جنونـي ... بلا مدى.
الشاعر: صلاح داود · البحر: الطويل
«جنونـي ... بلا مدى.» من شعر صلاح داود، وتقع في 60 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الياء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
عَــلـوْتُ عـلى رأسي أطـَـاول أنـْجُــمـي — لـَعَــلِّـي عـلى نجـْـمي جـراحي أداويـهــا
و أوْغـلْـتُ في عـمْـري ألــمْـلـم أضلـُعــي — وألـقِي عـتـيـقَ الروح في الراح أجْــريهـا
* — فـإني لهـيـب العــشـق للـنّـُـور شاربٌ
و إني جـنانَ الأرض بالشُّـهْـب أرمـيهـا — و هذي يدي بالعـطـر أرشـف حـرَّهـــا
ورجّات آهـاتي على الصدر ألـقـيهـــــــا — عـسى المجـدُ إذ كـنّـا سَـراة دُهــاتـه
يُـتـعـْـتِـع رنّـاتي من العـُـود يُحْـيـيـهـا — *
فما زلـت مدهـوشا و قـد سـرقـوا دمي — و كَـم من دمي أشلاءَهم كـنتُ أسْـقـيهـا
و ما زال رفــرافـا فـؤادي يَـهـزّنـي — إلى رعـشة الأوجاع بالجـمْـر يَـرْويـهـا
* — ألا إنَّـني المصلـوبُ أرعـبْـتُ قاتـلي
وأعـلـنْـتُ أفراحي بشـنْـقي أزَهِّــيهــا — وصالـت دمائي في شـظـايـا وجائـعـي
فضجّـتْ معي الدنـيا وهاجـت مـآقــيهـا — نوافـيـرُ أحلامي يـُـذرّي رذاذُهـا
تـُهـدْهِـد في صمت براكـيـنَ عاديهـا — سَعـارى عـلى فـجْـري تـجَـارتْ حُـفاتـُـهم
ودوّوا بأذْن الصمت غِــربانا معـاتـيهـا — وصـبّـُـوا على رُوحي رواكـدَ غـلِّــهم
فما عِـفْـت أنـفاسي و جـنّحْـتُ أرْقــيها — *
أنا رحـلة ُ التـاريخ من جَـلَـل السّـنى — بـروحي إذا رُمْـت الأقـاصي أدانـيها
إذا اهـتـز ثـلجُ الارض هاجـت ملاهـِـبي — وعَـجّـتْ مع النـيـران غـمْـرًا يُحَـمّـيها
* * — أنا العـربيُّ المنتـشي من هـوى الورى
ركبتُ أحاديث الزمان أناجـيها — وصوّبت من قـوسي نبالا لحاضـري
وعدّلتُ أوتاري لُـحونا أسوّيهـــا — و صوّرتُ من وجـدي فـنونا أزفّـهـــا..
عرائـسُ نفسي في العـراق أجـلّـيهـا — فحـنـّت و مالـت للرشـيد مـنــارة
وعاجـت على المنصور تاجًـا يـزهّـيها — و كانت مع المهـديِّ تـرْشـُـف نَـوْرَهـا
فـيهْـمِي على الموتى رذاذا فيُحـْيـيهـا — وأصغـيتُ في صمتٍ لِـمأمونِ حـكـمـةٍ
يـسبّح من أفـضاله الخَـلْـقُ تـنْـويها — و عُـجْـتُ على دار السلام أضمّـُـهـا
و كانت مدى الأزمان رجْـمًا لـِشانِـيها — *
فـنحن زرعـنا الفـجـرَ في غــيهـب الدّجى — ومِـلْــنا لِـعـيْـن الليل بالنّـُور نُـعْــشـيها
وكـم قـد لهَـمْـناالجـوعَ ..لـمْ نـشْـتـكِ الطـوَى: — نجـوع.. ولا رُوحٌ يَـدُ الموت تـُطـفـيها
ونحن أمَـرْنا الموتَ ألا يَـضِـيـرنــا — وهِـجْـنـا بأطـفال إلى الـنار نُـؤذيها
فـما في شعــوب العـُـرْب بـطنُ يُــذِلّـُـنـا — و إلا بَـقـَـرْنـاه و جُــلْــنا بـه تـِيهــا
تبـيـت نجـومُ الليل تـرقي نـفوسـنـا — وتـَـرْشـقُ أهـلَ البغْـي بالغـيْـظ تـَنْـكـيها
جِـنان الأعـالي من جَـنـيـن جـنـونِــنـا — جـنَـيْــنا مَجـانـيها فأجْـنـتْ مغانـيها
* — خلايا دمي يا أهــل عــشـقي خـفـيـقـة..
شـرايـيـنُ روحي من هواكم أروّيهــا — فأنتمْ عـطور الوجـد يا نُـدْرة المُـنى
عـتُــوٌّ و إقلاعٌ فسـبـحانَ مُـرسـيهـا — بكُمْ حادثـاتُ الدهـر تـنحـَـت مجـدَهـا
بكُـمْ صرخة الأنـفاس تحـكي معانـيها — بكُم يا ظـِـلال الرُّوح من لـفْـح عـشقـنا
عطـفـْـنا عواتي النّـفـس هُـوجًا نُجـاريها — بكُـم قـد سـبَـقْــنا الضوءَ نجْـني إبـاءنـا
وطــئْـنـا سماواتٍ و قـُـلـنا لها: إيهـا — بكُـم ضجّـتِ الدنـيا تـوقـِّع عـهدَهـــا
هـياكـلُ أوْهــام من المـوت نـنجـيها — *
أنخـْـنا العـواتي من عَــوالي السحائــب — و بالشمس آذنّــا الشّـهاب ليغْــريهـا
غِـمارٌ من العُجْـبَى ركـِـبْــنا عُـبابَـها — ورُمْـنا من الأهـوال أعْــتى دواهِـيها
فـلـسنـا نـحـبّ السهـلَ من صوْلـة الـرّدى — نـؤُمّ فلاواتٍ فـيحْـلـُو السُّـُـرى فيها
مـددْنا ذراع الحُـبِّ نحـضـُـن أمّـة — ونـقـطـف مِلْء الكـفِّ بالعـزّ نَجْـزيها
* — يطال سـواد الظـلم حـرف مدارسـي
و لوحي و أوراقي و رسمي يحلّيها — وحتى شـياهي وهْي في المَرْج تـَـمْـتـري
\" تَحَضُّــرُ\" مَصّاص الدماءِ يُمَحِّــيها — و مرْضاي في المستـشفـيات أنـيـنُهـــم
شهـيد على الهُمّاج للوحـش يُــدْنِـيهـا — *
و طفلي .. وجـيع ُ الآهِ و الثـدْيُ فــارغ — و أمُّــُه في صـمتٍ تـنـامَـتْ مـآذيـهـا
وهذاأبي ..فـــوق الســـريـر مــمـــدّدٌ.. — و تـلـك قـواريـرُ الـدّوَا...لا دَوَا فـيها
* — ولكنْ ...عـنـيـد العـمْر صان سفـائـني
وألـقَـى عـلى الشـطْــآن مِـرساة حامـيها — فـنحـن ائْــتِـلاقُ الشّـمس قـُـدْنا اتّــزانــه
و مِن وحْـيـنا الأكـوانُ قــُــدّت سـواريها — شطـبْـنا من القاموس لـفـظ \"استحالـــةٍ\"
و مِـلْـنا لِـمَجـنون المسافات نـَطْـويها — نجـوع.. فيـذوي الجسمُ من ِرعـدة الأذى
فإنْ وهـِموا مُـتـْـنا..أذبْــنا اللّـظى فـيها — نـنام ... و ما في الجـوف غـيـرُ فـُـتـاتـَـةٍ
تَــعُــوضُ عن الدنيـا و كلِّ الـذي فـيـهـا — و لـكـنْ نعـُـبّ العـِلـــمَ أصْـفـى عـيـونِـه
ونصحـو عـطـاشَى نرتـوي من سواقـيها — جسورٌ أبـيّــاتٌ رهـيـبٌ عُـتُـوُّها
إذا انـصبّ صاروخ جـرى المجـدُ يُعْــليها — بـنـيْـنا بـرغـم الحـظـر أعـجـبَ حـقـبة
وقـلنا لعـزرائيـلَ :إيّـاك تُــْرديـهـا! — *
* — وبعـْـدُ... أحبـائـي... جنونـي بـلا مدًى
يـظَــلّ إذا عـَـنــّى الجوانـح يـُشْـجـيهـا — وأنـتـم جـنـوني .... في الخـبايا ملازمي.
سأمْـضي...وروحي جِـنّـُـكم ساكـنٌ فيها. — * *
وماتت زهـور الحُـلـْم من ذفـَر الأذى.. — مَــنَـاتِــنُ \"أهْـليـنا \".. تـُرى.. مَـن يُـذَكّـيها؟
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الياء — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- بالشهب: شهب: الشَّهَبُ والشُّهْبةُ: لَونُ بَياضٍ، يَصْدَعُه سَوادٌ فِي خِلالِه؛ وأَنشد: وعَلا المَفارِقَ رَبْعُ شَيْبٍ أَشْهَبِ والعَنْبَرُ الجَيِّدُ لَوْنُه أَشْهَبُ؛ وَقِيلَ: الشُّهْبة البَياضُ الَّذِي غَلَبَ عَلَى السَّوادِ. …
- بالعطر: عطر: العِطْرُ: اسْمٌ جَامِعٌ للطِّيب، وَالْجَمْعُ عُطورٌ. وَالْعَطَّارُ: بائعُه، وحِرْفَتُه العِطَارةُ. وَرَجُلٌ عاطرٌ وعَطِرٌ ومِعْطِير ومِعْطارٌ وامرأَة عَطِرةٌ ومِعْطيرٌ ومُعَطَّرة: يَتَعَهَّدَانِ أَنفُسهما بِالطِّيبِ …
- جراحي: الجرَاحِيُّ : المتعلِّق بالجراحة حقيقةً أو مجَازا؛ لا يصْلُحُ هذا الأمر إلا بتوخّي الطريقة الجراحيّة-: من يتعاطى مهنة الجراحة؛ يجبُ أن يكون للجِراحيِّ عَينُ النسر وقلب الأسد ويد المرأة.