رسالة قاهرية إلى دمشق
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
(1)رسالةٌ كَتبتُها
طيَّبتُهاختَمتُها بقُبلَةِ الوفاءْ
فلا يفضُّها سِوَى التي إليها أُرسِلَتْبعثتُها إليكِ في الهواءْ
و إنَّهُ لأسرعُ البريدِ في السفَرْو أَكتمُ الرسولِ لِلخبَرْ
مُؤَمَّنُ الطريق مأمونُ الأداءفطار يَقطعُ السما
مَهما بأثقالِ الغُيُومِ حُمِّلَتْحتَّى إليكِ ينتهي
مُسلِّمًا ما أشتَهيفإن أتَاك حاملاً رسالتي
فأَكرميِهِ عِندَ الِاستلامْو أَقرئيهِ للتي تُحبُكِ السلامْ
(2)رسالةٌ كتبتُها
كتبتُ في سُطورِها ألفَ رسالهْصوَّرتُ فيها بالمِداد الدمعِ
حُبًا بالغًا أحشاءَ لُبِّ الأرضِ تحتيمُحْدِثًا فيه اشتعالَهْ
حُبًا لهُ في كل بيتٍ فيَّ نبضٌو اشتياقاتٌ رغيباتٌ
رهيباتُ الجلالهْحُبًا جسيمًا
بالغًا أعلى غلافيمُسَيْطرًا عليَّ آسرًا
مِنِّي تراتيلَ هُجودي و اعتكافيو العزمُ منّي خالدُ الصَّمتِ حيالَهْ
حُبًا عظيمًابعضُهُ كُلي
و بعضي كُنهُهُيستغرقُ الألفاظَ مِنِّي
وصفُهُ حقًاو تفنَى فيه أفكارُ المقالَهْ
(3)هلّا قرأتِ الشوقَ فيها
يُخاطبُ الشوارعْعن جَذوةِ الحنينِ في تَرائبِ الشوارعْ
عن الثّرى الظمآنِ في أرضييطيرُ في الرياحْ
و يستسيغُ الظَّعنَ في رِكابِهالا يَذرفُ المَدامِعْ
لعلَّها تَحملُهُ إليكِ في الصباحْلِيلتقي فيكِ الثرى الحبيبا
قد خبَّروهُ أنَّهُ يَئنّفطارَ يبتغي يراهُ
و يُنزلَ الرياحَ في حِماهُلِيُشبِعَ الجِراحَ منهُ بلسمًا و طِيبا
مُعانِقًا ذرَّاتُهُ ذراتِهِ لِيطمئنّ(4)
و ما على المُحبِّ مِن ملامْو ما على مدينةٍ تُحبُّ أُختَها
ذنبٌ إذا آلتْ لها ألا تنامْو مَسجِدٍ يُحبُّ مسجدًا
تبادلا قديمًا الشيوخَ و الدُّروسْفكُلُّ شيخٍ هاهُنا لهُ هناك ظِلْ
و كل عالمٍ هناكَرجعُ صوتِهِ هُنا
يُعادُ في مساجد الإسلامِ لا يُمَلْو ما على المآذِنِ العَليَّهْ
قد اشمخرَّتْ تَرقُبُ البعيداهل آنسَ الأمانَ
أم ما زال سِجنُ الخوفِ حولَهُ مَشيداهل لا يزالُ يشتكي الأغلالَ و القيودا
و يَجْمعُ الصَّداقَ للحُريَّهْمآذنُ المساجدِ المصريَّهْ
يطيرُ شوقُها الأسيفُ في السَّما يَجُوسْلِيطمئنَّ قلبُها على المآذنِ الشاميَّهْ
و ما تُراها أحدَثَتْ فيها العواديبأيادي هادمي اللذّاتِ
أعوانِ المَجُوسْشَوقٌ لطولونيَّةٍ مَلويَّهْ
مُصاحبًا في رَكْبِهِصبابةَ المنارةِ الغُوريَّهْ
و قد تفجَّرتْأشواقُها في الجوِّ مِن خمْسِ رءُوسْ
تَهفو إلى العَروسْ(5)
فارْوِ الهوى يا كاتبَ القصيدهْعن الرسالةِ التي فُصولُها عقيدهْ
حقَّ الهوىحقَّ الغرامِ في النَّوى
شأنَ مُحبٍّ مُسرفِ التمادييُصغي إليه النَّجمُ
حينَ يُنشدُ الأشعارَفي هوى الحبيبةِ البعيدَهْ
يحفّها إيقاعُ نَبضِ قلبِهِو نَوحُهُ على مقاماتِ الهَوى الفريدهْ
و تُنصتُ الغيومُ للإنشادِحتَّى يخرَّ عزمُها
فتَذرفَ الدُّموعَ فوقَ كُلِّ بُقعةٍو تنصبَ السيولَ في البلادِ
ذاك المُحبُّ طائفٌمُسافرٌ فؤادُهُ
مِن بيتِهِ المُقيم في المعاديإلى حبيبةٍ لَهُ مُقيمةٍ في المَزّهْ
قد علَّمتْهُ في رسائلِ الهَوَىبمَنطقِ الغرامِ معنى العِزَّهْ
و علمتهُ من معاني المَجدِمعنًى عِندَها
أنَّ الكرامةَ الحياةُ وَحدَهاو كُلَّ عيشٍ دُونَها
مَوتٌ مُقيمٌ بَعدَها(6)
حبيبةٌ شاميَّةٌتُعلمُ الجمالْ
في عرشِهِ معنى الجمالْو تَلبَسُ الكمالْ
إن كانَ في الناس كمالْو تفضحُ الشموسَ
حينمَا يَبينُ خدُّهامِن شُرفةٍ مُوارَبَهْ
و تَستَبِدُّ بالقُلوبِحينَ تَسْري في الهوا أنفاسُها
فيَسبقُ النسيمُ بعضَهُيُحاول المُصاحَبهْ
عرَفتُ حُسنِها بِحُسنِ أرضِهاو عِزةً في رُوحها
مِن عزةٍ تعيشُ في سُفوحِهافإنَّ حُسنَ الناس في الشآمِ جِذرُهُ
و إن عِز العُرب في الشآم نصرُهُو إنَّ كُلَّ عِشقْ
عُنوانُهُ دِمشقْ(7)
رسالةٌ كتبتُهابِمُهجةٍ تكثَّفَتْ مِدادا
ليستْ تكُفُّ عن تأوُّه الذبيحِو لا تَمثُلِ الجُروحِ
حينَ يَخلُو جسمُها من الجُروحِما دُمتِ حتى الآنَ
تصرُخينَتنزفينَ
تسألينَ الطبَّ و الضِّماداليستْ تودُّ مُهجتي
شيئًا سِوىلو أنَّها كانت معَكْ
فتُؤنِسُ السهاداو تحرسُ الرقادا
و أن إصبعًا لهايمتدُّ في خدّيْك يمحُو مدمعَكْ
فيُؤْمنُ الفؤاداو يُثْبتُ العِمادا
و أنها دسَّتْ حُسامًافي فؤادِ الليلِ
أرداهُ قتيلاً خاسئًاو استنقذَتْ من أسرِهِ
فجرًا وسيمًاطالَ منهُ الغيبُ حتى روَّعَكْ
فأحيَت الأعياداو ردَّت الأمجادا
أمنيَّةٌ حسناءُ قاهريَّةٌأن أقضيَ الشتاءَ و الصيفَ معَكْ
و يجمعَ اللقا بنا بغداداو تونسَ الخضراءَ و القُدسَ
و صنعاءَ و فاسًا و الشقيقاتِ البلاداأمنيَّةٌ متينةُ التأصُّلِ
قد أوشَكَتْ لأعيُني أن تنجليفأبشري
بنصرِك الموعودِيمحُو كُلَّ ما قد أوجعَكْ
و وحدةٍ ستَجمَعُ الفُرادَى(8)
دمشقُ يا أُمّ المُدنْيا أقدم البلادِ يا بِكرَ البسيطهْ
يا زهرةًتُضفي أريجًا ساطعًا على الخريطهْ
يا ياسَمِينةًأوراقُها الحِسانُ
ترسمُ ابتسامةَ الزمنْيا دارَ مَجْدِ العُربِ من أُميَّهْ
و منبعَ الفتوحفائضًا بأنهار الهُدى على البريَّهْ
مالي أراكِتعتريكِ في الدُّجى كآبهْ
مالي أرى الكابوسَحطَّ في ديارِكِ اغترابَهْ
هل ذاكَ إلا عارضٌ على الزمانْهل ذاكَ إلا أجنبيٌّ
قاءهُ جوفُ المكانْما ذاك إلا ماردٌ من الدُّخانْ
يُحاولُ الحياةَ تحتَ وابلٍتصبُّهُ ألفُ سحابهْ
و فوقَ نهرٍ ماؤُهُ من الجِنانْما ذاكَ إلا ضرْبةٌ قويَّةٌ
لنخلةٍ شمَّاءَمِن كَفِّ ذُبابهْ
يا أُختَ ديني و اللسانْواللهِ أنتِ الظاهرهْ
واللهِ أنتِ الظافرَهْفيكِ الرجالُ الأُسْدُ
فيك العزَماتُ القادرهْيبنُونَ فيكِ المَجدَ سهلاً
طالما يبنيهِ أبطالٌ كِرامٌبالدماء الطاهرَهْ
إن ترتَقي منهُ المَراقيتُلفِي قليلَ الجهدِ باقي
و يُشرقُ النصرُ عليكِبالشموسِ الزاهرَهْ
شدَّتْ لكِ الرحالَ مِن عهدٍ قديمٍتشتهي بكِ التلاقي
أتتْكِ في أسرابِهامُقيمةً لا زائرَهْ
دمشقُ يا قُطبَ الفلَكْهيا ارتقي المجدَ الذي بناهُ لكْ
أبطالُ صِدقٍ مِن بنيكِمُشرقُون في الحَلَكْ
و شاهدي الشُّموسَ تملأُ السمايسوقُها ألفُ ملَكْ
دمشقُ يا...ما أجملَكْ
ما أجملَ الأمجادَ فيك وهْي آمرهْما أجملَ الجُموعَ فيك و هْي ثائرَهْ
ما أجمالَ الرجالَموجةً وراءَ موجةٍ
بِكُل آيات الجهادِ فائرَهْما أجملَ اللقاءَ بيننا غدا
و الخوفُ أمسَىعن فُؤاديْنا طريدًا مُبعَدا
و نَضرةُ ابتسامِ ثغرِك الجميلِللزمان ساحرهْ
هيا أريني حُسنَهافإنَّني إليكِ في غدٍ مُسافِرَهْ
*و الآنَ يَبلُغُ الكلامُ
في رسالةِ الغرامِ آخرَهْو الحمدُ للهِ الذي
يُزجِي إلينَا في غدٍآياتِ نصرٍ باهرَهْ
*قد خُطَّ في العشرين مِن مُحرَّمٍ
و وقَّعتْهُ بالحنينِ القاهرَهْ
عن القصيدة
«رسالة قاهرية إلى دمشق» من شعر عبدالرحمن الطويل، وتقع في ١١٧ بيتًا. ورويّها حرف التاء.
وفي ميزان العرب: مكتبةٌ من أمهات كتب الأدب والأخبار والتراجم ← · أمثال العرب وقصصها ←
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.