موطئ للقدم زلة للقدم
الشاعر: فيصل سليم التلاوي · البحر: المقتضب
«موطئ للقدم زلة للقدم» من شعر فيصل سليم التلاوي، وتقع في 45 بيتًا. نُظمت على بحر المقتضب.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
ترفقَ بي صاحبي — حين حدثني عن رحيلٍ إلى مَوطئٍ للقدمْ
تساءلتُ : — - ياصاحبي كم مواطىءَ قد زُلزلت قبلُ من تحت أقدامنا ؟!
وكم من رياحٍ محت ما تجرأ من خطونا — أن يقيم دليلاً على أننا ذات يومٍ مررنا هنا !
ما ادعيتُ بأنا لبثنا هنا . — وفاجأني صاحبي:
أن موطئه الآن لا كالمواطئِ، — موطئُه رقعةٌ خلف ظهر الوطن .
تناءت إلى ما وراء (أريحا) وعمق (سدوم) ، — وزمجرَ من روعِه:
- سمّها ما تشاءُ ، — فناءً من الخلفِ ،
مَحضَ قفًا، — غير أنك لا تستطيع ادعاءً
سوى أنني حجرٌ، — شجرٌ مُشهرٌ عُريَهُ إن أردتَ،
ولكنني فوق أرض الوطن ، — وفي وهج الشمس ،
أقسم لي أنه لن يُظلله غير فيءِ العلم.ْ — وأفزعني صاحبي
عندما زارني بعد عامٍ طويلْ ، — وفي صوته بحَةٌ وألم ْ،
ومن غور عينيه غيمٌ تدافع َ، — ما نبست شفتاهُ ، ولا اغرورقت مقلتاهُ
ولكن طيفاً ألمَّ وغشّى على ناظريهِ ، — فألفيته ذاهلاً يائسًا
حين أفصح لي صاحبي دون همسٍ — عن الهمِّ والأملِ المستحيلْ،
عن الأخطبوط ِ، — وألف ذراعٍ تُطوِّقُ في (الغورِ) جيد النخيل ،
وعن قاتلٍ مُجهشٍ بالبكاءِ — يَغذُّ الخُطا خلف نعش القتيل ،
وألف يهوذا يبيعون بالثمن البخس طفل الجليلْ. — وحين دعاني إليه أجبتُ ،
تجرّعت ذلَّ " المحاسيم "، (1) — مَسّحتُ بَصقة جنديهم عن جبيني،
تبسّمتُ في وجهه رغم أنفي ، — وقلتُ: - " شالوم"
ولاحت على البعد مستوطنهْ ، — على هامة التلُ ،
قرميدها مثل قبعةِ الإنكشاريِّ ، — لم تخفَ يوماً عليَّ
لها مثل لون دمي ونبيذ الكروم . — تعالى سياجٌ يُزِنرُها ،
يتمددُ للسفح ، للذبحِ ، — يهوي على ألف زيتونةٍ
تتضاءل وسط حصار الهشيم ، — فأنكرتُ بستان جدي القديم
على كتفِ " اللحفِ" (2) — يمتد مُسترسلا للبيادر ،
ناديت في لهفة بقرات ٍ ثلاثٍ لجديَ — للتوِّ فارقتها، منذ خمسين عاماً فقط .
وأجهشت شوقاً " لحَجلة " شوقاً "لعِنابةٍ" — ولأم التوائم "نوارةٍ "، (3)
في جنون الربيع يطوف بها طائفٌ ، — ثم يتركها تذرع السهلَ والوعرَ،
والطفل يعدو ، يولولُ ، يعثرُ ، ينهضُ ، — ينهشُ ساقيه جيشٌ من الشوك
يصطف، يفغرُ أفواهههُ النَهِماتِ — على جانب الدربِ،
يغرز أنيابه والغًا في دماه ْ. — يهيمُ على وجهه،
غيّبتهُ تلاليفُ أقصى الحقول . — يطاردني فزعٌ أن تضيع َ
وأن لا تعود إلى البيتِ . — يخجلني لوم جدّي،
بأنيَ ما كنت يوماً جديراً، — وما كان دوماً يطيرُ بلُبّي ،
ويدهش قلبي — سوى أنها سبقتني إلى الدار،
ما ضيّعت دربها أو توانت — على عادة السائرين .
سلامٌ على بيت جدي القديمِ، — حجارته تتناثر تحت سنابك مستوطنهْ،
على جذع زيتونةٍ يُستباحُ، — ولكنه لا يُخلي المكانَ،
يظل يزاحمُ غرقدةً — تتطاول فوق ضريحِ ولِيٍّ كريمٍ،
نذرنا له في الزمان النذورَ، — وطفنا بساحته حالمين
على أنه اليوم لا وقت للحُلمِ. — أيقظني من ذهولي انتهاء الزيارة :
- غادرعلى الفور. — أبلغني مُرغماً صاحبي
فودعتُ موطئه والقدم ْ — وعدتُ بلا موطىء أو قدم ْ
وكل الذي قد خبرتُ بهذي المفازةِ — ما زاد عن زلةٍ للقدم.ْ
البحر والقافية
القصيدة على بحر المقتضب. بحر نادر قليل الورود، سُمّي مقتضبًا لأنه اقتُطِع من المنسرح.
تفعيلاته: مفعولاتُ مستفعلن.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- ادعاء: [د ع و]. (مصدر اِدَّعَى). "هُوَ كَثِيرُ الادِّعَاءِ": كَثِيرُ الزَّعْمِ وَالافْتِخَارِ بِما لَيْسَ لَهُ.
- الخلف: خلف: اللَّيْثُ: الخَلْفُ ضِدُّ قُدّام. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: خَلْفٌ نَقِيضُ قُدَّام مُؤَنَّثَةٌ وَهِيَ تَكُونُ اسْمًا وظَرفاً، فَإِذَا كَانَتِ اسْمًا جَرت بِوُجُوهِ الإِعراب، وَإِذَا كَانَتْ ظَرْفًا لَمْ تَزَلْ نَصْبًا عَ …
- ترفق: تَرَفَّقَ يَتَرَفَّقُ تَرَفُّقاً : ـ به: عامله بلطف وألان جانبه له؛ به إذ وجده ضعيفاً. ـ به: انتفع واستعان؛ تَرَفَّق البستانيّ بالمياه الجارية وسقى زرعه. ـ عليه: اتَّكأ؛ تَرَفَّق على وسادة وثيرة.