الحَمدُ لِلَّهِ عَلى تَقديرِهِ
الشاعر: ابو العتاهية · البحر: الرجز · الغرض: قصيدة دينية
«الحَمدُ لِلَّهِ عَلى تَقديرِهِ» من شعر ابو العتاهية، من العصر العباسي، وتقع في 197 بيتًا. نُظمت على بحر الرجز، ورويّها حرف الراء، وغرضها قصيدة دينية.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
الحَــــمــــدُ لِلَّهِ عَلى تَقديرِهِ ... وَحُــــســــنِ ما صَرَفَ مِن أُمورِهِ
الحَــــمدُ لِلَّهِ بِحُسنِ صُنعِهِ ... شُكراً عَلى إِعطائِهِ وَمَنعِهِ
يَخيرُ لِلعَبدِ وَإِن لَم يَشكُرُه ... وَيَستُرُ الجَهلَ عَلى مَن يُظهِرُه
خَوَّفَ مَن يَجهَلُ مِن عِقابِهِ ... وَأَطمَعَ العامِلَ في ثَوابِهِ
وَأَنــــجَــــدَ الحُجَّةَ بِالإِرسالِ ... إِلَيهِمُ في الأَزمُنِ الخَوالي
نَستعصِمُ اللَهَ فَخَيرُ عاصِمِ ... قَد يُسعِدُ المَظلومَ ظُلمُ الظالِمِ
فَضَّلَنا بِالعَقلِ وَالتَدبيرِ ... وَعِلمِ ما يَأتي مِنَ الأُمورِ
يا خَيرَ مَن يُدعى لَدى الشَدائِدِ ... وَمَن لَهُ الشُكرُ مَعَ المَحامِدِ
أَنــــتَ إِلَهــــي وَبِكَ التَوفيقُ ... وَالوَعدُ يُبدي نورَهُ التَحقيقُ
حَسبُكَ مِمّا تَبتَغيهِ القوتُ ... ما أَكثَرَ القوتَ لِمَن يَموتُ
إِن كانَ لا يُغنيكَ ما يَكفيكا ... فَكُلُّ ما في الأَرضِ لا يُغنيكا
الفَقرُ فيما جاوَزَ الكَفافا ... مَــــن عَــــرَفَ اللَهَ رَجــــا وَخافا
إِنَّ القَليلِ بِالقَليلِ يَكثُرُ ... إِنَّ الصَفاءَ بِالقَظى لَيَكدُرُ
يا رُبَّ مَن أَسخَطَنا بِجَهدِهِ ... قَد سَرَّنا اللَهُ بَغَيرِ حَمدِهِ
مَن لَم يَصِل فَاِرضَ إِذا جَفاكَ ... لا تَقطَعَنَّ لِلهَوى أَخاكا
اللَهُ حَسبي في جَميعِ أَمري ... بِهِ غَـــــنـــــائي وَإِلَيــــهِ فَــــقــــري
لَن تُصلِحَ الناسَ وَأَنتَ فاسِدُ ... هَيهاتَ ما أَبعَدَ ما تُكابِدُ
التَركُ لِلدُنيا النَجاةُ مِنها ... لَم تَرَ أَنهى لَكَ مِنها عَنها
لِكُــــلِّ مــــا يُــــؤذي وَإِن قَــــلَّ أَلَم ... ما أَطوَلَ اللَيلَ عَلى مَن لَم يَنَم
مَن لاحَ في عارِضِهِ القَتيرُ ... فَقَد أَتاهُ بِالبَلى النَذيرُ
مَن جَعَلَ النَمّامَ عَيناً هَلَكا ... مُبلِغُكَ الشَرَّ كَباغيهِ لَكا
يُغنيكَ عَن قولِ قَبيحٍ تَركُهُ ... قَد يوهِنُ الرَأيَ الأَصيلَ شَكُّهُ
لِكُــــــلِّ قَـــــلبٍ أَمَـــــلٌ يُـــــقَـــــلِّبُه ... يَصدُقُهُ طَوراً وَطَوراً يَكذِبُه
المَــــكــــرُ وَالخِبُّ أَداةُ الغادِرِ ... وَالكَذِبُ المَحضُ سِلاحُ الفاجِرِ
لَم يَصفُ لِلمَرءِ صَديقٌ يَذُقُه ... لَيسَ صَديقُ المَرءِ مَن لا يَصدُقُه
مَـــــعـــــروفُ مَــــن مَــــنَّ بِهِ خِــــداجُ ... مــــا طــــابَ عَذبٌ شابَهَ عَجاجُ
ما عَيشُ مَن آفَتُهُ بَقاؤُهُ ... نَغَّصَ عَيشاً طَيِّباً فَناؤُهُ
إِنّا لَنَفنى نَفَساً وَطَرفا ... لَم يَــــتــــرُكِ المَوتُ لِإِلفٍ إِلفا
وَلِلكَـــــلامِ بـــــاطِـــــنٌ وَظـــــاهِــــرُ ... في ساعَةِ العَدلِ يَموتُ الجاجِرُ
عَلِمتَ يا مُجاشِعُ بنَ مَسعَدَه ... أَنَّ الشَبابَ وَالفَراغَ وَالجِدَه
مَفسَدَةٌ لِلمَرءِ أَيُّ مَفسَدَة ... يا لِلشَبابِ المَرِحِ التَصابي
رَوائِحُ الجَــــنَّةــــِ فــــي الشَبابِ ... لَيسَ عَلى ذي النُصحِ إِلّا الجَهدُ
الشَيبُ زَرعٌ حانَ مِنهُ الحَصدُ ... الغَدرُ نَحسٌ وَالوَفاءُ سَعدُ
هِيَ المَقاديرُ فَلُمني أَو فَذَر ... تَجري المَقاديرُ عَلى غَرزِ الإِبَر
إِن كُنتُ أَخطَأتُ فَما أَخطا القَدَر ... إِنَّ الفَــــســــادَ بَــــعدَهُ الصَلاحُ
يــــــا رُبَّ جِــــــدٍّ جَـــــرَّهُ المِـــــزاحُ ... ما تَطلُعُ الشَمسُ وَلا تَغيبُ
إِلّا لِأَمـــــرٍ شَـــــأنُهُ عَـــــجـــــيــــبُ ... لِكُــــلِّ شَــــيــــءٍ مَعدَنٌ وَجَوهَرُ
وَأَوسَــــــطٌ وَأَصـــــغَـــــرٌ وَأَكـــــبَـــــرُ ... وَكُــــلُّ شَيءٍ لاحِقٌ بِجَوهَرِه
أَصــــغَــــرُهُ مُــــتَّصــــِلٌ بِــــأَكبَرِه ... مَن لَكَ بِالمَحضِ وَكُلٌّ مُمتَزِج
وَساوِسٍ في الصَدرِ مِنكَ تَعتَلِج ... مَن لَكَ بَالمَحضِ وَلَيسَ مَحضُ
يَخبُثُ بَعضٌ وَيَطيبُ بَعضُ ... لِكُــــلِّ إِنــــسانٍ طَبيعَتانِ
خَـــــيـــــرٌ وَشَــــرٌّ وَهُــــمــــا ضِــــدّانِ ... إِنَّكَ لَو تَستَنشِقُ الشَحيحا
وَجَــــدتَهُ أَخبَثَ شَيءٍ ريحا ... عَجِبتُ لَمّا ضَبَّني السُكوتُ
حَتّى كَأَنّي حائِرٌ مَبهوتُ ... كَذا قَضى اللَهُ فَكَيفَ أَصنَعُ
وَالصَمتُ إِن ضاقَ الكَلامُ أَوسَعُ ... نَعوذُ بِاللَهِ مِنَ الشَيطانِ
ما أَولَعَ الشَيطانَ بِالإِنسانِ ... خَيرُ الأُمورِ خَيرُها عَواقِبا
مَن يُرِدِ اللَهُ يَجِد مَذاهِبا ... الجودُ مِمّا يُثبِتُ المَحَبَّةَ
وَالبُخلُ مِمّا يُثبِتُ المَسَبَّه ... لِكُــــلِّ شَــــيــــءٍ أَجَــــلٌ مَــــكتوبُ
وَطـــــــالِبُ الرِزقِ بِهِ مَـــــــطــــــلوبُ ... لِكُــــلِّ شَــــيــــءٍ سَبَبٌ وَعاقِبَه
وَكُـــــلُّهـــــا آتِــــيَــــةٌ وَذاهِــــبَــــة ... يا عَجَباً مِمَّنــ يُحِبُّ الدُنيا
وَلَيسَ لِلدُنيا عَلَيهِ بُقيا ... الصِــــدقُ وَالبِرُّ هُما الوِقاءُ
يَــــومَ تَقومُ الأَرضُ وَالسَماءُ ... وَكُـــــــلُّ قَـــــــرنٍ فَـــــــلَهُ زَمـــــــانُ
وَلَم يَـــــدُم مُـــــلكٌ وَلا سُــــلطــــانُ ... ما أَسرَعَ المَوتَ وَإِن طالَ العُمُر
وَرُبَّما كانَ قَليلاً فَكَثُر ... مَسَرَّةُ الدُنيا إِلى تَنغيصِ
وَرُبَّمــــا أَكَــــدَت يَــــدُ الحَــــريــــصِ ... مـــــا هِـــــيَ إِلّا دُوَلٌ بَــــعــــدَ دُوَل
تَجري بِأَسبابٍ تَأَتّى وَعِلَل ... ما قَلَبَ القَلبَ كَتَقليبِ الأَمَل
لِلقَـــــلبِ وَالآمـــــالِ حَــــلٌّ وَرَحَــــل ... وَكُــــلُّ خَــــيــــرٍ تَــــبَــــعٌ لِلعَقلِ
وَكُــــــلُّ شَــــــرٍّ تَــــــبَـــــعٌ لِلجَهـــــلِ ... لِكُــــلِّ نَــــفــــسٍ مِــــمَــــمٌ وَنَجوى
لا كَــــرَمٌ يُعرَفُ إِلّا التَقوى ... لِيَجهَدِ المَرءُ فَما يَعدو القَدَر
وَرُبَّما قادَ إِلى الحَينِ الحَذَر ... ما صاحِبُ الدُنيا بِمُستَريحٍ
وَالداءُ داءُ النَهِــــمِ الشَــــحيحِ ... لَم نَرَ شَيئاً يَعدِلُ السَلامَه
لا خَيرَ فيما يُعقِبُ النَدامَه ... بِحَسبِكَ اللَهُ فَما يَقضي يَكُن
وَما يُهَوِّنهُ مِنَ الأَمرِ يَهُن ... كَم مِن نَقِيِّ الثَوبِ ذي قَلبٍ دَنِس
فَالموحِشُ الباطِلِ وَالحَقُّ أَنِس ... تَحَرَّ فيما تَطلُبُ البَلاغا
وَاِغتَنِمِ الصِحَّةَ وَالفَراغا ... المَرءُ يَبغي كُلَّ مَن يَبغيهِ
وَكُــــلُّ ذي رِزقٍ سَيَستَوفيهِ ... في كُلِّ شَيءٍ عَجَبٌ مِنَ العَجَب
وَكُلُّ شَيءٍ فَبِوَقتٍ وَسَبَب ... الحَقُّ ما كانَ أَحَقُّ ما اِتُّبِع
وَرُبَّمــــــا لَجَّ لَجــــــوجٌ فَــــــرَجَــــــع ... الأَمرُ قَد يَحدُثُ بَعدَ الأَمرِ
كُلُّ اِمرِئٍ يَجري وَلَيسَ يَدري ... دُنيايَ يا دُنيايَ غُرّي غَيري
إِنّــــي مِــــنَ اللَهَ بِــــكُــــلِّ خَيرِ ... لِكُلِّ نَفسٍ صِبغَةٌ وَشيمَه
وَلَن تَــــــــــــرى عَـــــــــــزيـــــــــــمَه ... لا تَترُكِ المَعروفَ حَيثُ كُنتا
وَاِعزِم عَلى الخَيرِ وَإِن جَبُنتا ... الحَمدُ لِلَّهِ كَثيراً شُكرا
اللَهُ أَعــــــــلى وَأَعَـــــــزُّ أَمـــــــرا ... لا بُدَّ مِمّا لَيسَ مِنهُ بُدُّ
وَالغَيُّ لا يَنزِلُ حَيثُ الرُشدُ ... ما شاءَ رَبّي أَن يَكونَ كانا
وَالمَرءُ يُردي نَفسَهُ أَحيانا ... كُلُّ اِجتِماعٍ فَإِلى اِفتِراقِ
وَالدَهــــرُ ذو فَــــتحٍ وَذو إِغلاقِ ... كُلٌّ يُناغي نَفسَهُ بِهاجِسِ
تَـــــقَـــــلُّقٌ مِــــن عُــــلَقِ الوَســــاوِسِ ... نَــــستَوفِقُ اللَهَ لِما نُحِبُّ
ما أَقبَحَ الشَيخَ الكَبيرَ يَصبو ... فـــــي كُـــــلِّ رَأسٍ نَـــــزوَةٌ وَطَـــــربَه
رُبَّ رِضىً أَفضَلُ مِنهُ غَضبَه ... كَم غَضبَةٍ طابَت بِها المَغَبَّه
يا عاشِقَ الدُنيا تَسَلَّ عَنها ... وَيلي عَلى الدُنيا وَوَيلي مِنها
ما أَسرَعَ الساعاتِ في الأَيّامِ ... وَأَســــرَعَ الأَيّــــامَ في الأَعوامِ
لِلمَــــــوتِ بــــــي جِــــــدٌّ وَأَيُّ جِــــــدِّ ... وَلَســــتُ لِلمَــــوتِ بِــــمُــــســــتَعِدِّ
هَــــل أُذُنٌ تَسمَعُ ما تُسَمِّعُ ... قَــــوارِعُ الدَهــــرِ الَّتــــي تُقَرِّعُ
ما طابَ فَرعٌ لا يَطيبُ أَصلُهُ ... اِحذَر مُؤاخاةَ اللَئيمِ فِعلُهُ
اِنظُر إِذا آخَيتَ مَن تُؤاخي ... ما كُلُّ مَن آخَيتَ بِالمُؤاخي
الحَمدُ لِلَّهِ الكَثيرِ خَيرُهُ ... لَم يَسَعِ الخَلقَ جَميعاً غَيرُهُ
مَن يَشتَكِ الدَهرَ يَطُل في الشَكوى ... الدَهرُ ما لَيسَ عَلَيهِ عَدوى
لَم نَـــــــرَ مَـــــــن دامَ لَهُ سُــــــرورُ ... وَصاحِبُ الدُنيا بِها مَغرورُ
نَــــعــــوذُ بِاللَهِ مِنَ الشَقاءِ ... ما أَطمَعَ الإِنسانَ في البَقاءِ
لَم يَخلُ مِن حُسنِ يَدٍ مَكانُهُ ... وَالمَــــرءُ لا يُسلِمَهُ إِحسانُهُ
مَن يَأمَنُ المَوتَ وَلَيسَ يُؤمِنُ ... نَحنُ لَهُ في كُلِّ يَومٍ نُؤذَنُ
يا رُبَّ ذي خَوفٍ أَتى مِن مَأمَنِه ... كَم مُبتَلىً مِن يَأسِهِ بِأَمَنِه
اِستَغنِ بِاللَهِ تَكُن غَنِيّاً ... اِرضَ عَــــنِ اللَهِ تَــــعِــــش رَضِــــيّــــا
يا رَبِّ إِنّا بِكَ يا عَظيمُ ... إِنَّكَ أَنتَ الواسِعُ الحَكيمُ
يَكونُ ما لا بُدَّ أَن يَكونا ... وَكُـــــلُّ راجٍ رَجَّمـــــَ الظُــــنــــونــــا
سُبحانَ مَن لا تنقضي عجائبه ... سُبحانَه مَن لا يَخيبُ طالِبُه
لَم يَـــــعـــــدَمِ اللَهُ وَلِلَّهِ القِــــدَم ... وَالســــابِــــقُ اللَهُ إِلى كُلِّ كَرَم
ما كُلُّ شَيءٍ يُبتغى يُنالُ ... وَطَـــــــلِبُ الحَـــــــقِّ لَهُ مَــــــقــــــالُ
أَفَـــــلحَ مَـــــن كــــانَ لَهُ تَــــفَــــكُّرُ ... ما كُلُّ ذي عَيشٍ يَرى ما يُبصِرُ
وَكُــــلُّ نَــــفــــسٍ فَــــلَهــــا تَعَلُّلُ ... وَإِنَّما النَفسُ عَلى ما تُحمَلُ
وَعـــــادَةُ الشَـــــرِّ فَــــشَــــرُّ عــــادَه ... وَالمَرءُ بَينَ النَقصِ وَالزِيادَة
لِكُــــــلِّ نــــــاعٍ ذاتَ يَـــــومٍ نـــــاعِ ... وَإِنَّما النَعيُ بِقَدرِ الناعي
وَكُــــــلُّ نَـــــفـــــسٍ فَـــــلَهـــــا دَواعِ ... ما أَكرَهَ الإِنسانَ لِلتَفَضُّلِ
وَإِنَّما الفَضلُ لِكُلِّ مُفضِلِ ... رَبِّ لَكَ الحَـــــمـــــدُ وَأَنــــتَ أَهــــلُهُ
مَن لَزِمَ التَقوى أَنارَ عَقلُهُ ... ما غايَةُ المُؤمِنِ إِلّا الجَنَّه
تَبارَكَ اللَهُ العَظيمُ المِنَّه ... يــــا عَــــجَباً لِلَّيلِ وَالنَهارِ
لا بَل لِساعاتِهِما القِصارِ ... مــــا أَطــــحَــــنَ الأَيّامَ لِلقُرونِ
كَم لِاِمرِئٍ مِن مَأمَنٍ خَؤونِ ... يــــا رُبَّ حُلوٍ سَيَعودُ سُمّا
وَرُبَّ حَـــــمـــــدٍ سَــــيَــــعــــودُ ذَمّــــا ... وَرُبَّ سِــــلمٍ سَــــيَــــعــــودُ حَــــربــــا
وَرُبَّ إِحــــســــانٍ يَــــعــــودُ ذَنبا ... المَــــوتُ لا يُــــفلِتُ حَيٌّ مِنهُ
كَـــــم ذائِقٍ لِلمَـــــوتِ لاهٍ عَــــنــــهُ ... ما أَسرَعَ البَغيَ لِكُلِّ باغِ
وَرُبَّ ذي بَـــــغـــــيٍ مِـــــنَ الفَـــــراغِ ... لِكُــــلِّ جَــــنبٍ ذاتَ يَومٍ مَصرَعُ
وَالحَقُّ ذو نورٍ عَلَيهِ يَسطَعُ ... لا تَطلُبُ المَعروفَ إِلّا مِن أَخِ
يَسومُكَ الوِدَّ بِهِ سَومَ السَخي ... الزُهدُ في الدُنيا هُوَ العَيشُ الرَخي
يــــا رُبَّ شُــــؤمٍ صارَ لِلبَخيلِ ... أَكرِم بِأَهلِ العِلمِ بِالجَميلِ
مَن كانَ في الدُنيا لَهُ زَهادَه ... فَعِندَها طابَت لَهُ العِبادَه
أَصلِح وَمَن يُصلِح فَماذا يَربَح ... وَالشَيءُ لا يَصلُحُ إِن لَم يُصلَح
كُلُّ جَديدٍ سَيَعودُ مُخلِقاً ... وَمَـــــــن أَصـــــــابَ مَــــــرَفِــــــقــــــا
ما اِنتَفَعَ المَرءُ بِمِثلِ عَقلِه ... وَخَيرُ ذُخرِ المَرءِ حَسنُ فِعلِه
لَم يَزَلِ اللَهُ عَلَينا مُنعِما ... وَمَن طَغى عاشَ فَقيراً مُعدَما
اليُبسُ وَالبَأسِ لِأَهلِ الباسِ ... وَســــادَةُ الناسِ خِيارُ الناسِ
أَيُّ بِــــــنــــــاءٍ لَيــــــسَ لِلخَــــــرابِ ... وَأَيُّ آتٍ لَيـــــــــــــسَ لِلذَهـــــــــــــابِ
كَأَنَّ شَيئاً لَم يَكُن إِذا اِنقَضى ... وَما مَضى مِمّا مَضى فَقَد مَضى
ما أَزيَنَ العَقلَ لِكُلِّ عاقِلِ ... ما أَشيَنَ الجَهلَ لِكُلِّ جاهِلِ
بُؤسى لِمَن قالَ بِما لا يَعلَمُ ... وَصاحِبُ الحَقِّ فَلَيسَ يَندَمُ
الخَيرُ أَهلٌ أَن يُحِبَّ أَهلُهُ ... وَالحَقُّ ذو خِفٍّ ثَقيلٍ حَملُهُ
وَالحَينُ خَتّالٌ لَطيفٌ خَتلُهُ ... أَينَ يَفِرُّ المَرءُ أَينَ أَينا
كُلُّ جَميعٍ سَيُلاقي بَينا ... إِلَيكِ يا دُنيا إِلَيكِ عَنّي
ماذا تُريدينَ تَخَلّي مِنّي ... يا دارُ دارَ الهَمِّ وَالمَعاصي
هَل فيكِ لي بابٌ إِلى الخَلاصِ ... نَطلُبُ أَن نَبقى وَلَيسَ نَبقى
كُلٌّ سَيَلقى اللَهَ حَقّا حَقّا ... لِكُلِّ عَينٍ عِبرَةٌ فيما تَرى
وَالحَقُّ مَحفوفٌ بِأَعلامِ الهُدى ... يَقبَلُهُ العَقلُ وَيَنفيهِ الهَوى
كَم بارَكَ اللَهُ لِقَلبي فَاِتَّسَع ... وَاللَهُ إِن بارَكَ في شَيءٍ نَفَع
لا تُتبِعِ المَعروفَ مِنكَ مِنّا ... أُخِيَّ أَحسِن بِأَخيكَ الظَنّا
سُبحانَكَ اللَهُمَّ سَلِّم سَلِّمِ ... وَتَمِّمِ النُعمى عَلَينا تَمَم
طوبى لِمَن صَحَّتــ بَناتُ حِسِّهِ ... وَمَن كَفاهُ اللَهُ شَرَّ نَفسِهِ
كَم دَولَةٍ سَوفَ يَكونُ غَيرُها ... وَسَوفَ يَفنى شَرُّها وَخَيرُها
يا عَجَباً لِلدَهرِ في تَقَلُّبِه ... المَرءُ مُذ كانَ عَلى تَوَثُّبِه
ما بَينَ نابَيهِ وَبَينَ مِخلَبِه ... ما أَعظَمَ الحُجَّةَ إِن عَقَلنا
ما يَغفُلُ المَوتُ وَإِن غافَلنا ... اِعتَبِرِ اليَومَ بِأَمسِ الذاهِبِ
وَاِعجَب فَما تَنفَكُّ مِن عَجائِبِ ... تَــــــــــــــــــــرى الأُمــــــــــــــــــــورَ
وَاللَهُ في كُلِّ الأُمورِ يَقضي ... تَــــــــــــــــــــبــــــــــــــــــــارَكَ اللَهُ
يا صاحِبَ التَسويفِ ماذا تَنتَظِر ... مَــــــــــــــــن قَــــــــــــــــنِــــــــــــــــعَ
وَالمَـــــوتُ مـــــا أَســــرَعَهُ وَأَوحــــى ... يــــا رَبِّ إِنّــــي بِــــكَ أَنــــتَ رَبّــــي
وَمِنكَ إِحسانٌ وَمِنّي ذَنبي ... أَستَغفِرُ اللَهَ فَنِعمَ القادِرُ
اللَهُ لي مِــــن شَــــرِّ مــــا أُحــــاذِرُ ... حَتّى مَتى المُذنِبُ لا يَتوبُ
أَما تَرى ما تَصنَعُ الخُطوبُ ... ما المُلكُ إِلّا الجاهُ عِندَ اللَهِ
الجاهُ عِندَ اللَهِ خَيرُ جاهِ ... كاسَ اِمرؤٌ مُنتَظِرٌ لِلمَوتِ
وَكاسَ مَن بادَرَ قَبلَ الفَوتِ ... سَبيلُ مَن ماتَ هُوَ السَبيلُ
بَقاؤنا مِن بَعدِهِم قَليلُ ... قَد يَضحَكُ القَلبُ بِعَينٍ تَبكي
وَالأَخذُ قَد يَجري بِمَعنى التَركِ ... ما هِيَ إِلّا الحادِثاتُ حَتّى
تَترُكَ أَهلَ الأَرضِ بَتّا بَتّا ... لا بُــــدَّ لا بُــــدَّ مِــــنَ الحَــــوادِثِ
تَمُرُّ تَطوي حادِثاً بِحادِثِ ... لا عَيشَ إِلّا عَيشُ أَهلِ الآخِرَه
إِنّا لَنَعمى وَالعُيونُ ناظِرَه ... المَــــوتُ حَــــقٌّ لَيــــسَ فــــيهِ شَكٌّ
تَفنى المُلوكُ وَيَبيدُ المُلكُ ... اللَهُ رَبّــــــي وَهــــــوَ المَـــــليـــــكُ
لَيـــــسَ لَهُ فـــــي مُــــلكِهِ شَــــريــــكُ ... اللَهُ يَفنينا وَلَيسَ يَفنى
لَهُ الجَلالُ وَالصِفاتُ الحُسنى ... اللَهُ مَولانا وَنِعمَ المَولى
فَقُل لِمَن يَعصيهِ أَولى أَولى ... مــــا هُــــوَ إِلّا عَــــفــــوُهُ وَحِــــلمُهُ
سُبحانَ مَن لا حُكمَ إِلّا حُكمُهُ ... نَتائِجُ الأَحوالِ مِن لا وَنَعَم
وَالنَفسُ ما بَينِ صُموتٍ وَعَدَم ... يَــــذهَــــبُ شَيءٌ وَيَجيءُ شَيُّ
مـــــــا هُـــــــوَ إِلّا رَشَــــــدٌ وَغَــــــيُّ ... وَإِنَّما العِلمُ بِعَينٍ وَأَثَر
وَإِنَّما التَعليمُ عِلمٌ وَخَبَر ... نَحنُ مِنَ الدُنيا عَلى وِفازِ
طوبى لِمَن أَسرَعَ في الجِهازِ ... وَكُــــلُّ مَأخوذٍ فَسَوفَ يُترَكُ
وَالمُلكُ لا يَبقى وَلا المُمَلَّكُ ... أَتَـــــت مُـــــلوكٌ وَمَـــــضَـــــت مُــــلوكُ
غَــــرَّتــــهُمُ الآمالُ وَالشُكوكُ ... المَــــلِكُ الحَــــيُّ هُوَ المُميتُ
لَهُ الجَــــمــــيعُ وَلَهُ الشَتيتُ ... في كُلِّ شَيءٍ عِبرَةٌ مِنَ العِبرِ
وَكُــــلُّ شَــــيــــءٍ بِقَضاءٍ وَقَدَر ... رَبّــــي إِلَيــــهِ تُــــرجَــــعُ الأُمــــورُ
أَستَغفِرُ اللَهَ هُوَ الغَفورُ ... عَمِلتُ سوءاً وَظَلَمتُ نَفسي
وَخِبتُ يَومي وَأَضَعتُ أَمسي ... وَلي غَدٌ يُؤخَذُ مِنّي لَهُما
هُما الدَليلانِ عَلى ذاكَ هُما ... يا عَجَباً مِن ظُلمِ الذُنوبِ
إِنَّ لَهــــا رَيناً عَلى القُلوبِ ... اللَهُ فَـــــعّـــــالٌ لِمـــــا يَـــــشــــاءُ
غَداً غَداً يَنكَشِفُ الغِطاءُ ... كَم شِدَّةٍ مِن بَعدِها رَخاءُ
إِنَّ الشَــــقِــــيَّ لِلشَــــقِيُّ الخائِنُ ... وَكُــــلُّنــــا عَــــمّــــا نَراهُ بائِنُ
كُلٌّ سَيَفنى عاجِلاً وَشيكا ... تَرحَلُ عَن تَيّا وَتَنأى تيكا
ناهيكَ مِمّا سَتَرى ناهيكا ... وَكُــــلُّ شَــــيــــءٍ مُــــقــــبِــــلٌ مُــــوَلِّ
وَكُــــــلُّ ذي شَـــــيـــــءٍ لَهُ مُـــــخَـــــلِّ ... رَضــــيــــتُ بِــــاللَهِ وَبِــــالقَضاءِ
ما أَكرَمَ الصَبرَ عَلى البَلاءِ ... نَــــعَبُ وَالدَهرُ بِنا سَريعُ
وَالمَــــوتُ بــــيــــنا دائِبٌ ذَريعُ ... كُلُّ بَني الدُنيا لَها صَريعُ
أَلا اِنتَبِه ثُمَّ اِنتَبِه يا ناعِسُ ... أُخَــــيَّ لا تَلعَب بِكَ الوَساوِسُ
دُنيايَ يا دُنيايَ يا دارَ الفِتَن ... يا دارُ يا دارَ الهُمومُ وَالحَزَنَ
يا غَيرَ الدَهرِ وَيا صَرفَ الزَمَن ... إِن أَنا لَم أَبكِ عَلى نَفسي فَمَن
لِكُـــــلِّ هَـــــمٍّ فَــــرَجٌ مِــــنَ الفَــــرَجِ ... تَثَقَّفَ الحَقُّ فَما فيهِ عِوَج
يا عَجَباً ما أَسرَعَ الأَيّاما ... عَجِبتُ لِلنائِمِ كَيفَ ناما
يا عَجَباً كُلٌّ لَهُ تَصريفُ ... صَـــــرَّفَهُ المُـــــصَـــــرِّفُ اللَطـــــيــــفُ
وَأَيُّ شَيءٍ لَيسَ فيهِ فِكرَه ... وَأَيُّ شَيءٍ لَيسَ فيهِ عِبرَه
نَرى اِفتِراقاً وَنَرى اِجتِماعا ... نَرى اِتِّصالاً وَنَرى اِنقِطاعا
المُؤمِنُ المُخلِصُ لا يَضيعُ ... وَحُـــــكـــــمَـــــةُ اللَهِ لَهُ رَبـــــيــــعُ
حَتّى مَتى لا تَرعَوي حَتّى مَتى ... لَقَد عَصَيتَ اللَهَ كَهلاً وَفَتى
ما أَقرَبَ النَقصَ مِنَ النَماءِ ... وَكُـــــلُّ مَـــــن تَـــــمَّ إِلى فَـــــنــــاءِ
أَرى البِلى فينا لَطيفَ الفَحصِ ... بَينَ الزِياداتِ وَبَينَ النَقصِ
إِن كُنتَ تَبغي أَن تَكونَ أَملَسا ... فَكُن مِنَ الدُنيا أَصَمَّ أَخرَسا
وَأَرغَب إِلى اللَهِ عَسى اللَهُ عَسى ... يا ذا الَّذي اِستيقاظُهُ مُشتَبَهُ
لا راقِــــدٌ أَنــــتَ وَلا مُــــنتبِهُ ... مَن آثَرَ المُلكَ عَلى الكَينونَه
كانَ مِنَ المُلكِ عَلى بَينونَه ... لِيَخشَ عَبدٌ دَعوَةَ المَظلومِ
وَحِكمَةِ الحَيِّ بِها القَيّومِ ... وَيحَكَ يا مُغتَصِبَ المِسكينِ
وَيحَكَ مِن دَيّانِ يَومِ الدَينِ ... الديــــــــنُ لِلَّهِ هُـــــــوَ الدَيّـــــــانُ
وَحُــــجَّةــــُ اللَهِ هِــــيَ السُــــلطــــانُ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الرجز. يُلقّب بـ«حمار الشعراء» لسهولته، ويُستعمل في المنظومات العلمية والارتجال.
تفعيلاته: مستفعلن مستفعلن مستفعلن.
القافية: رويّها حرف الراء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- الخوالي: خول: الخَالُ: أَخو الأُم، والخَالَة أُخْتُها، يُقَالُ: خَالٌ بَيِّن الخُؤُولة. وبَيْني وبين فلان خُؤُولة، وَالْجَمْعُ أَخوال وأَخْوِلَة؛ هَذِهِ عَنِ اللِّحْيَانِيِّ، وَهِيَ شَاذَّةٌ، والكثير خُؤُول وخُؤُولة؛ كِلَاهُمَا ع … (لسان العرب)
- الظالم: ظلم: الظُّلْمُ: وَضْع الشَّيْءِ فِي غَيْرِ موضِعه. وَمِنْ أَمْثَالِ الْعَرَبِ فِي الشَّبه: مَنْ أَشْبَهَ أَباه فَمَا ظَلَم؛ قَالَ الأَصمعي: مَا ظَلَم أَيْ مَا وَضَعَ الشَّبَه فِي غَيْرِ مَوْضعه وَفِي الْمَثَلِ: مَنِ اسْت … (لسان العرب)
- العامل: عمل: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي آيَةِ الصَّدَقات: وَالْعامِلِينَ عَلَيْها؛ هُمُ السُّعاة الَّذِينَ يأْخذون الصَّدَقات مِنْ أَربابها، وَاحِدُهُمْ عامِلٌ وساعٍ. وَفِي الْحَدِيثِ: مَا ترَكْتُ بعد نَفقة عيالي ومَؤُونة ع … (لسان العرب)
- المظلوم: ظلم: الظُّلْمُ: وَضْع الشَّيْءِ فِي غَيْرِ موضِعه. وَمِنْ أَمْثَالِ الْعَرَبِ فِي الشَّبه: مَنْ أَشْبَهَ أَباه فَمَا ظَلَم؛ قَالَ الأَصمعي: مَا ظَلَم أَيْ مَا وَضَعَ الشَّبَه فِي غَيْرِ مَوْضعه وَفِي الْمَثَلِ: مَنِ اسْت … (لسان العرب)
- بالعقل: عقل: العَقْلُ: الحِجْر والنُّهى ضِدُّ الحُمْق، وَالْجَمْعُ عُقولٌ. وَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: تِلْك عُقولٌ كادَها بارِئُها أَي أَرادها بسُوءٍ، عَقَلَ يَعْقِلُ عَقْلًا ومَعْقُولًا، وَهُوَ مَصْدَرٌ؛ قَالَ سِيبَوَ … (لسان العرب)
- تقديره: قدر: القَدِيرُ والقادِرُ: مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَكُونَانِ مِنَ القُدْرَة وَيَكُونَانِ مِنَ التَّقْدِيرِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ*؛ مِنَ القُدْرة، فَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ … (لسان العرب)
- ثوابه: ثوب: ثابَ الرَّجُلُ يَثُوبُ ثَوْباً وثَوَباناً: رجَع بَعْدَ ذَهَابِهِ. وَيُقَالُ: ثابَ فُلَانٌ إِلَى اللَّهِ، وتابَ، بِالثَّاءِ وَالتَّاءِ، أَي عادَ ورجعَ إِلَى طَاعَتِهِ، وَكَذَلِكَ أَثابَ بِمَعْنَاهُ. ورجلٌ تَوّابٌ أَو … (لسان العرب)