بنور تجلى وجه قدسك دهشتي
الشاعر: الغزالي · البحر: الطويل
«بنور تجلى وجه قدسك دهشتي» من شعر الغزالي، من العصر المملوكي، وتقع في 216 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف التاء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
بــنــور تــجــلى وجــه قــدســك دهــشـتـي — وفــيــك عــلى أن لا خـفـا بـك حـيـرتـي
فــيــا أقــرب الأشـيـاء مـن كـل نـظـرة — لأبـــعـــد شــيــء أنــت عــن كــل رؤيــة
ظـــهـــرت فــلمــا أن بــهــرت تــجــليــا — بــطــنــت بــطـونـاً كـاد يـقـضـي بـردتـي
فـأوقـعـت بـيـن العـقـل والحـس عـنـدما — خــفــيــت خــلافــا لا يــزول بــصــلحــه
إذا مــا أدعــى عــقــل وجـودك مـنـكـراً — عـلى الحـس مـا يـنـفـيـه قـال له أثبت
فــمــن هــا هــنـا مـنـشـأ الخـلاف ويـص — عـب الوفـاق بـخـلف في اقتضاء الجبلة
فــإنــت قـلت لم أبـصـرك فـي كـل صـورة — أراهــا أحــالت ذاك عــيــن بــصــيـرتـي
وإن قـــلت أنـــي مــبــصــر لك أنــكــرت — مــقــالي ولم تــشــهــد بــذلك مــقـلتـي
تــجــليــت مــنــي فــي حــتــى ظـهـرت لي — خـــفـــيــت خــفــاء دق عــن كــل فــكــرة
عـــلى أنـــه لم يـــبـــق لي جــبــل رأى — تــــجـــليـــك لي ألا ودك بـــصـــعـــقـــة
ونـاجـيـتـنـي فـي السـر مـنـي فـأصـبـحت — وقـــد طـــويــت عــمــا ســواك طــويــتــي
فــمــا فـي فـضـل عـنـك يـخـطـر فـيـه لي — ســواك فــوقــتــي فــيــك غــيــر مــوقــت
وديـــعـــة روح القــدس نــفــســك ردهــا — فــمــن واجــبــات العـقـل رد الوديـعـة
ومــا ردهــا إلا بــتــكــمــيـلهـا بـمـا — يــليــق بــهــا مــن كــســب كـل فـضـيـلة
فــمــهــمــا تــجــلت مــن كـدورات عـالم — الطــبــيــعــة شــفــت جــوهــراً وتــجــلت
نــصــحــتـك جـهـدي أن قـبـلت فـلا تـكـن — عــلى حــكــم غــشــى حــامــلاً لنـصـيـحـة
وعـــابـــة مـــقـــدوري فــقــلت وإنــمــا — قــبــولك مـمـا ليـس فـي وسـعـد قـدرتـي
وهــل مــمـكـن إسـعـاد مـن كـل قـد جـرى — له قــلم فــي اللوح يــومــاً بــشــقــوة
يــظــن الفــتــى لذات دنــيــاه نــعـمـة — ومــا هــي إلا نــقــمـة فـي الحـقـيـقـة
ويــبــلغ مـنـه الجـهـل مـا ليـس يـبـلغ — العــدو بـحـد السـيـف عـنـد الحـضـيـضـة
ونــفــسـك فـاحـفـظـهـا وصـنـهـا فـإنـمـا — ســعــادتــهــا فــي فــعــل كــل مــشــقــة
وخــالف هــواهــا مــا اسـتـطـعـت فـأنـه — عــدو لهــا يــبــغــي لهــا كــل نــكـبـة
لعــمــري لقــد أنــذرت إنــذار مــشـفـق — وجــاوزت فــي الإيــضــاح حــد الوصـيـة
فـقـم واسع وانهض واجتهد وابغ مطلقاً — بــداك عــلى مــا فــيــك شــر صــنــيـعـة
فــإنــك مــن نــور مــضــيــء وكــظــلمــة — بــمــا فــيـك مـن جـسـم ونـفـس نـفـيـسـة
تــســوس الحـيـاة الجـسـم وهـي مـسـوسـة — بــمــا فــيــك مـن أسـرار عـلم مـصـونـة
فــشــيــطــان رجــم أنــت أو مــلك بـمـا — تــعــانــيــه مــن فــعــل قــبـيـح وعـفـة
ألا أن لي بــالنــفــس مــنــي شــاغــلاً — بـــه تـــم لي مــا دمــع مــن مــلكــيــة
جــلت شــبــهــة الأعـراض عـنـي بـديـهـة — تــوقــد كــالمــصــبــاح فــي جـوهـريـتـي
رأيــت بــهــا النــور الإلهــي لائحــاً — وراء ســــتــــور للأمــــور دقــــيـــقـــة
فــحــقـقـت مـا قـد كـنـت فـيـه مـشـكـكـاً — وعــايـنـت مـا قـد كـان فـي سـر خـفـيـة
وأدركـت مـا المـقـصـود مـن بدأتي وما — المــراد بــإحــيـائي ومـوتـي ورجـعـتـي
بـــمـــرآة نـــفـــس لاح فــي صــقــالهــا — المــقــابــل للكــونــيــن كــل حـقـيـقـة
ولم يـبـق عـنـدي ريبة في الذي استرا — ب مـــنـــه أنــاس فــي أمــور كــثــيــرة
فـألقـت عـصـاهـا النـفـس مـنـي وأيـقنت — بــأن ســفــرت عـن وجـه نـجـعـي سـفـرتـي
يــدل عــلى مــا قــلتــه حــالة الكــرى — إذا ركـــد الإحـــســاس مــنــك بــرقــدةٍ
فــمــا شــفــيــت نــفـس أطـاعـتـه رهـبـة — ومــا ســعــدت نــفــس عــصــتــه لرغــبــة
ولكـــن بـــنـــور العـــلم تــســلم هــذه — وتــعــطــب جــهــلاً تــيـك أقـبـح عـطـبـه
فــيــا عــجــبــاً مــمــن يــروم لنــفـسـه — خــلاصــاً ولم يــرغـب بـهـا عـن جـريـرة
ومــــن تــــائب مــــن ذلة لا تــــرى له — دمــوع كــأفــواه الغــمــام المــكــبــة
ومــن مــخــبــر لا يــعــجـز اللَه قـدره — عــليــه ولا يــخــشــى بــوادر نــقــمــة
ومـــن أشـــرقــت أنــوار مــرآة عــقــله — عــلى ظــلمــات الطــبــع مــنــه تــجــلت
وثـبـت غـرس العـقـل فـي القـلب مـثمراً — لبـاغـي الحـيـا اسـتـقـبـاح كـل رذيـلة
ومــا وصــلت نــفــس إلى عــالم الصـفـا — بــمــا دون تــحـصـيـل العـلوم الجـليـة
وتــمــيــيــزهــا عــن نـوعـهـا بـمـعـارف — يـــروجـــهـــا فـــي عـــالم البـــشــريــة
وقـــد يـــمـــلأ الأنـــاء فـــيـــمــتــلئ — بــه المــاء حــتــى لا مــزيــد لقـطـرة
فــأخــرجــتــنــي عــنـي بـإدخـال مـحـنـة — وأوحــشــتــنــي مــنــي بــأنــس مــحــبــة
وأســقــيــتــنــي مــن خـمـر حـبـك شـربـة — خــمــاري بـهـا بـاق إلى يـوم بـعـثـتـي
مــحـانـي بـهـا سـكـري واثـبـتـنـي مـعـاً — فــأعــجــب شــيــء أن مــا حــي مـثـبـتـي
وأقــربــتــنــي مـن رمـز طـرسـي أسـطـراً — فــتــمـت بـهـا تـفـصـيـل عـقـدك جـمـلتـي
وأقـــررتـــنـــي مـــنــي عــلى بــأنــنــي — صــحــيــفــة ســر طــيــهـا فـيـه نـشـرتـي
وأفــشــيــت بــي ســري إلي فــأصــبــحــت — وقـد أعـربـت إذ أفـصـحـت عـنـه عـجـمتي
وأفــهــمـتـنـي مـنـي بـأن ليـس مـوطـنـي — مــكــانـاً بـه فـي عـالم الحـس نـشـأتـي
فــأبــهــت مــا أفــهـمـت إذ ليـس مـدرك — لذلك إلا مـــن خـــصـــصـــت بـــحـــكــمــة
ومــن ذا الذي خــصــصــت مـنـك بـحـكـمـة — ولم تــك قــد عــمــمــت مــنــك بــرحـمـة
فــكـم أظـهـرت تـلك الإشـارات خـافـيـا — وإن عـــزبـــت عـــن فـــهــم قــومٍ ودقــت
ومــا لاح ذاك البــرق إلا ليــهــتــدي — بــه الركـب لكـن ظـلمـة الجـهـل أعـمـت
لقــد ســمــع الواعــي وقــل الذي وعــى — لســـكـــرٍ بــه أهــوى أصــمــت فــأصــمــت
وكـــم لك داع مـــنـــك فـــيــك مــبــصــر — لعـــقـــلك لكــن لســت تــصــغــي لدعــوة
وكــل مــريــض الجــســم يــمــكــن بــرؤه — ويــعــجــز أن يـشـفـى مـريـض البـديـهـة
ويــســتــبــعـد الجـهـال كـونـاً بـمـوطـن — إذ كــان لا فــي جــنــب مـنـبـت شـعـبـة
ولو عــلمـوا مـا عـالم العـقـل مـنـهـم — وأنـــهـــم بـــالحـــس فـــي دار غـــربــة
إذا ولد المـــولود ســـروا بـــفـــرحــة — ومــن حــقــه أن يــبــدلوهــا بــتــرحــة
ويــبــكــونــه عــنــد المــمــات جـهـالة — ومـــن حـــقـــه أطـــهـــار كـــل مـــســـرة
ولم يـــعـــلمـــوا أن الولادة غـــربــة — أبـــيـــحــت له عــن خــيــر دار وأســرة
ومــــوتـــتـــه عـــود له نـــحـــو أهـــله — وأوطـــانـــه الأصـــليـــة المــســتــلذة
وأعــجــم مــن هــذا مــقــال جــمـيـعـهـم — تــرى عــابــدي الأوثــان أجــهــل أمــة
ومــا عـظـم الأوثـان مـن كـان قـلبـهـم — كــتــعــظــيــم أجــســام لهــم مـضـمـحـلة
فـكـل غـدا مـعـبـوده الجـسـم فـاسـتووا — ولكــنــهــم لم يــســتــووا عــنــد نـيـة
لقــد وقــعــوا مـع عـلمـهـم فـي ظـلالة — إذا اعــتــبــرت أربــت عــلى كــل ضــلة
فـيـا ليـت شـعـري كـيـف صـمـت عـقـولهـم — وداعـيـك فـيـهـم مـسمع من كل كل فطنة
وكـــل فـــعـــال لم أكـــن مـــتـــقــربــاً — إلي بـــه أعـــظــمــت فــيــه خــطــيــتــي
فــقــربــي بــه بــعــد وربــحــي خـسـارة — وعــــزي بــــه ذل ونــــفـــعـــي مـــضـــري
لأنـــي فـــيـــه قـــمـــت غـــيــر مــوجــه — لدى فــعــله وجــهــي إلى وجـه وجـهـتـي
فــدنــت بــأمــر حــرمــتــه شــريــعــتــي — وأحــيـيـت حـكـمـاً قـد أمـاتـتـه سـنـتـي
فـكـانـت بـتـركـي فـي مـنـاهـيـه غـفلتي — نــهــايــة تــأديــبــي وفــرط عـقـوبـتـي
تــشــتــت عــقــلي فــيــك بــعــد تــجـمـع — كــمــا اجــتــمـعـت بـلواي بـعـد تـشـتـت
هــوىً فـيـك لي لا مـنـتـهـى لامـتـداده — لدي ولا مــــــنــــــه خــــــلاص بــــــلوة
أزيــد بــلىً إذ يــســتــجــد ولم يــكــن — بــتــجـديـد صـبـري فـيـه أبـىل بـليـتـي
ويــــــبــــــدي أولا مــــــنـــــه وآخـــــر — فــقــد شــف جــســمــي ســر عــودٍ وبــدأةٍ
ألا لا تــلمــنــي أن شــطــحــت فــإنــه — قــليــل لســكــر حـل بـي مـنـك شـطـحـتـي
ولا تـنـهـنـي أن تـهـت سـكـراً مـعـربداً — فـأنـت الذي اسـتـحـسـنـت فـيـك هـنيكتي
ولا تــلحــأن غــنــيــت فــيــك تــطـربـاً — فـــلو وجـــدت وجــدي الجــبــال لغــنــت
ومــن عــجــب حــمــل الجــبــال هـوى بـه — طــلعــت وعــن حــمــلي قــديــمــاً تـأبـت
فـمـن قـيـس ليـلى العـامرية في الهوى — ومــن قــيــس لبــنــى أو كــثــيــر عــزة
إذا تــــليــــت ذكــــري فــــقـــابـــل ال — مــجــنــون ذكــري بــالســجـود لحـرمـتـي
وأوجــب كــل مــنــهــم الوقــف عــنـدمـا — وســـلم أن لا قـــصـــة مـــثــل قــصــتــي
فـمـن فـضـل كـاسـي شـرب غـيري ولم يكن — يــقــاس بــســكــري سـكـر شـارب فـضـلتـي
يـــبـــلبــل بــالي لا لنــوح حــمــامــة — ويــنــهــل دمــعــي لا لإيــمــاض بـرقـة
لو كــنــت مــحــتــاجـاً للتـنـمـم بـاعـث — يــحــرك أشــجــانــي لبــانـت نـقـيـصـتـي
ولكــــنــــنـــي مـــنـــي وفـــي نـــواعـــش — تـــحـــركـــنـــي فـــي كـــل ســرٍ وجــهــرة
فـــلا رقـــدة تـــغـــدو عــلي بــفــتــرةٍ — ولا يـــقـــظــة تــغــدو عــلي بــغــفــلة
فــمــن يــشـك يـومـاً فـي هـواه فـإنـنـي — لي الشـكـر أولى فـي الهـوى من شكيتي
تــســتــرت جــهــدي فــي هـواك وطـاقـتـي — فـلمـا مـنـعـت الصـبـر أبـديـت صـفـحـتي
فــأعــلنـت مـا أسـررت فـيـك فـلم يـكـن — بــقــول ولا فــعــل ســواك فــضــيــحـتـي
فـمـا لاشـتـيـاقـي فـي افـتـضـاحي مدخل — ولا لدمـــوع فـــيـــك لي مـــســـتـــهــلة
وقد كان لي في الصبر ستر على الهوى — بـهـتـكـك سـتـر الصـبـر أظـهـرت عـورتـي
فــلا تـذهـب فـي الحـب يـشـبـه مـذهـبـي — ولا مـــلة فـــيـــه تـــقـــاس بـــمــلتــي
بــكــل لســانــي عــن صــفــاتــي وإنـمـا — يـــعـــبـــر عـــنـــي أنـــنــي ذات وحــدة
فـــكـــل نـــعـــيـــم دون وصـــلي شــقــوة — وكــــل مــــلذ مــــؤلم عــــنــــد لذتــــي
وكــل ســبــيــل ليــس يــفــضــي ســلوكــه — إلي فـــقـــد أفــضــى إلى كــل خــيــبــة
ولالا هــوىً لي فــيــك يــحـمـلنـي عـلى — حـــنـــوي لم أعـــهـــد إليــك بــلفــظــة
وكــنــت إذا زلت بــك النــعــل هـاويـاً — أقــول ألا فــاذهــب إلى حــيــث ألقــت
ولكــن مــا يــنــجــيــك يـنـجـي هـويـتـي — كــمــا أن مــا يــؤذيــك نــفــس أذيـتـي
وهـــل أنـــا إلا أنـــت ذاتـــاً ووحــدة — وهــل أنــت إلا نــفــس عــيــن هــويـتـي
ولولا اعـتـبـار الجـسم بالنسبة التي — إليـــه له مـــا صـــح عـــنــي ســيــرتــي
ولســـت بـــذي شــكــل فــيــوجــب كــثــرة — لذاتــي ولا جــزءاً فــتــمـكـن قـسـمـتـي
ويــقــع مــا بــيــنــي وبــيــنـك نـسـبـة — يــظــن بــهــا غــيــري لمــوضــع شــبـهـة
وإنــي لم أهــبــط إلى الأرض يـبـتـغـي — بــذلك وضــعــي بــل هــبــوطـي ورفـعـتـي
وتــقــريــر هــذا أن دعــيــت خــليــفــة — ومــا كــنــت أدعــى قـبـل ذا بـخـليـفـة
وصــيــر مــلكــي عــالم الجــسـم مـحـنـة — لغــايــة تــدبــيــري ومــبــلغ حــلمـتـي
فــإن أنــا أحــسـنـت الولايـة أحـسـنـت — إلى العــالم العــلوي عــودي وعـزلتـي
وعــايــنــت مـا لا عـايـنـت مـقـلة ولا — أحـــاطـــت بــه أذن وعــت حــس ســمــعــة
وآثــــرت لذاتــــي ونــــيــــل مـــآربـــي — واتــبــعــت نــفــســي كــل شــيــءٍ أحـبـت
ســددت عــلى نــفــســي ســبــيـل تـخـلصـي — إلى المـلأ الأعـلى الذي هـو نـزهـتـي
وأوقـعـتـهـا فـي أسـر مـن لا يـرى لها — مــكـانـاً ولا يـحـنـو عـليـهـا بـعـطـفـة
فـــلا نـــدم يــجــزي ولا حــســرة يــرى — بـــهـــا فـــرج يـــرجـــى لكـــشــف لشــدة
فــيــا ويــح نــفــس آثــرت طــيــب زائل — عـــلى طـــيـــب بـــاق لا يــحــد بــمــدة
يـمـوت الفـتـى بـالجـهـل مـن قبل موته — ويـحـيـى بـروح العـلم مـن بـعـد مـيـتة
فـمـا مـات حـي العـلم يـومـاً ولم يـكن — بــحــي مــمــات الجــهــل مـقـدار لحـظـة
وانـــظـــر أحــوال الرجــال وقــوفــهــم — عـــلى بـــرزخ مــا بــيــن نــار وجــنــة
فـــأمـــا إلى آلام نـــفـــس خـــبـــيــئة — وأمـــا إلى لذات نـــفـــس نـــفـــيـــســة
فــآلام تــلك التــرك فــي دار غــربــة — ولذات هــذا العــود مــن بــعــد غـربـة
وهــل حــســرة فــي النـفـس أعـظـم غـصـة — مــن البــعــد عــن أهــل ودار وجــيــرة
كـــمـــا أنـــه لا شـــيـــء أعـــظــم لذة — لذي غــربــة مــن مــلتـقـى بـعـد فـرقـة
كـــأنـــي لم أحــجــب بــهــا وكــأنــمــا — هـي احـتـجـبت بي فازدهى الناس عشقتي
وغـودرت لا يـثـنـي عـلى حـسن فعلي ال — جــمــيـل ولا يـلوي عـلى حـسـن طـلعـتـي
ولو قـايـسـوا بـالحـسـن بـيـني وبينها — لكــانــت لديــهــم لا تــســام بــحــبــة
وشــق القــلب الجــاهــلات التــي بـهـا — مــحــبــتــهــا قـالت بـهـم عـن مـحـبـتـي
ومــا ذاك شــيـء يـسـقـط العـذر لامـرئ — أطــاع الهــوى وانـقـاد عـبـداً لشـهـوةٍ
وهـــل نـــافـــع شـــق الفــؤاد نــدامــة — لذي قـــــدمٍ زلت ولم تـــــتـــــشـــــبــــت
فــكــيــف يــليــق الوصــل مـنـي لمـؤثـر — عــلى طــيـب وصـل وصـل مـن هـي عـبـدتـي
إذا رضــيــت عــنــه يــهــون عــليـه فـي — رضــاهــا وأدنــى ذاك تــســهــيــل غـصـة
عـــلى أنـــهــا أعــدى عــداه تــرتــبــت — له حــيــلة مــنــهــا لا مــكــان فـرصـة
فــهــام بــهــا عــشــقــاً وآثــر وصـلهـا — فـــزل فـــنـــادمـــتــه إلى ألف لعــنــة
ولولا الشـقـا والجـهـل ما آثر العدى — رضــاهــا وجــانــب طــيـب وصـل الأحـبـة
وهــل أمــنــي بــالفـضـل مـثـلي وإنـمـا — بــمــثــل طــبـاع السـوء نـحـو الدنـيـة
وتـأبـى الطـبـاع الفـاضـلات ارتكابها — الأمــور التــي تـفـضـي إلى حـط رتـبـة
فــكــم حــســرات فــي نــفــوس يـثـيـرهـا — بــعــادي إذا مـا العـيـس للبـيـن ذمـت
وكـــم عـــبــرة تــجــري عــلي تــأســفــاً — وقــد فــات مــا لا يــســتــرد بــعـبـرة
وكــــم قـــارع ســـنـــاً عـــلي نـــدامـــة — وآخـــر مـــكـــوي بـــنـــيـــران حـــســـرة
وكــــم أنــــةٍ تــــغــــدو عــــلي ورنــــة — بـروح إذا مـا اسـتـشـعـر القوم فرقتي
وهــل هــاجــري وجــداً بــغــيــري بــالغ — رضـــــاي لصـــــب طــــالب دار هــــجــــرة
لشــتــان مــن بـيـن المـقـامـيـن إنـمـا — المــبــرز مــن لاهــمــه غــيـر عـشـرتـي
ألم تــر أنــي مــنـتـهـي قـصـد مـبـدعـي — ولم تــبــدع الأشــيــاء إلا لخــدمـتـي
وإن لإكــرامــي وتــعــظــيــم حــرمــتــي — أشــار إلى الأمــلاك نــحــوي بــسـجـدة
وصـــيـــر مــا فــي عــالم الكــون كــله — بـــحـــكــم إراداتــي وطــوع مــشــيــتــي
فــإن كــنـت فـي وصـل دعـيـت فـلا تـمـل — إلى وصـل غـيـري واغـتـنـم وصـل صـحبتي
وخــذ جــانــبــاً مــن رفـقـة بـك وكـلوا — بــبــعــدك عــن وصـلي وإثـبـات جـفـوتـي
فـعـنـد ارتـفـاع الحـجب ما بيننا ترى — مــحــاســن وجــه الغــانـيـات وبـهـجـتـي
ولا عــجــنــت إلا بــحــبــك طــيــنــتــي — ولا لهـــجـــت إلا بـــكـــذرك لهــجــتــي
وردت ورود الهــيــم فــيــك مـن الهـوى — شـــريـــعـــة حـــب هـــيـــجــت لي غــلتــي
ولا عــــجــــب إن هــــيــــجـــت لي غـــلة — فـــمـــا تـــمـــلك مــنــك أولا مــحــنــة
إذا كــان بــي أمــر أرى فـيـه لي أذى — رضــاك فــمــا أحــلاه فــي قــلب ذلتــي
لذاك مـــا أرضـــاك مـــنـــي فـــعـــلتــه — ولو غــضــبــت مــنــه كــرام عــشــيـرتـي
ومــا بــعـت فـيـك النـفـس إلا لعـل أن — أفــوز بــوصــلٍ مــنــك تــربــح صـفـقـتـي
فـإن أنـت أمـضـيـت التـبـايـع بـيـنـنـا — فــبــعـت وإن لم تـمـض أكـسـدت سـلعـتـي
ومــا قــدر نــفــس لي لديــك حــقــيــرة — فـــأجـــعـــلهـــا مــهــراً لأشــرف وصــلة
ولكـــن مـــقـــل بـــادل فـــيـــك جــهــده — أحـــق بـــوصـــل مـــن أخـــي كـــل ثــروة
تــوحــشـت مـن أبـنـاء نـوعـي ولم يـكـن — لشــيــء ســوى أنــســي بـقـربـك وحـشـتـي
تـــغـــربــت عــن أهــلي إليــك وإنــنــي — ليــعــذب لي فــي طــيـب أنـسـك غـربـتـي
فــكــم خــلوة قــد فـزت فـيـهـا بـجـلوة — خــرجــت بــهــا عــنــي إليــك بــفــرحــة
وطــلقــت فــيــهــا عــالم الحــس بــتــة — لتـــعـــلم أنـــي لا أقـــول بـــرجـــعــة
وفــارقــت أوطــانــي وأهــل وجــيــرتــي — لتــعــلم أنــي بــاذل فــيــك مــهــجـتـي
ولولا دخــولي فــي رضـاك بـكـل مـا أس — تــطــعــت لعــزت فــيــك عــنــي خــرجـتـي
وكـــان بـــودي لو قـــبـــلت تـــقـــربــي — إليـــك ولكـــن لســـت أهـــلاً لقـــربـــة
وهـــل أنـــا ألا نــطــفــة مــن ســلالة — لطــيــن ومــا مــقــدار قــيــمـة نـطـفـة
لعــمــري لقــد حــاولت أمــراً مــرامــه — عـــزيـــز ولكــن أنــت أهــل العــطــيــة
وليـس اعـتـرافـي بـاتـضـاعـي بـمـانـعـي — ســؤالك أمــراً دونــه قــدر قــيــمــتــي
وليـــس عـــلى قـــدر ســـؤال فـــإنـــنــي — أرى أن قــــــدري دون مـــــقـــــدار ذرة
ولكــن عــلى مــقــدار إحــســانــك الذي — عــمــمـت بـه تـخـصـيـص كـونـي بـخـلقـتـي
ولا أنــا مــمــا يـخـجـل الطـرد وجـهـه — فـــيـــأنــف مــن عــود مــخــافــة طــردة
عــــلى كـــل ليـــس لي عـــنـــك مـــذهـــب — فــيــصــرفـنـي عـن جـعـل بـابـك قـبـلتـي
فـمـا شـئت فـاصـنـع وارض عـنـي فـإنـني — أرى كــل صــنــع مــنــك إســبـاغ نـعـمـة
كــــفــــانــــي اعــــتــــرافــــي تـــوبـــة — وحــســبــي رضــاً عــلى قــبـولك تـوبـتـي
وهــل أنــا إلا دوحــة قــد غــرســتـهـا — فــإن لم يــصــبــهــا وابــل مـنـك جـفـت
إذا حــصــلت لي كــيـف مـا كـان نـسـبـة — إليــك فــلا أخــشـى ضـيـاعـاً لنـسـبـتـي
فـيـا حـيـرتـي كـم حـيـرة فـيـك لي غدت — مــخــصــصــة بــي مــا بــه مــنــك عــمــت
وكــم نــعــمــة أسـبـغـت مـن سـر حـكـمـة — أنــرت بــهــا مــن نــاطــق كـل ظـلمـتـي
وأحــبــبــت مـنـي مـا أمـاتـت جـهـالتـي — حـــــيـــــاةً مــــحــــال بــــمــــوتــــتــــي
ومـن حـيـيـت مـن مـوتـة الجـهـل نـفـسـه — بــعــلم نــجــت مــن قــطــع كــل مــنـيـة
وكــم مــرجــة مــن بـحـر عـلم أثـرتـهـا — لدي بــريــح مــنــك أجــرت ســفــيــنـتـي
فــمــرت تــشــق الكــون حــيــن مـهـبـهـا — مـــلحـــحـــة حـــتــى أفــادت مــعــيــتــي
وأدركـــت مـــعــنــى آخــراً دق فــهــمــه — أريـــد بـــوضـــع الصـــورة الألفـــيـــة
ومــن لم يــحـط عـلمـاً بـمـعـنـى وصـورة — له فــبـصـيـر العـيـن أعـمـى البـصـيـرة
فـــزرع ولكـــن لم يــفــد حــصــد حــبــه — ومــخــض ولكــن لم يــفــد مــخــض زبــدة
إذا جــهــل الإنــســان تــحـقـيـق أمـره — فــكــيـف بـتـحـقـيـق الأمـور الغـريـبـة
فــيــا عــجــبــاً للمــرء يـجـهـل نـفـسـه — ويـطـمـع فـي فـهـم المـعـانـي البـعيدة
ومــا نــاهــض بــالنــفـس يـزداد رتـبـة — مــن العــلم تــســمــيــهـا كـوان مـقـوت
ومــا مــوقــظ مـن رقـدة الجـهـل عـقـله — لتــحــصــيــله تــكــمــيـلهـا مـثـل مـيـت
إذا كـمـلت نـفـس الفـتـى بـصـفـاتـه ال — جـــمـــيـــلة مـــن قــول وفــعــل تــرقــت
وأصــبــح يــدعـي عـالم العـقـل عـالمـاً — لهـــا وتـــخـــطـــت نــفــســه كــل خــطــة
وبـالعـلم بـالنـفـس النـفيسة يدرك ال — مــــحـــصـــل فـــهـــم العـــلة الأوليـــة
ومــن لم يــحــط عــلمــاً بــذاك فــإنــه — وإن كــان حــيــا حــكــمــه حــكــم مـيـت
ومـا الحـي عـن العـقـل مـن كان غالباً — عــلى نــفــســه حـكـم القـوى البـدنـيـة
ولكــــنـــه مـــن شـــرفـــت قـــدره عـــلى — بـــنـــي نــوعــه أوصــاف نــفــس زكــيــة
فــفــي العــالم العــلوي ذا مــلك وذا — لدى العــالم الســفــلي شــيـطـان جـنـة
ومـا اخـتـلفـا بـالنـوع حـتـى يـظـن ما — بــه اخــتــلفـا فـعـلاً لخـلق الغـريـزة
وكـــــــل أبـــــــوه آدم ويــــــخــــــص ذا — لذا خــص ذا مــن ســر مــعـنـى النـبـوة
ومــن أعــجــب الأشــيـاء فـرعـاً أرومـة — ومــا اتــحـدا بـالطـبـع فـي الثـمـريـة
بــأي لســان أوثــر الشــكــر مــثــنـيـاً — عــليــك بــمــا أوليــتــنــي مــن فـضـلة
وأكــمــلت مــن عـقـلي ووصـفـي وصـورتـي — وفــهــمــي وأحــشــائي وحــولي وقــوتــي
وصــفــحــك عــنــي أن عــصــيــت تــكـرمـاً — ووعــدك لي عــن طــاعــتــي بـالمـثـوبـة
وهـــل مـــمــكــن إحــصــاء ذرات كــلمــا — عــلى الأرض مـن كـثـبـان رمـل مـهـيـلة
وأحـصـاء مـا فـي البـحـر مـن كـل قطرة — بـحـيـث يـحـيـط المـحـصـي مـنـهـا بـعـدة
وذلك أمـــر مـــســتــحــيــل وكــلمــا اس — تـــحـــال فــمــنــفــي لحــكــم الضــرورة
ومــا كــل هــذا لو أتــيــت بــضــعــفــه — مــن الشــكــر أدنــى شـكـر أصـغـر حـبـة
فـــكـــيــف بــشــكــري كــل عــضــو وقــوة — جــعـلت لنـفـعـي عـنـد تـأليـف بـنـيـتـي
وشــكــر التــي قــد حـجـبـت بـي وأنـهـا — لأظـــهـــر لي مــن نــور شــمــس تــبــدت
بـــعـــيــدة أطــلال الديــار قــريــبــة — وأعـــجـــب شــيــء بــعــد دار قــريــبــة
بـهـا مـثـل مـا بـي مـن هـواها وعندها — مــــن الود مــــا ليــــس دون مـــودتـــي
وقـــد أدركـــتــهــا رقــة لي أطــمــعــت — بــنـيـل المـنـى لولا مـخـافـة وفـقـتـي
وقـــلت لهـــا مـــنـــي عـــلي بـــنــظــرة — أنــا بــهــا مــن حـسـن وجـهـك مـنـيـتـي
ألم تـعـلمـي مـا حـل بـي مـنـك من جوى — وكـــابـــدت مــن أشــجــان قــلب ولوعــة
فـــإن الجـــبـــال الشـــم وهــي رواســخ — لو احــتــمــلت بــعــض الذي بــي لدكــت
فــأحــزان قــلبــي لا تــجــود بــســلوة
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف التاء — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- اقتضاء: [ق ض ي]. (مصدر اِقْتَضَى). "عِنْدَ الاقْتِضاءِ سَنُدْلِي بِشَهادَتِنَا" : عِنْدَ الضَّرورَةِ.
- الخلاف: الخِلاف : مصـ. -: المضادَّة؛ بينهما خلاف. -: الخَلْفُ فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللَّهِ / جاء خِلافَ أخيه أي بَعْدَه / وَإِذاً لاَ يَلْبَثُونَ خِلاَفَكَ إِلاَّ قَلِيلاً. -: الصّفصافُ.
- الوفاق: [و ف ق]. "كَانَ عَلَى وِفَاقٍ مَعَهُ" : عَلَى انْسِجَامٍ، عَلَى اتِّحَادٍ وَمُلاَءمَةٍ مَعَهُ فِي الرَّأْيِ حَوْلَ مَوْضُوعٍ مَّا. "سِيَاسَةُ الوِفَاقِ" "الوِفَاقُ الدَّوْلِيُّ" "إِنْ لَمْ يَكُنْ وِفَاقٌ فَفِرَاقٌ".
- بخلف: خلف: اللَّيْثُ: الخَلْفُ ضِدُّ قُدّام. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: خَلْفٌ نَقِيضُ قُدَّام مُؤَنَّثَةٌ وَهِيَ تَكُونُ اسْمًا وظَرفاً، فَإِذَا كَانَتِ اسْمًا جَرت بِوُجُوهِ الإِعراب، وَإِذَا كَانَتْ ظَرْفًا لَمْ تَزَلْ نَصْبًا عَ …
- بصلحه: صَلَحَ: الصَّلاح: ضِدُّ الْفَسَادِ؛ صَلَح يَصْلَحُ ويَصْلُح صَلاحاً وصُلُوحاً؛ وأَنشد أَبو زَيْدٍ: فكيفَ بإِطْراقي إِذا مَا شَتَمْتَني؟ ... وَمَا بعدَ شَتْمِ الوالِدَيْنِ صُلُوحُ وَهُوَ صَالِحٌ وصَلِيحٌ، الأَخيرة عَنِ اب …
- بطونا: بَطُؤَ يَبْطُؤُ أُبْطُؤْ بُطْئَاً وبِطَاءَ : تمهل وتأخر؛ آلمته رجْله فبطُؤت مشيته.