الى امى التى رحلت وتركتنى
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
أنا الكلماتُ تحترقُ ..على شفَتي
وأنفاسي تَهُبُّ كمثلِ نيرانٍ على رئتيأنا قلتُ : مساءُ الخيرِ يا أمي
وما ردَّتْتُراها قد نسَتْ لغتي ؟
فتحتُ البابْ ،وأغلقتُ .. ورائي البابْ
ونادتْني ليالي الأمسِ والأحبابْوحييتُ الذي يجلسْ ..
جواري دائمًا أبدًا :مساءُ الخير يا حزني
فردَّ الحزنُ بالترحابْ****
تذكرتُ ..هنا وجهَكْ
ووجهُكِ طلَّةٌ من نورْوقلبًا يُشبهُ البلُّورْ
وتسبيحًا وتكبيرًاوعطرَ بخورْ
تذكرتُ ..هنا التنورْ
وخبزًا جافْوظِلَّ شُجيرةِ الصفصافْ
وضمَّةَ صدرِكِ الحانيعلى طفلٍ رضيعٍ خافْ
تذكرتُ ..دعاءَكِ في صلاةِ الفجرْ
تذكرتُ الكلامَ الحلوَ في يومٍتذكرتُ الكلامَ المرْ
ويومَ سألتِني مرَّةْعن الموتِ ،
وأولِ ليلةٍ في القبرْوعن حالِ السنينَ هناكْ ،
وكيفَ تمُرّ ؟ومرَّ العمرْ
وصارَ المرُّ في حلقيهناكَ أمَرّ
وظلَّ السرُّ مطويًاوخلفَ السرّ
أنا مازلتُ يا أمي على قبرِكْهنا طفلاً ..
يبيعُ الصبرْأُناديكِ
وأنتظرُ .. يجيءُ الردّوأصبحَ بيننا سدٌ
وماذا خلفَ هذا السدّبدأْنا العدّ
أنا طفلٌ حديثُ العهدِ باليُتمِولا أدري وماذا بعدْ
فمنْ بعدَكْ ..عليَّ يرُدْ ؟
ومَن بعدَكْ ..إذا قبَّلتُ كفَّيهِ..
أذوقُ الشهدْ ؟ومن يمسحْ ..
على رأسي إذا أأسى ؟ومن بعدَكْ ..
يُقبِّلُني لكي أنسى ؟ومن في الصبحِ أشتَمُّ ..
بأنفاسِهْ ..عبيرَ الوردْ ؟
****دخلتُ الآنَ حجرتَكِ
وجدتُ النورَ قد غادَرْوطيبَكِ من هنا سافَرْ
سألتُ النورَ عن شيءٍ هنا ترَكَهْلماذا البيتُ ما عادَ
فلا صوتٌ ولا حرَكَةْولا خيرٌ ولا بركَةْ ؟
هنا مازالَ مقعدُكِوصوتٌ من كلامِ الأمسْ
جميعًا كنَّا ننتظرُكْفهُلِّي مثلما أنتِ
فقد كنتِ ..هنا بالأمسْ
وبينَ اليومِ والأمسِتغيَّرْنا
فلا شكلٌ ولا لونٌ ،ولا طعمٌ ولا مَعنى
ولا أنتِ ..هنا معَنا
لأوَّلِ مرَّةٍ في العمرِ يا أمينذوقُ اليُتمَ أجمعَنا
نُغمِّسُ خبزَنا اليابسْ ..بأدمُعِنا
هنا بخَّاخةُ الربوِ ، ومِسبحَتُكْ ،وطرحتُكِ ، وسجَّادَةْ ،
ومِذياعٌ صغيرٌيقرأُ القرآنَ كالعادَةْ
أتى العيدُ ولم يطرُقْ على بابي هنا أحدٌتعجَّبتُ ..
تُرى قد جاءَ هذا العامُ يا أميبلا أعيادْ ؟
ولم أسمعْ هنا صوتَكْ ..يُناديني
فناديتُ ... وناديتُ ...وخوفٌ داخلي يزدادْ
فأين فُطورُنا أينَوأينَ جميعُ من في البيتِ
يلتفُّونَ من حولِكْ ؟هنا كنَّا على ميعادْ
هنا في البهوِ ننتظرُكْوهذا المِقعدُ الخالي
أُحدِّقُ فيه ..ويقتُلُني سؤالٌ دارَ في بالي
طرقتُ البابَ لم أسمعْ ..هنا صوتَكْ
وناديتُ : أيا أمي .. أيا أُميفتحتُ البابَ في صمتٍ
سريرُكِ ها هنا خالِوِسادتُكِ ، وجلبابُكْ ، ومسبحتُكْ ،
وبسمتُكِ .. دُعابتُكِ ،ومصروفٌ لأطفالي
وأدويةٌ مُبعثرةٌسؤالُكِ دائمًا عني
وعن حاليورُقيتُكِ ، ودعوتُكِ
ونومي فوقَ رُكبتِكِونظرتُكِ ، وضمَّتُكِ ، وقُبلتُكِ
وحضنٌ فيه آماليبأن أرتاحَ من تعبي ، وترحالي
تساقطْتُ ..على الأرضِ
لأنَّ العجزَ قد دبَّ ..بأوصالي
****أُحسُّكِ دائمًا قربي تُناديني
بكلِّ مساءْفأجري نحوَ غُرفتِكِ
بكوبِ الماءْوقُرصِ دواءْ
فلا أجدُكْ ...أضمُّكِ داخلي وأذوبْ
فلا يَبقى هنا منِّي ولا منكِسوى أنَّا
فَناءٌ ذائبٌ بفناءْوقد أعطيتِني روحًا
فحلَّقتُ ..أنا معَكِ
بكلِّ سماءْفيا أمي التي اختصرَتْ بداخلِنا ..
مواسمَنافصرنا والسنينَ بكاءْ
مُسافرةٌ إلى أينَ حبيبَتَنامسافرةٌ بلا أشياءْ
حقيبتُكِ التي كانتْتُسافرُ دائمًا معَكِ
نراها لا تُطيقُ بقاءْضَحكْتِ علينا واللهِ
وسافرتِ على استحياءْبغيرِ وداعْ
وسافرتِ ..لأبعدِ نُقطةٍ في الكونِ سافرتِ
بلا أشياءْسِوى زادٍ من التقوى ،
وإيمانٍ كنبعِ الماءْتُراكِ الآنَ يا أمي
بأيِّ سماءْ ؟****
وتعبسُ حولنا الأشياءُ معلنةًقدومَ الموتْ
قطارٌ سوفَ يحملُنا لبلدانٍونجهلُها
نسميها بلادَ الصمتْلدارٍ غيرِ تلكَ الدارِ يا أمي
وبيتٍ غيرِ هذا البيتْأُناديكِ
وأصرخُ دائمًا وحديبأعلى صوتْ
رجوتُكِ أن تجيبينيوأن تَبقَيْ هنا معَنا
لبعضِ الوقتْ****
أنا أمسكتُ بالهاتِفْلأطلبَ نفسَ أرقامِكْ
فكم يأتي جميلاً رائعًا ردُّكْإذا كانتْ مهاتفتي
مفاجأةً،وما دارتْ بحسبانِكْ
بكِلْماتٍ تُزلزلُني ..تردِّينَ
وتختصرينَ قاموسًامن الكلِماتِ في ذلكْ
أُحسُّ بقلبِكِ الملهوفِ ينصهرُعطاءً مُرهقًا جدًّا
يُغالبُ ما بإمكانِكْفأيُّ حكايةٍ أنتِ
وكلُّ منابعِ الحبِّتصُبُّ الحُبَّ في ذاتِكْ
أنا من جَمِّ تقديسِكْ وإجلالِكْفلو كانَ ..
لغيرِ اللهِ مسموحٌ بأن أسجُدْلعشتُ العمرَ يا أمي
لأسجدَ عندَ أعتابِكْأنا مازلتُ والهاتِفْ
وعشرونَ محاولَةًفرُدِّي مثلما كنتِ
وصُبِّي داخلَ الشريانِ تَحنانَكْفهذا اليومُ عيدُ الأمِّ يا أمي
وأغنيةٌ أنا قد عشتُ أعشقُهاوأنتِ السرُّ في ذلكْ
أتى العيدُوهاتفُكِ يرنُّ ولا تُجيبينَ
هداياكِ أتتْ من كلِّ أحبابِكْولكنْ لم نكنْ ندري
بأنَّكِ دونَ أن ندريهنا غيَّرْتِ عنوانَكْ
****أنا الندمانُ من رأسي إلى قدمي
أنا ندميعلى أني تركتُكِ لحظةً في العمرِ
ما كنتِ معي فيهافعودي لي وأُقسِمُ لَكْ
بأني كلُّ أيامي سأقضيهالأجلسَ تحتَ أقدامِكْ
أُقبِّلُها وأحملُها على رأسيأُهدهدُها ، أُغطيها
فقد خدعتْني أياميورحلةُ عمرِنا مرَّتْ
ولم أعرفْتواعَدْنا على شيءٍ
أنا واللهِ لم أُخلِفْولكنْ أخلفَ الموتُ ..
الذي في لحظةٍ يَخطَفْتخيَّلتُ ..
بأن العمرَ ممتدٌّوأن هناكَ متسعًا من الأيامْ
وكم كانتْ لدينا هاهنا أحلامْرأيتُ الموتَ في عينيكِ في يومٍ
ولكنْ خلتُها أوهامْحكيتِ لنا عن الماضي
تركتِ بداخلي جرحًاكألفِ علامةِ استفهامْ
ومرَّ الوقتُ لم نُكملْوقد قلنا :
غدًا إن شاءَ نستكملْوجاءَ الغدُّ يا أمي
وهاأنذا وحيدًا ، ضائعًا ، مُهمَلْفبعدَكِ يا أحبَّ الناسْ
بهذا القلبِ من بعدِكْأنا ماذا بهِ أفعلْ
***جميلٌ كلُّ شيءٍ فيكِ يا أمي
جميلٌ كلُّ شيءٍ كانْبحقٍّ كنتِ رائعةً ، ويافعةً ،
ويانعةً كما البستانْرأيتُكِ بسمةً تمتدُّ شلالاً
وتسكنُ مدخلَ الشريانْحنانُكِ عالمٌ يمتدُّ داخلَنا بلا آخِرْ
بحورٌ ما لها شطآنْوجودُكِ وحدَهُ كافٍ
ليبعثَ داخلي اطمئنانْففي كفيكِ يا أمي
شطوطُ أمانْأُحسُّكِ رغمَ ما فيكِ
كأنكِ قد فرشتِ الأرضَمن تحتِ البشرْ ..
أحضانْصلاحٌ ما لهُ آخِرْ
وأنتِ كروضةٍ كبرى من الإحسانْتصالحتِ معَ الناسِ
فما أغضبتِ في يومٍ هنا إنسانْوما يومًا طلبتِ متاعَ دنيانا
فما شيءٌ على قلبِكْ ..لهُ سلطانْ
تعلَّقتِ بحبلِ اللهِ في صبرٍوكنتِ بكلِّ نائبةٍ لكِ البرهانْ
يجيءُ الفجرُ يسألُنييدقُّ البابَ في خجلٍ
كطفلٍ تائهٍ حيرانْويجلسُ ينزوي وحدَهْ
ويسألُ عنكِ يا أميفصوتُ مؤذنِ الفجرِ
هنا قد حانْفلا صوتٌ لهذا البيتِ من بعدِكْ
فأينَ الآنَ همهمتُكْبتسبيحٍ وترتيلٍ من القرآنْ
فقدناكِ .. على غِرَّةْوسافرتِ ..
ولا ندري لأيِّ مكانْلأوَّلِ مرَّةٍ في العمرِ تغتربينَ يا أمي
وسافرتِ ..إلى الأبدِ ..
بلا استئذانْ
عن القصيدة
«الى امى التى رحلت وتركتنى» من شعر عبدالعزيز جويدة، من العصر الحديث، وتقع في ١٤٣ بيتًا. ورويّها حرف الراء، وهي قصيدة حزينة.
وفي ميزان العرب: مكتبةٌ من أمهات كتب الأدب والأخبار والتراجم ← · أمثال العرب وقصصها ←
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.