِ المَجدَ سهلاً
طالما يبنيهِ أبطالٌ كِرامٌ — بالدماء الطاهرَهْ
إن ترتَقي منهُ المَراقي — تُلفِي قليلَ الجهدِ باقي
و يُشرقُ النصرُ عليكِ — بالشموسِ الزاهرَهْ
شدَّتْ لكِ الرحالَ مِن عهدٍ قديمٍ — تشتهي بكِ التلاقي
أتتْكِ في أسرابِها — مُقيمةً لا زائرَهْ
دمشقُ يا قُطبَ الفلَكْ — هيا ارتقي المجدَ الذي بناهُ لكْ
أبطالُ صِدقٍ مِن بنيكِ — مُشرقُون في الحَلَكْ
و شاهدي الشُّموسَ تملأُ السما — يسوقُها ألفُ ملَكْ
دمشقُ يا... — ما أجملَكْ
ما أجملَ الأمجادَ فيك وهْي آمرهْ — ما أجملَ الجُموعَ فيك و هْي ثائرَهْ
ما أجمالَ الرجالَ — موجةً وراءَ موجةٍ
بِكُل آيات الجهادِ فائرَهْ — ما أجملَ اللقاءَ بيننا غدا
و الخوفُ أمسَى — عن فُؤاديْنا طريدًا مُبعَدا
و نَضرةُ ابتسامِ ثغرِك الجميلِ — للزمان ساحرهْ
هيا أريني حُسنَها — فإنَّني إليكِ في غدٍ مُسافِرَهْ
* — و الآنَ يَبلُغُ الكلامُ
في رسالةِ الغرامِ آخرَهْ — و الحمدُ للهِ الذي
يُزجِي إلينَا في غدٍ — آياتِ نصرٍ باهرَهْ
* — قد خُطَّ في العشرين مِن مُحرَّمٍ
و وقَّعتْهُ بالحنينِ القاهرَهْ
البحر والقافية
القصيدة على بحر المديد. بحر قليل الورود، عذب الموسيقى، سُمّي مديدًا لامتداد أسبابه حول أوتاده.
تفعيلاته: فاعلاتن فاعلن فاعلاتن.
القافية: رويّها حرف التاء — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- الاستلام: اسْتَلأَمَ يَسْتَلْئِمُ اسْتِلاماً : لبس لأْمَتَهُ، أي عدّته للحرب من سيف ورمح ودرع.
- البريد: البَرِيدُ : الرسول الذي ينقل الأخبار والرسائل.-: المسافة بين كل منزلين من منازل الطريق/ إدارة البريد، هي إدارة رسمية يودعها الناس رسائلهم وطرودهم لإيصالها الى جهات محددة.-: مجموعة الرسائل والطرود التي تنقلها إدارة البريد …
- تحبك: تَحَبَّكَ يَتَحَبَّكُ تَحَبُّكاً : شدّ الحبلَ على وسطه؛ تحبّك وشمّر عن زنديه استعداداَ للعمل.
- فطار: الفُطَارُ :- من السُّيوفِ: الَّذي عُمل لساعِته ولم يُصْقَلْ فلا يقْطع.